المأذون
24-05-2007, 09:33 AM
العنوسة : أسباب وحلول .
مقالة للدكتور صلاح فؤاد مكاوي . أجدني انقلها لقيمتها الموضوعية يقول الدكتور :
الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم , علّمه البيان , أنشأه من ضعف وينتهي أمره إلى الضعف , وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له قدّر للإنسان حياته وكتب نصيبه وكفاحه وهو العليم الخبير. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أنموذج الكادحين وسيّد المفلحين , صلوات ربّي وسلامه عليه وعلى سائر النبيّين والمرسلين , ورضي الله عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
وبعد :
فالأسرة أساس المجتمع ، وبقدر ما تكون الأسرة سوية ومترابطة ؛ بقدر ما يكون المجتمع قويًّا وسليماً وخالياً من الأمراض النفسية والاجتماعية ، قال تعالى : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم : 21] .
فالزواج .. حلم يداعب خيال كل فتاة كي تمارس غريزة إنسانية أودعها الله في قلب المرأة ألا وهي غريزة الأمومة ، ولكــن في زحمة الحياة وكثرة تعقيداتها ، بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجه الشباب اليوم ؛ يكاد هذا الحلم أن يتوارى في أغلب المجتمعات العربية ، ويوشك أن يتحول إلى سراب تلهث وراءه الفتاة العربية بعد فوات الأوان ، وبخاصة بعد أن ارتفعت نسبة العنوسة بصورة مخيفة تهدد أمن واستقرار تلك المجتمعات ، حيث أصبح الزواج مشكلة تعجز أمام حلها تقديرات علماء النفس والاجتماع لتشكل في النهاية ظاهرة – أو كارثة – بات شبحاً يهدد ملايين الفتيات في العالم العربي . وتعتبر أرقام وإحصائيات الزواج والطلاق في الدول العربية وحدها كفيلة بإبراز حجم المشكلة ، ومدى المخاوف والهواجس التي تفرض نفسها على تلك المجتمعات بقوة ، ليس فقط على مستوى نخبة المثقفين وعلماء النفس والاجتماع ، بل أيضاً على مستوى القيادات السياسية ، إلى حد أن بعض الرؤساء العرب اضطروا إلى التعرض لمشكلة العنوسة ومناقشة تداعياتها صراحة ، بل وطرح بعض الحلول في محاولة لتخفيف حدة تلك الظاهرة .
وكلمة عانس في اللغة العربية تنطبق على المرأة والرجل على عكس الانجليزية spinster حيث الكلمة مخصصة بالأنثى فقط . وورد في القاموس المحيط للفيروز أبادي أن العانِس هي "البنت البالغة التي لم تتزوج [والرجل الذي لم يتزوج] ، يقال : "عنست الفتاة ، أي طال مكثُها عند أهلها بعد إدراكها بلوغها " .
والمجتمع العربي أصبح يتخبط بين عاداته وتقاليده وبين تداعيات الحضارة والعولمة ، وتجسد ذلك واضحاً في عدم تفهم الأسر للتحولات الاقتصادية وما صاحبها من أزمات وتغيرات اجتماعية ، فهي لا تزال تطالب من يتقدم للزواج من بناتها بمطالب يعجز عن تلبيتها ، أو إصرارهما على أن تكون مواصفات حفل الزفاف ومكان انعقاده لا تقل عن حفل زفاف شقيقة العروس ، أو غير ذلك من الأسباب التي تسبب في حدوث هذه الظاهرة المشوهة للمجتمعات ، ومن ثم تحولت مشكلة العنوسة وفقاً لهذا الاتجاه إلى مشكلة مادية بحتة ، نتيجة التغييرات الحادة التي طرأت على تفكير أغلب الناس ونظام الحياة بشكل عام ، بحيث لم تعد الفتاة نفسها اليوم تحلم بالفارس الذي يحملها على الحصان الأبيض ، ولم تعد تهتم بقوة شخصية الرجل ، وإنما أصبح جل اهتمامها منصباً على قدرته على توفير حياة مرفهة لها .
وكثيرا ما يضع شبح لقب " العنوسة " الفتاة العربية تحت ضغط اجتماعي شديد وقاس ، لدرجة أن الفتاة التي لم تتم العشرين بعد قد تضطر إلى تقديم بعض التضحيات من أجل الزواج ، حتى لو كان ذلك على حساب كرامتها وكبريائها ، وذلك خشية أن تحمل لقب عانسة .
كما تلعب العادات الاجتماعية البالية دوراً بارزاً بين أسباب تفشي ظاهرة العنوسة في مجتمعاتنا العربية ، بزعم الحفاظ على الأنساب وتقويتها وتدعيمها وصيانتها من الاندثار ، وعلى رأسها ألا تتزوج القبلية من الحضري ولا الشريفة من غير الأشراف ، وألا تتزوج الغنية إلا من غني .. ، إلى جانب قيام أولياء الأمور بحجز الفتاة إلى ابن عمها أو ابن خالها بحجة أنه أولى بها من الغريب (كما يحدث في صعيد مصر أو دول الخليج العربي وبعض الدول العربية) حتى وإن لم يكن يحمل المؤهلات التي تجعله كفئاً للفتاة .
وتلعب البطالة دوراً مكملاً للأسباب السابقة ، فانحسار الوظائف وفرص العمل أمام الشباب أصبح هاجساً يؤرق كل طالب عمل ، ومحدودية الفرص الوظيفية للنساء ونمطيتها التقليدية صارت إطاراً لا يبدو الخروج منه سهلاً أو قريباً ، ومن ثم حالت البطالة دون حصول الشاب على فرصة عمل تدر عليه دخلا ثابتاً يمكنه من تحمـل أعباء الزواج ، وهكذا يمتنع عن الزواج ما دام غير قادر مادياً .
ومن بين هذه العادات أيضاً إصرار الأب أو الأم على ألا تتزوج الفتاة الصغيرة قبل الكبيرة ، أو أن ابنتهما مازلت صغيره على الزواج ولم تكمل بعد تعليمها الجامعي . وأيضاً تعنت بعض الفتيات ، ورفضهن الزواج من الأشخاص الذين لا يقيمون معهن في منطقة قريبة من بيت الأسرة .
وإذا كانت هذه الأسباب المباشرة لظاهرة العنوسة تقف وراءها الفتاة وأسرتها ، فإن هذا بالطبع لا يعني أن هناك أسبابا أخرى تتعلق بالشاب – أو الزوج المنتظر – نفسه ، وعلى رأسها أن أغلب الشباب راح يستمد من فتيات الإعلان مواصفات عروسه ، وفي الغالب لم يجدها إلى أن يفوته هو الآخر قطار الزواج .
كذلك الدول التي تحدث فيها الحروب والتي يذهب ضحيتَها الآلافُ من الشباب ، فتزيد نسبة الإناث إلى الذكور.
انسياق بعـض الفتيات وراء التيارات الفكرية المنادية بتحـرير المـرأة ، والمساواة مع الرجل ، وتحقيق الذات ، وهنا ترفض بعض الفتيات الزواج حتى ينتهين من التعليم ، ويقدرن أن ينفقن على أنفسهن ويحصلن على وظيفة مناسبة ، ولا يحتاجون إلى الذكور ، فتزيد أعمارهن ، وتقل فرصهن في الزواج .
كثرة المشاكل العائلية بين الأبوين ، فتنشأ الفتاة ولديها فكرة سيئة عن الزواج ، فترفض الإقدام عليه خوفًا من الوقوع في نفس المشاكل.
الاختلاط الفاسد والانحلال الخلقي ، فيجد الشباب الطريق ميسورًا لإشباع شهواته وقضاء حاجاته دون التزام أو قيد ، إضافة إلى أن هذا الاختلاط يدفع العديد من الشباب إلى عدم الثقة في النساء بوجه عام ، فيحجم عن الزواج .
- معارضة بعض الآباء في تزويج بناتهم الموظفات طمعاً في أموالهن ، مع تبرير موقفهم بحجج واهية .
وأمام هذا التعدد والتنوع في الأسباب التي أفضت إلى هذه المشكلة الخطيرة ، فقد أفرزت هذه المشكلة العديد من الآثار التي تهدد المجتمع الإسلامي، وتؤثر في تماسكه ، وتظهر خطورة العنوسة على عدة مستويات ، فقد بحيث تصاب الفتاة (العانس) بالعديد من الآلام النفسية ، فتشعر بالحزن والاكتئاب ، والنفور من الناس خشية السخرية والتلميح الجارح ، وهذا قد يترتب عليه العديد من الآلام النفسية والعضوية ، والأخطر أن الفتاة قد تنحرف عن الطريق السوي التماساً للسكن والعاطفة.
تُحْدِثُ العنوسة آثاراً نفسية سيئة أيضاً على كل أسرة فيها عانس ، حيث يشعر أفرادها بالحزن والهلع ، والخوف من نظرات الناس وتفسيرها بغير معناها واعتبارها نوعاً من الاتهام لهم ولبناتهم ، مما يؤثر بصورة سلبية على العلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع ، وقد يحدث التفكك والتحلل في المجتمع ، وتنتشر الأحقاد والضغائن بين أفراده ، كما ينتشر الفساد والرذائل والانحرافات ، التي تندفع إليها بعض الفتيات في ظل الدوافع النفسية التي يعانين منها ، كما تنبت في ظل مشكلة العنوسة بعض عادات الجاهلية ؛ كالسحر والدجل والشعوذة ، ظناً من البعض أن هذا سيؤدي إلى زواج بناتهم .
في الوقت نفسه قد تضطر الفتاة ـ رغبة في التخلص من شبح العنوسة ـ إلى القبول بأي زوج يتقدم إليها ، حتى لو كان اختيارها اختياراً غير متكافئ ( تشير إحصائيات وزارة العدل المصرية ـ مثلا ـ إلى زواج نحو 200 ألف فتاة مصرية من أثرياء أجانب كبار السن ) ، وهو ما يفضي في النهاية إلى طلاق مؤلم ، سواء أكان طلاقا محسوساً أو معنوياً .. وكم من زوجات وأزواج يجمعهما بيت واحد إلا أنهما منفصلان نفسيا ومعنويا !!
وقد تسلك الفتاة العانس طريقاً مغايراً تماماً للهروب من دوامات القلق واليأس هذه ، فتلجأ إلى الابتذال والسفور غير الطبيعي في ملابسها وهندامها بطريقة تثير غرائز الشباب ، رغبة في إثبات الذات والشعور بأنها مرغوبة مثل باقي أترابها ، بل وربما سعت في الوقت ذاته إلى كثرة الاختلاط بالشباب في الأماكن العامة وفي العمل والأسواق تحت زعم ما يسمى بالصداقة .
وأمام كل هذا الخطر... ما الحل ؟
إن العودة إلى شريعة الله وهدي النبي هي الشفاء من كل ما يصـيب المجتمع من مشكلات ، وهي الواقي للمجتمع من التدهور والانهيار تحت معاول الاختلاط والانحلال والغرائز والشهوات ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي) [مالك].
إن الإسلام لم يقف مكتوف الأيدي أمام هذه الظاهرة ، بل وضع العديد من الأسس والمبادئ التي تقضي عليها، وتجنب المسلمين أخطارها، ومن ذلك:
- الحث على الاعتدال والوسطية في كل شيء ، ومن ذلك المهور ؛ فلا تكون فوق الطاقة ، ويراعي الحرص على الخلق والدين قبل المال عند اختيار الزوج المناسب ، فإذا توفر الخلق النبيل والحرص على الدين ، فهذا هو الفوز والمغنم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد) [الترمذي].
وقد أفتى العلماء بجواز تزويج المعسر من مال الزكاة ، وقد أمر عمر بن عبد العزيز بالمال -من بيت المال- لتزويج الشباب.
- العمل على تحقيق التنمية في الدول الإسلامية ، بما يرفع من أحوال المعيشة ، لتسهيل فرص المعيشة الكريمة وبناء أسر جديدة بالزواج.
- إزالة الفجوات وتقريب المسافات بين مختلف أفراد المجتمع ، حتى لا يكون الاختلاف الطبقي مبرراً لعدم الزواج من صاحب الخلق والدين.
- الأخذ بمبدأ (تعدد الزوجات) ؛ الذي يُعَدُّ متنفسا شرعيًّا عظيم الفائدة ، في الحالات التي يزيد فيها عدد الإناث عن الذكور ، وخاصة في زمن الحرب وما يعقبها .
- نهى الإسلام الآباء عن منع بناتهن من الزواج ، لهوى في نفوسهم أو لمآرب يسعون إليها. يري الخبراء أن المؤسسات الاجتماعية والجمعيات الخيرية يمكن أن تجند طاقاتها وجهودها لمواجهة تفشي هذه الظاهرة ، وإعادة الاعتبار إلى شكل الزواج بوصفه رباطا أسريا وليس علاقة تجارية ، وذلك من خلال تنظيم الندوات والمحاضرات الدورية للتوعية بالمفهوم الإسلامي للزواج ولمحاربة شتي العادات والتقاليد التي عفا عليها الزمن .. فضلا عن إقامة الأسواق الخيرية المختلفة التي تساهم في توفير متطلبات بيت الزوجية بأسعار معقولة وبهامش ربح بسيط .. أو تقديم المساعدات المالية والقروض الحسنة لراغبي الزواج ، على أن يتم تقسيطها وفقا لظروف المقترض .
ففي المملكة العربية السعودية خاضت جمعية البر بالمنطقة الشرقية تجربة مماثلة أطلقت عليها مشروع تيسير الزواج للتوفيق بين راغبي الزواج وتقديم المساعدات المادية والقروض للشباب المقبل على الزواج وإحياء مبدأ التكافل الاجتماعي بين المسلمين ، وتقديم المساعدات العينية مثل الأثاث الجديد أو المستعمل الذي يقدمه المتبرعون ومحبو الخير ، بالإضافة إلى توسط إدارة المشروع لدى المتبرعين من أهل الخير لتوفير مكان مناسب لإقامة حفل الزواج بسعر تشجيعي ، أو الحصول على تخفيضات في أسعار الأثاث والتجهيزات.
ولى نفس الصعيد بدأت معظم البلدان العربية تنظم حفلات زواج جماعي تضم أعداداً من الشباب والشابات في زفاف واحد ضخم، مما يوفر مبالغ ضخمة تتكلفها كل حالة زواج ، وبخاصة بعد أن اتضح أن المبالغ التي تصرف على حفلات الزواج في دول الخليج ـ مثلا ـ تمثل سبباً رئيسياً في عزوف آلاف الشباب عن الزواج من مواطنات بلدهم ولجوئهم للزواج من فتيات بلدان عربية أخرى .
وأخيراً دعواتي لشباب المسلمين بالتوفيق والسداد ،،،
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
مقالة للدكتور صلاح فؤاد مكاوي . أجدني انقلها لقيمتها الموضوعية يقول الدكتور :
الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم , علّمه البيان , أنشأه من ضعف وينتهي أمره إلى الضعف , وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له قدّر للإنسان حياته وكتب نصيبه وكفاحه وهو العليم الخبير. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أنموذج الكادحين وسيّد المفلحين , صلوات ربّي وسلامه عليه وعلى سائر النبيّين والمرسلين , ورضي الله عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
وبعد :
فالأسرة أساس المجتمع ، وبقدر ما تكون الأسرة سوية ومترابطة ؛ بقدر ما يكون المجتمع قويًّا وسليماً وخالياً من الأمراض النفسية والاجتماعية ، قال تعالى : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم : 21] .
فالزواج .. حلم يداعب خيال كل فتاة كي تمارس غريزة إنسانية أودعها الله في قلب المرأة ألا وهي غريزة الأمومة ، ولكــن في زحمة الحياة وكثرة تعقيداتها ، بالإضافة إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجه الشباب اليوم ؛ يكاد هذا الحلم أن يتوارى في أغلب المجتمعات العربية ، ويوشك أن يتحول إلى سراب تلهث وراءه الفتاة العربية بعد فوات الأوان ، وبخاصة بعد أن ارتفعت نسبة العنوسة بصورة مخيفة تهدد أمن واستقرار تلك المجتمعات ، حيث أصبح الزواج مشكلة تعجز أمام حلها تقديرات علماء النفس والاجتماع لتشكل في النهاية ظاهرة – أو كارثة – بات شبحاً يهدد ملايين الفتيات في العالم العربي . وتعتبر أرقام وإحصائيات الزواج والطلاق في الدول العربية وحدها كفيلة بإبراز حجم المشكلة ، ومدى المخاوف والهواجس التي تفرض نفسها على تلك المجتمعات بقوة ، ليس فقط على مستوى نخبة المثقفين وعلماء النفس والاجتماع ، بل أيضاً على مستوى القيادات السياسية ، إلى حد أن بعض الرؤساء العرب اضطروا إلى التعرض لمشكلة العنوسة ومناقشة تداعياتها صراحة ، بل وطرح بعض الحلول في محاولة لتخفيف حدة تلك الظاهرة .
وكلمة عانس في اللغة العربية تنطبق على المرأة والرجل على عكس الانجليزية spinster حيث الكلمة مخصصة بالأنثى فقط . وورد في القاموس المحيط للفيروز أبادي أن العانِس هي "البنت البالغة التي لم تتزوج [والرجل الذي لم يتزوج] ، يقال : "عنست الفتاة ، أي طال مكثُها عند أهلها بعد إدراكها بلوغها " .
والمجتمع العربي أصبح يتخبط بين عاداته وتقاليده وبين تداعيات الحضارة والعولمة ، وتجسد ذلك واضحاً في عدم تفهم الأسر للتحولات الاقتصادية وما صاحبها من أزمات وتغيرات اجتماعية ، فهي لا تزال تطالب من يتقدم للزواج من بناتها بمطالب يعجز عن تلبيتها ، أو إصرارهما على أن تكون مواصفات حفل الزفاف ومكان انعقاده لا تقل عن حفل زفاف شقيقة العروس ، أو غير ذلك من الأسباب التي تسبب في حدوث هذه الظاهرة المشوهة للمجتمعات ، ومن ثم تحولت مشكلة العنوسة وفقاً لهذا الاتجاه إلى مشكلة مادية بحتة ، نتيجة التغييرات الحادة التي طرأت على تفكير أغلب الناس ونظام الحياة بشكل عام ، بحيث لم تعد الفتاة نفسها اليوم تحلم بالفارس الذي يحملها على الحصان الأبيض ، ولم تعد تهتم بقوة شخصية الرجل ، وإنما أصبح جل اهتمامها منصباً على قدرته على توفير حياة مرفهة لها .
وكثيرا ما يضع شبح لقب " العنوسة " الفتاة العربية تحت ضغط اجتماعي شديد وقاس ، لدرجة أن الفتاة التي لم تتم العشرين بعد قد تضطر إلى تقديم بعض التضحيات من أجل الزواج ، حتى لو كان ذلك على حساب كرامتها وكبريائها ، وذلك خشية أن تحمل لقب عانسة .
كما تلعب العادات الاجتماعية البالية دوراً بارزاً بين أسباب تفشي ظاهرة العنوسة في مجتمعاتنا العربية ، بزعم الحفاظ على الأنساب وتقويتها وتدعيمها وصيانتها من الاندثار ، وعلى رأسها ألا تتزوج القبلية من الحضري ولا الشريفة من غير الأشراف ، وألا تتزوج الغنية إلا من غني .. ، إلى جانب قيام أولياء الأمور بحجز الفتاة إلى ابن عمها أو ابن خالها بحجة أنه أولى بها من الغريب (كما يحدث في صعيد مصر أو دول الخليج العربي وبعض الدول العربية) حتى وإن لم يكن يحمل المؤهلات التي تجعله كفئاً للفتاة .
وتلعب البطالة دوراً مكملاً للأسباب السابقة ، فانحسار الوظائف وفرص العمل أمام الشباب أصبح هاجساً يؤرق كل طالب عمل ، ومحدودية الفرص الوظيفية للنساء ونمطيتها التقليدية صارت إطاراً لا يبدو الخروج منه سهلاً أو قريباً ، ومن ثم حالت البطالة دون حصول الشاب على فرصة عمل تدر عليه دخلا ثابتاً يمكنه من تحمـل أعباء الزواج ، وهكذا يمتنع عن الزواج ما دام غير قادر مادياً .
ومن بين هذه العادات أيضاً إصرار الأب أو الأم على ألا تتزوج الفتاة الصغيرة قبل الكبيرة ، أو أن ابنتهما مازلت صغيره على الزواج ولم تكمل بعد تعليمها الجامعي . وأيضاً تعنت بعض الفتيات ، ورفضهن الزواج من الأشخاص الذين لا يقيمون معهن في منطقة قريبة من بيت الأسرة .
وإذا كانت هذه الأسباب المباشرة لظاهرة العنوسة تقف وراءها الفتاة وأسرتها ، فإن هذا بالطبع لا يعني أن هناك أسبابا أخرى تتعلق بالشاب – أو الزوج المنتظر – نفسه ، وعلى رأسها أن أغلب الشباب راح يستمد من فتيات الإعلان مواصفات عروسه ، وفي الغالب لم يجدها إلى أن يفوته هو الآخر قطار الزواج .
كذلك الدول التي تحدث فيها الحروب والتي يذهب ضحيتَها الآلافُ من الشباب ، فتزيد نسبة الإناث إلى الذكور.
انسياق بعـض الفتيات وراء التيارات الفكرية المنادية بتحـرير المـرأة ، والمساواة مع الرجل ، وتحقيق الذات ، وهنا ترفض بعض الفتيات الزواج حتى ينتهين من التعليم ، ويقدرن أن ينفقن على أنفسهن ويحصلن على وظيفة مناسبة ، ولا يحتاجون إلى الذكور ، فتزيد أعمارهن ، وتقل فرصهن في الزواج .
كثرة المشاكل العائلية بين الأبوين ، فتنشأ الفتاة ولديها فكرة سيئة عن الزواج ، فترفض الإقدام عليه خوفًا من الوقوع في نفس المشاكل.
الاختلاط الفاسد والانحلال الخلقي ، فيجد الشباب الطريق ميسورًا لإشباع شهواته وقضاء حاجاته دون التزام أو قيد ، إضافة إلى أن هذا الاختلاط يدفع العديد من الشباب إلى عدم الثقة في النساء بوجه عام ، فيحجم عن الزواج .
- معارضة بعض الآباء في تزويج بناتهم الموظفات طمعاً في أموالهن ، مع تبرير موقفهم بحجج واهية .
وأمام هذا التعدد والتنوع في الأسباب التي أفضت إلى هذه المشكلة الخطيرة ، فقد أفرزت هذه المشكلة العديد من الآثار التي تهدد المجتمع الإسلامي، وتؤثر في تماسكه ، وتظهر خطورة العنوسة على عدة مستويات ، فقد بحيث تصاب الفتاة (العانس) بالعديد من الآلام النفسية ، فتشعر بالحزن والاكتئاب ، والنفور من الناس خشية السخرية والتلميح الجارح ، وهذا قد يترتب عليه العديد من الآلام النفسية والعضوية ، والأخطر أن الفتاة قد تنحرف عن الطريق السوي التماساً للسكن والعاطفة.
تُحْدِثُ العنوسة آثاراً نفسية سيئة أيضاً على كل أسرة فيها عانس ، حيث يشعر أفرادها بالحزن والهلع ، والخوف من نظرات الناس وتفسيرها بغير معناها واعتبارها نوعاً من الاتهام لهم ولبناتهم ، مما يؤثر بصورة سلبية على العلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع ، وقد يحدث التفكك والتحلل في المجتمع ، وتنتشر الأحقاد والضغائن بين أفراده ، كما ينتشر الفساد والرذائل والانحرافات ، التي تندفع إليها بعض الفتيات في ظل الدوافع النفسية التي يعانين منها ، كما تنبت في ظل مشكلة العنوسة بعض عادات الجاهلية ؛ كالسحر والدجل والشعوذة ، ظناً من البعض أن هذا سيؤدي إلى زواج بناتهم .
في الوقت نفسه قد تضطر الفتاة ـ رغبة في التخلص من شبح العنوسة ـ إلى القبول بأي زوج يتقدم إليها ، حتى لو كان اختيارها اختياراً غير متكافئ ( تشير إحصائيات وزارة العدل المصرية ـ مثلا ـ إلى زواج نحو 200 ألف فتاة مصرية من أثرياء أجانب كبار السن ) ، وهو ما يفضي في النهاية إلى طلاق مؤلم ، سواء أكان طلاقا محسوساً أو معنوياً .. وكم من زوجات وأزواج يجمعهما بيت واحد إلا أنهما منفصلان نفسيا ومعنويا !!
وقد تسلك الفتاة العانس طريقاً مغايراً تماماً للهروب من دوامات القلق واليأس هذه ، فتلجأ إلى الابتذال والسفور غير الطبيعي في ملابسها وهندامها بطريقة تثير غرائز الشباب ، رغبة في إثبات الذات والشعور بأنها مرغوبة مثل باقي أترابها ، بل وربما سعت في الوقت ذاته إلى كثرة الاختلاط بالشباب في الأماكن العامة وفي العمل والأسواق تحت زعم ما يسمى بالصداقة .
وأمام كل هذا الخطر... ما الحل ؟
إن العودة إلى شريعة الله وهدي النبي هي الشفاء من كل ما يصـيب المجتمع من مشكلات ، وهي الواقي للمجتمع من التدهور والانهيار تحت معاول الاختلاط والانحلال والغرائز والشهوات ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي) [مالك].
إن الإسلام لم يقف مكتوف الأيدي أمام هذه الظاهرة ، بل وضع العديد من الأسس والمبادئ التي تقضي عليها، وتجنب المسلمين أخطارها، ومن ذلك:
- الحث على الاعتدال والوسطية في كل شيء ، ومن ذلك المهور ؛ فلا تكون فوق الطاقة ، ويراعي الحرص على الخلق والدين قبل المال عند اختيار الزوج المناسب ، فإذا توفر الخلق النبيل والحرص على الدين ، فهذا هو الفوز والمغنم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد) [الترمذي].
وقد أفتى العلماء بجواز تزويج المعسر من مال الزكاة ، وقد أمر عمر بن عبد العزيز بالمال -من بيت المال- لتزويج الشباب.
- العمل على تحقيق التنمية في الدول الإسلامية ، بما يرفع من أحوال المعيشة ، لتسهيل فرص المعيشة الكريمة وبناء أسر جديدة بالزواج.
- إزالة الفجوات وتقريب المسافات بين مختلف أفراد المجتمع ، حتى لا يكون الاختلاف الطبقي مبرراً لعدم الزواج من صاحب الخلق والدين.
- الأخذ بمبدأ (تعدد الزوجات) ؛ الذي يُعَدُّ متنفسا شرعيًّا عظيم الفائدة ، في الحالات التي يزيد فيها عدد الإناث عن الذكور ، وخاصة في زمن الحرب وما يعقبها .
- نهى الإسلام الآباء عن منع بناتهن من الزواج ، لهوى في نفوسهم أو لمآرب يسعون إليها. يري الخبراء أن المؤسسات الاجتماعية والجمعيات الخيرية يمكن أن تجند طاقاتها وجهودها لمواجهة تفشي هذه الظاهرة ، وإعادة الاعتبار إلى شكل الزواج بوصفه رباطا أسريا وليس علاقة تجارية ، وذلك من خلال تنظيم الندوات والمحاضرات الدورية للتوعية بالمفهوم الإسلامي للزواج ولمحاربة شتي العادات والتقاليد التي عفا عليها الزمن .. فضلا عن إقامة الأسواق الخيرية المختلفة التي تساهم في توفير متطلبات بيت الزوجية بأسعار معقولة وبهامش ربح بسيط .. أو تقديم المساعدات المالية والقروض الحسنة لراغبي الزواج ، على أن يتم تقسيطها وفقا لظروف المقترض .
ففي المملكة العربية السعودية خاضت جمعية البر بالمنطقة الشرقية تجربة مماثلة أطلقت عليها مشروع تيسير الزواج للتوفيق بين راغبي الزواج وتقديم المساعدات المادية والقروض للشباب المقبل على الزواج وإحياء مبدأ التكافل الاجتماعي بين المسلمين ، وتقديم المساعدات العينية مثل الأثاث الجديد أو المستعمل الذي يقدمه المتبرعون ومحبو الخير ، بالإضافة إلى توسط إدارة المشروع لدى المتبرعين من أهل الخير لتوفير مكان مناسب لإقامة حفل الزواج بسعر تشجيعي ، أو الحصول على تخفيضات في أسعار الأثاث والتجهيزات.
ولى نفس الصعيد بدأت معظم البلدان العربية تنظم حفلات زواج جماعي تضم أعداداً من الشباب والشابات في زفاف واحد ضخم، مما يوفر مبالغ ضخمة تتكلفها كل حالة زواج ، وبخاصة بعد أن اتضح أن المبالغ التي تصرف على حفلات الزواج في دول الخليج ـ مثلا ـ تمثل سبباً رئيسياً في عزوف آلاف الشباب عن الزواج من مواطنات بلدهم ولجوئهم للزواج من فتيات بلدان عربية أخرى .
وأخيراً دعواتي لشباب المسلمين بالتوفيق والسداد ،،،
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .