المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سيرة الصحابة والصحابيات رضوان الله عليهم اجمعين


الساهر
09-09-2007, 06:16 PM
[align=center:a44038e5d8]http://j.saeed3.googlepages.com/saeed1.gif
http://j.saeed3.googlepages.com/saeed2.gif[/align:a44038e5d8]

[align=center:a44038e5d8]اخواني واخواتي اعضاء المنتدى
بمناسبة وصولي للمشاركة رقم 500
يسعدني أن
اقدم لكم سلسلة سيرة الصحابة والصحابيات رضوان الله عليهم اجمعين
ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين ونحن معهم بمنك وكرمك يا اكرم الاكرمين
آآمين

أبوبكر الصديق

إسلامه
لقي أبو بكر - رضي الله عنه - رسول الله - صلى الله عليه و سلم - فقال : ( أحقّ ما تقول قريش يا محمد من تركِكَ آلهتنا ، وتسفيهك عقولنا وتكفيرك آباءَنا ؟!) فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( إني رسول الله يا أبا بكر ، ونبّيه بعثني لأبلغ رسالته ، وأدعوك الى الله بالحق ، فوالله إنه للحق أدعوك الى الله يا أبا بكر ، وحده لا شريك له ، ولا نعبد غيره ، و الموالاة على طاعته أهل طاعته ) وقرأ عليه القرآن فلم ينكر ، فأسلم وكفر بالأصنام وخلع الأنداد ، و أقرّ بحقّ الإسلام ورجع أبو بكر وهو مؤمن مُصَدّق يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كَبْوَة وتردد ونظر إلا أبا بكر ما عَتّم عنه حين ذكرته له وما تردد فيه )
أول خطيب عندما بلغ عدد المسلمين تسعة وثلاثين رجلاً ، ألح أبو بكر على الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الظهور فقال الرسول : ( يا أبا بكر إنّا قليل ) فلم يزل يلح حتى ظهر الرسول -صلى الله عليه وسلم - وتفرّق المسلمون في نواحي المسجد ، وكل رجل معه ، وقام أبو بكر خطيباً ورسول الله جالس ، وكان أول خطيب دعا الى الله عزّ وجل والى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين ، فضربوهم ضربا شديدا ، ووُطىءَ أبو بكر ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة ، فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ، وأثّر على وجه أبي بكر حتى لا يعرف أنفه من وجهه ، وجاء بنو تيم تتعادى ، فأجلوا المشركين عن أبي بكر ، وحملوا أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه ولا يشكون في موته ، ورجعوا بيوتهم و قالوا :( والله لئن مات أبو بكـر لنقتلـن عُتبة ) ورجعوا الى أبي بكر وأخذوا يكلمونـه حتى أجابهم فتكلم آخر النهار فقال : ( ما فعـل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟) فنالوه بألسنتهم وقاموا

أم الخيــر
ولمّا خلت أم الخير ( والـدة أبي بكر ) به جعل يقول :( ما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟) قالت :( والله ما لي علم بصاحبك ) قال :( فاذهبي الى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه ) فخرجت حتى جاءت أم جميل ، فقالت : ( إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله ؟) قالت:( ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن تحبي أن أمضي معك الى ابنك فعلت ؟) قالت :( نعم ) فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا ، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت :( إنّ قوما نالوا منك هذا لأهل فسق ؟! وإنّي لأرجو أن ينتقـم الله لك قال: ( فما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟) قالت :( هذه أمك تسمع ؟) قال : (فلا عين عليك منها ) قالت :( سالم صالح ) قال: ( فأين هو ؟) قالت :( في دار الأرقم ) قال : ( فإن لله عليّ ألِيّة ألا أذوق طعاما أو شرابا أو آتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ) فأمهَلَتا حتى إذا هدأت الرِّجْل وسكن الناس خرجتا به يتكىء عليهما حتى دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانكب عليه يقبله وانكبّ عليه المسلمون ورقّ رسول الله فقال أبو بكر : ( بأبي أنت وأمي ليس بي إلاّ ما نال الفاسق من وجهي ، وهذه أمي بَرّة بوالديها ، وأنت مبارك فادعها الى الله ، وادع الله لها عسى أن يستنقذها بك من النار ) فدعا لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم دعاها الى الله عزّ وجل ، فأسلمت فأقاموا مع رسول الله في الدار شهراً ، وكان حمزة يوم ضُرِب أبو بكر قد أسلم
جهـــاده بمالــه
انفق أبوبكر معظم ماله في شراء من أسلم من العبيد ليحررهم من العبودية ويخلصهم من العذاب الذي كان يلحقه بهم ساداتهم من مشركي قريش ، فأعتق بلال بن رباح وستة آخرين من بينهم عامر بن فهيرة وأم عبيس فنزل فيه قوله تعالى :" ( وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى ")

منزلته من الرسول



كان - رضي الله عنه - من أقرب الناس الى قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعظمهم منزلة عنده حتى
قال فيه : ( ان من أمَنِّ الناس علي في صحبته وماله أبوبكر ، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوة الاسلام ومودته ، لا يبقين في المسجد باب إلا سُدّ إلا باب أبي بكر )
كما أخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأن أبا بكر أرحم الأمة للأمة ، وأنه أول من يدخل معه الجنة فقد قال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- : ( أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي ) وأنه صاحبه على الحوض فقد قال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( أنت صاحبي على الحوض ، وصاحبي في الغار )
كما أن أبو بكر الصديق هو والد أم المؤمنين عائشة لذا كان عظيـم الإفتخـار بقرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومصاهرته له وفي ذلك يقول : ( والذي نفسي بيـده لقرابة رسـول الله - صلى الله عليه وسلم - أحبُّ إليّ من أن أصل قرابتي )

الاســــراء والمعـــــراج

حينما أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة الى بيت المقدس ذهب الناس الى أبي بكر فقالوا له : (هل لك يا أبا بكر في صاحبك ، يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع الى مكة) فقال لهم أبو بكر : ( إنكم تكذبون عليه ) فقالوا : ( بلى ، ها هو ذاك في المسجد يحدث به الناس ) فقال أبو بكر : (والله لئن كان قاله لقد صدق ، فما يعجّبكم من ذلك فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من الله من السماء الى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه فهذا أبعد مما تعجبون منه]ثم أقبل حتى انتهى الى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( يا نبي الله ، أحدثت هؤلاء القوم أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة ؟) قال : ( نعم ) قال : ( يا نبي الله فاصفه لي ، فإني قد جئته ) فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ( فرفع لي حتى نظرت إليه) فجعل الرسول الكريم يصفه لأبي بكر ويقول أبو بكر : ( صدقت ، أشهد أنك رسول الله ) حتى إذا انتهى قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر : ( وأنت يا أبا بكر الصديق ) فيومئذ سماه الصديق

الصحبـه
لقد سجل له القرآن الكريم شرف الصحبة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أثناء الهجرة الى المدينةالمنورة
فقال تعالى ( ثاني اثنين اذ هما في الغار ، اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا )
كان أبو بكر رجلا ذا مال ، فاستأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-في الهجرة
فقال له الرسول :( لا تعْجل لعل الله يجعل لك صاحباً ) فطمع بأن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما يعني نفسه حين قال له ذلك ، فابتاع راحلتين فاحتبسهما في داره يعلفهما إعدادا لذلك ، وفي يوم الهجرة ، أتى الرسول -صلى الله عليه وسلم - بيت أبي بكر بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها ، فلما رآه أبو بكر قال : ( ما جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم -هذه الساعة إلا لأمر حدث ) فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره ، فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وليس عند أبي بكر إلا أسماء وعائشة ، فقال الرسول : ( أخرج عني من عندك ) فقال أبو بكر : ( يا رسول الله ، إنما هما ابنتاي ، وما ذاك ؟ فداك أبي وأمي فقال : ( إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة )فقال أبو بكر : ( الصُّحبة يا رسول الله ؟) قال :( الصُّحبة ) تقول السيدة عائشة : ( فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ ) ثم قال أبو بكر : ( يا نبيّ الله إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا ) فاستأجرا عبد الله بن أرْقَط ، وكان مشركاً يدلهما على الطريق ، فدفعا إليه راحلتيهما ، فكانت عنده يرعاهما لميعادهما

أبــواب الجنـــــة


عن أبا هريرة ‏قال :‏ ‏سمعت رسول الله ‏-صلى الله عليه وسلم- ‏‏يقول : (‏ ‏من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب‏ ‏- يعني الجنة - يا عبد الله هذا خير ، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ، ومن كان من أهل الجهاد ، دعي من باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان ) فقال أبو بكر ‏:( ‏ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة ) وقال :( هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله قال :( نعم ، وأرجو أن تكون منهم يا ‏‏أبا بكر

مناقبـــة وكراماتـــه
مناقب أبو بكر - رضي الله عنه - كثيرة ومتعددة فمن مناقبه السبق الى أنواع الخيرات والعبادات حتى قال عمر بن الخطاب : ( ما سبقت أبا بكر الى خير إلاّ سبقني ) وكان أبو بكر الصديق يفهم إشارات الرسول -صلى الله عليه وسلم- التي تخفى على غيره كحديث : ( أن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ما عنده ) ، ففهم أنه عليه الصلاة والسلام ينعي نفسه ، ومن ذلك أيضا فتواه في حضرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإقراره على ذلك0
وهو أول خليفة في الإسلام ، وأول من جمع المصحـف الشريـف ، وأول من أقام للناس حجّهـم في حياة رسـول اللـه -صلى اللـه عليـه وسلم - وبعده وكان في الجاهلية قد حرم على نفسه شرب الخمر ، وفي الإسلام امتنع عن قول الشعر كما أنه - رضي الله عنه - لم يفته أي مشهد مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد قال له الرسول - صلى اللـه عليه وسلم - : ( أنت عتيق الله من النار ) ، فسمّي عتيقاً

وقد بلغ بلال بن رباح أن ناساً يفضلونه على أبي بكر فقال : ( كيف تفضِّلوني عليه ، وإنما أنا حسنة من حسناته !!)
عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال : ‏كنت جالسا عند النبي ‏-‏ صلى الله عليه وسلم - ‏‏إذ أقبل ‏‏أبو بكر‏ ‏آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته ، فقال النبي ‏- ‏صلى الله عليه وسلم -: ( ‏‏أما صاحبكم فقد ‏‏غامر ‏‏) فسلم وقال : ( إني كان بيني وبين ‏‏ابن الخطاب ‏ ‏شيء ، فأسرعت إليه ثم ندمت ، فسألته أن يغفر لي ، فأبى علي فأقبلت إليك ) فقال : ( يغفر الله لك يا ‏أبا بكر ‏) ‏ثلاثا ، ثم إن ‏عمر ‏ندم ، فأتى منزل ‏أبي بكر ‏، ‏فسأل :( أثم ‏أبو بكر ‏) فقالوا : ( لا ) فأتى إلى النبي ‏-‏صلى الله عليه وسلم - ‏‏فسلم ، فجعل وجه النبي‏ -‏ صلى الله عليه وسلم - ‏‏يتمعر ، حتى أشفق ‏‏أبو بكر ،‏ ‏فجثا ‏‏على ركبتيه فقال : ( يا رسول الله ، والله أنا كنت أظلم مرتين ) فقال النبي ‏-‏ صلى الله عليه وسلم-: ( ‏إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت ، وقال ‏ أبو بكر‏ ‏صدق ، وواساني بنفسه وماله ، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي ) مرتين فما أوذي بعدها

خلافـته
وفي أثناء مرض الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمره أن يصلي بالمسلمين ، وبعد وفاة الرسول الكريم بويع أبوبكر بالخلافة في سقيفة بني ساعدة ، وكان زاهدا فيها ولم يسع اليها ، اذ دخل عليه ذات يوم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - فوجده يبكي ، فساله عن ذلك فقال له : ( يا عمر لا حاجة لي في امارتكم !!) فرد عليه عمر : ( أين المفر ؟ والله لا نقيلك ولا نستقيلك)

جيش اسامـه وجَّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسامة بن زيد في سبعمائة الى الشام ، فلمّا نزل بـذي خُشُـب - واد على مسيرة ليلة من المدينة - قُبِض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وارتدّت العرب حول المدينة ، فاجتمع إليه أصحاب رسول الله فقالوا : ( يا أبا بكر رُدَّ هؤلاء ، تُوجِّه هؤلاء الى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة ؟!)فقال : ( والذي لا إله إلا هو لو جرّت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما رَدَدْت جيشاً وجَّهه رسول الله ولا حللت عقدَهُ رسول الله ) فوجّه أسامة فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا : ( لولا أن لهؤلاء قوّة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم ، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم ) فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام
حروب الرده

عد وفـاة الرسـول - صلى الله عليه وسلم - ارتدت العرب ومنعت الزكاة ، واختلـف رأي الصحابة في قتالهم مع تكلمهم بالتوحيـد ، قال عمر بن الخطاب : ( كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ( أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا منّي دماءَهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله )؟!) فقال أبو بكر : ( الزكاة حقُّ المال ) وقال : ( والله لأقاتلن من فرّق الصلاة والزكاة ، والله لو منعوني عَنَاقاً كانوا يُؤدّونها الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم على منعها ) ونصب أبو بكر الصديق وجهه وقام وحده حاسراً مشمِّراً حتى رجع الكل الى رأيه ، ولم يمت حتى استقام الدين ، وانتهى أمر المرتدين

جيوش العـراق والشام
ولمّا فرغ أبو بكر - رضي الله عنه - من قتال المرتدين بعث أبا عبيدة الى الشام وخالد بن الوليد الى العراق ، وكان لا يعتمد في حروب الفتوحات على أحد ممن ارتدَّ من العرب ، فلم يدخل في الفتوح إلا من كان ثابتا على الإسلام

استخلاف عمـر لمّا أراد أبو بكر أن يستخلف عمر بن الخطاب بعث إليه وقال : ( إني أدعوك إلى أمر متعب لمن وليه ،فاتق الله يا عمر بطاعته ، وأطعه بتقواه ، فإن المتقي آمن محفوظ ، ثم إن الأمر معروض لا يستوجبه إلا من عمل به ، فمن أمر بالحق وعمل بالباطل ، وأمر بالمعروف وعمل بالمنكر يوشك أن تنقطع أمنيتُهُ ، وأن يحبط عمله ، فإن أنت وليت عليهم أمرهم فإن استطعت أن تخفّ يدك من دمائهم ، وأن تصم بطنك من أموالهم ، وأن يخف لسانك عن أعراضهم ، فافعل ولا حول ولا قوة إلا بالله )

وفـاته
ولد أبو بكر في مكة عام ( 51 قبل الهجرة ) ومات بالمدينة بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسنتين وثلاثة أشهر وبضع ليال سنة ( 13 هـ ) ولمّا كان اليوم الذي قُبض فيه أبو بكر رجّت المدينة بالبكاء ، ودهش الناس كيوم قُبض الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وجاء علي بن أبي طالب باكيا مسرعا وهو يقول : ( اليوم انقطعت خلافة النبوة) حتى وقف على البيت الذي فيه أبو بكر مسجّىً فقال : ( رحمك الله يا أبا بكر ، كنت أول القوم إسلاما ، وأكملهم إيمانا ، وأخوفهم لله ، وأشدهم يقينا ، وأعظمهم عناءً ، وأحوطهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأحدبهم على الإسلام ، وآمنهم على أصحابه ، وأحسنهم صُحْبة ، وأفضلهم مناقب ، وأكثرهم سوابق ، وأرفعهم درجة ، وأشبههم برسول الله -صلى الله عليه وسلم- به هدياً وخُلُقاً وسمتاً وفعلاً


عمر بن الخطاب

نـسبه
الفاروق أبو حفــص ، عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزَّى القرشي العدوي ، ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة ( 40 عام قبل الهجرة ) ، عرف في شبابه بالشـدة والقـوة ، وكانت له مكانة رفيعـة في قومه اذ كانت له السفارة في الجاهلية فتبعثـه قريش رسولا اذا ما وقعت الحرب بينهم أو بينهم و بين غيرهم وأصبح الصحابي العظيم الشجاع الحازم الحكيم العادل صاحب الفتوحات وأول من لقب بأمير المؤمنين0

إسلامـه

أسلم في السنة السادسة من البعثة النبوية المشرفة ، فقد كان الخباب بن الأرت يعلم القرآن لفاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد عندما فاجأهم عمر بن الخطـاب متقلـدا سيفه الذي خـرج به ليصفـي حسابه مع الإسـلام ورسوله ، لكنه لم يكد يتلو القرآن المسطور في الصحيفة حتى صاح صيحته المباركة :( دلوني على محمد )
وسمع خباب كلمات عمر ، فخرج من مخبئه وصاح :( يا عمـر والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصـك بدعـوة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ، فإني سمعته بالأمس يقول :( اللهم أيد الإسلام بأحب الرجلين إليك ، أبي الحكم بن هشام ، وعمر بن الخطاب ) فسأله عمر من فوره :( وأين أجد الرسول الآن يا خباب ؟) وأجاب خباب :( عند الصفـا في دار الأرقـم بن أبي الأرقـم )
ومضى عمر الى مصيره العظيم ففي دار الأرقم خرج إليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال :( أما أنت منتهيا يا عمر حتى يُنزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة ؟ اللهم هذا عمر بن الخطاب ، اللهم أعزّ الدين بعمر بن الخطاب ) فقال عمر :( أشهد أنّك رسول الله )
وباسلامه ظهر الاسلام في مكة اذ قال للرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون في دار الأرقم :( والذي بعثك بالحق لتخرجن ولنخرجن معك ) وخرج المسلمون ومعهم عمر ودخلوا المسجد الحرام وصلوا حول الكعبة دون أن تجـرؤ قريش على اعتراضهم أو منعهم ، لذلك سماه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ( الفاروق ) لأن الله فرق بين الحق والباطل
لسان الحـق
هو أحد العشرة المبشرين بالجنة ، ومن علماء الصحابة وزهادهم ، وضع الله الحق على لسانه اذ كان القرآن ينزل موافقا لرأيه ، يقول علي بن أبي طالب :( إنّا كنا لنرى إن في القرآن كلاما من كلامه ورأياً من رأيه ) كما قال عبد الله بن عمر :( مانزل بالناس أمر فقالوا فيه وقال عمر ، إلا نزل القرآن بوفاق قول عمر )
‏عن ‏أبي هريرة ‏-‏ رضي الله عنه - ‏‏قال :‏ ‏قال رسـول اللـه ‏-‏ صلى اللـه عليه وسلم -‏ ‏:( لقد كان فيما قبلكم من الأمم ‏‏محدثون ،‏ ‏فإن يك في أمتي أحد فإنه ‏‏عمر ‏) و‏زاد ‏‏زكرياء بن أبي زائدة ‏ ‏عن ‏ ‏سعد ‏ ‏عن ‏ ‏أبي سلمة ‏ ‏عن ‏أبي هريرة ‏‏قال ‏: ‏قال النبي ‏ ‏-صلى الله عليه وسلم-:( ‏ لقد كان فيمن كان قبلكم من ‏بني إسرائيل‏ ‏رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن من أمتي منهم أحد ‏‏فعمر ) ‏‏قال ‏‏ابن عباس ‏-‏ رضي الله عنهما -:( ‏‏من نبي ولا محدث ‏)

قوة الحق
كان قويا في الحق لا يخشى فيه لومة لائم ، فقد ‏استأذن ‏‏عمر بن الخطاب ‏‏على رسول الله ‏-‏صلى الله عليه وسلم- ‏‏وعنده ‏‏نسوة ‏من ‏قريش ،‏ ‏يكلمنه ويستكثرنه ، عالية أصواتهن على صوته ، فلما استأذن ‏‏عمر بن الخطاب ‏قمن فبادرن الحجاب، فأذن له رسول الله -‏صلى الله عليه وسلم-،‏ ‏فدخل ‏‏عمر ‏‏ورسول الله ‏-‏صلى الله عليه وسلم- ‏‏يضحك فقال ‏‏عمر :(‏ ‏أضحك الله سنك يا رسول الله )فقال النبي ‏-صلى الله عليه وسلم-‏ ‏:( عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي ، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب ) فقال ‏‏عمر :(‏ ‏فأنت أحق أن يهبن يا رسول الله ) ثم قال عمر ‏:( ‏يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله ‏-‏صلى الله عليه وسلم-) ‏فقلن :( نعم ، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله -‏صلى الله عليه وسلم-) ‏فقال رسول الله ‏-‏صلى الله عليه وسلم- ‏:( إيها يا ‏ابن الخطاب ‏، ‏والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا ‏فجا ‏قط إلا سلك ‏‏فجا ‏غير‏فجك )
ومن شجاعته وهيبته أنه أعلن على مسامع قريش أنه مهاجر بينما كان المسلمون يخرجون سرا ، وقال متحديا لهم :( من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي ) فلم يجرؤ أحد على الوقوف في وجهه

عمر في الأحاديث النبوية
رُويَ عن الرسـول -صلى الله عليه وسلم- العديد من الأحاديث التي تبين فضل عمـر بن الخطاب نذكر منها ( إن الله سبحانه جعل الحق على لسان عمر وقلبه ) ( الحق بعدي مع عمـر حيث كان ) ( لو كان بعدي نبيّ لكان عمـر بن الخطاب ) ( إن الشيطان لم يلق عمـر منذ أسلم إلا خرَّ لوجهه ) ( ما في السماء ملك إلا وهو يوقّر عمر ، ولا في الأرض شيطان إلا وهو يفرق من عمر )
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأةِ أبي طلحة وسمعت خشفاً أمامي ، فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا بلال ، ورأيت قصرا أبيض بفنائه جارية ، فقلت : لمن هذا القصر ؟ قالوا : لعمر بن الخطاب ، فأردت أن أدخله فأنظر إليه ، فذكرت غيْرتك ) فقال عمر :( بأبي وأمي يا رسول الله أعليك أغار !)
وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( بيْنا أنا نائم إذ أتيت بقدح لبنٍ ، فشربت منه حتى إنّي لأرى الريّ يجري في أظفاري ، ثم أعطيت فضْلي عمر بن الخطاب ) قالوا :( فما أوّلته يا رسول الله ؟) قال :( العلم )
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليّ وعليهم قمصٌ ، منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ أسفل من ذلك ، وعُرِضَ عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرّه قالوا :( فما أوَّلته يا رسول الله ؟قال :( الدين )

خلافة عمر
رغب أبو بكر -رضي الله عنه- في شخصية قوية قادرة على تحمل المسئولية من بعده ، واتجه رأيه نحو عمر بن الخطاب فاستشار في ذلك عدد من الصحابة مهاجرين وأنصارا فأثنوا عليه خيرا ومما قاله عثمان بن عفان :( اللهم علمي به أن سريرته أفضل من علانيته ، وأنه ليس فينا مثله ) وبناء على تلك المشورة وحرصا على وحدة المسلمين ورعاية مصلحتهم
أوصى أبو بكر الصديق بخلافة عمر من بعده ، وأوضح سبب اختياره قائلا :(اللهم اني لم أرد بذلك الا صلاحهم ، وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم ، واجتهدت لهم رأيا فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم ) ثم أخذ البيعة العامة له بالمسجد اذ خاطب المسلمين قائلا :(أترضون بمن أستخلف عليكم ؟ فوالله ما آليـت من جهـد الرأي ، ولا وليت ذا قربى ، واني قد استخلفـت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا ) فرد المسلمون :(سمعنا وأطعنا) وبايعوه سنة ( 13 هـ )
انجازاته

استمرت خلافته عشر سنين تم فيها كثير من الانجازات المهمة لهذا وصفه ابن مسعود -رضي الله عنه- فقال :( كان اسلام عمر فتحا ، وكانت هجرته نصرا ، وكانت إمامته رحمه ، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي الى البيت حتى أسلم عمر ، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا)
فهو أول من جمع الناس لقيام رمضان في شهر رمضان سنة ( 14 هـ ) ، وأول من كتب التاريخ من الهجرة في شهر ربيع الأول سنة ( 16 هـ ) ، وأول من عسّ في عمله ، يتفقد رعيته في الليل وهو واضع الخراج ، كما أنه مصّـر الأمصار ، واستقضـى القضـاة ، ودون الدواويـن ، وفرض الأعطيـة ، وحج بالناس عشر حِجَـجٍ متواليـة ، وحج بأمهات المؤمنين في آخر حجة حجها وهدم مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وزاد فيه ، وأدخل دار العباس بن عبد المطلب فيما زاد ووسّعه وبناه لمّا كثر الناس بالمدينة ، وهو أول من ألقى الحصى في المسجد النبوي ، فقد كان الناس إذا رفعوا رؤوسهم من السجود نفضوا أيديهم ، فأمر عمر بالحصى فجيء به من العقيق ، فبُسِط في مسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم-
وعمر -رضي الله عنه- هو أول من أخرج اليهود وأجلاهم من جزيرة العرب الى الشام ، وأخرج أهل نجران وأنزلهم ناحية الكوفة
الفتوحات الأسلاميه
لقد فتح الله عليه في خلافته دمشق ثم القادسية حتى انتهى الفتح الى حمص ، وجلولاء والرقة والرّهاء وحرّان ورأس العين والخابور ونصيبين وعسقلان وطرابلس وما يليها من الساحل وبيت المقدس وبَيْسان واليرموك والجابية والأهواز والبربر والبُرلُسّ وقد ذلّ لوطأته ملوك الفرس والروم وعُتاة العرب حتى قال بعضهم :( كانت درَّة عمر أهيب من سيف الحجاج )
هيبته وتواضعه
وبلغ -رضي الله عنه- من هيبته أن الناس تركوا الجلوس في الأفنية ، وكان الصبيان إذا رأوه وهم يلعبون فرّوا ، مع أنه لم يكن جبّارا ولا متكبّرا ، بل كان حاله بعد الولاية كما كان قبلها بل زاد تواضعه ، وكان يسير منفردا من غير حرس ولا حُجّاب ، ولم يغرّه الأمر ولم تبطره النعمة

استشهاده
كان عمر -رضي الله عنه- يتمنى الشهادة في سبيل الله ويدعو ربه لينال شرفها :( اللهم أرزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك) وفي ذات يوم وبينما كان يؤدي صلاة الفجر بالمسجد طعنه أبو لؤلؤة المجوسي ( غلاما للمغيرة بن شعبة ) عدة طعنات في ظهره أدت الى استشهاده ليلة الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة ولما علم قبل وفاته أن الذي طعنه ذلك المجوسي حمد الله تعالى أن لم يقتله رجل سجد لله تعالى سجدة ودفن الى جوار الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في الحجرة النبوية الشريفة الموجودة الآن في المسجد النبوي في المدينة المنورة0

عثمان بن عفان

نسبه

عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أميّة القرشي ، أحد العشرة المبشرين بالجنة وأحد الستة الذي جعل عمر الأمر شورى بينهم ، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق ، توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-وهو عنه راضٍ
صلى إلى القبلتيـن وهاجر الهجرتيـن وبمقتله كانت الفتنة الأولى في الإسلام

أسلامه

كان عثمان بن عفان - رضي الله عنه - غنياً شريفاً في الجاهلية ، وأسلم بعد البعثة بقليل ، فكان من السابقين إلى الإسلام ، فهو أول من هاجر إلى الحبشة مع زوجته رقيّة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الهجرة الأولى والثانية وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ( إنّهما لأوّل من هاجر إلى الله بعد لوطٍ ) ( إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوطٍ ) وهو أوّل من شيّد المسجد ، وأوّل من خطَّ المفصَّل ، وأوّل من ختم القرآن في ركعة ، وكان أخوه من المهاجرين عبد الرحمن بن عوف ومن الأنصار أوس بن ثابت أخا حسّان
قال عثمان : ( ان الله عز وجل بعث محمداً بالحق ، فكنتُ ممن استجاب لله ولرسوله ، وآمن بما بُعِثَ به محمدٌ ، ثم هاجرت الهجرتين وكنت صهْرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبايعتُ رسول الله فوالله ما عصيتُه ولا غَشَشْتُهُ حتى توفّاهُ الله عز وجل )
الصـلابه

لمّا أسلم عثمان - رضي الله عنه - أخذه عمّه الحكم بن أبي العاص بن أميّة فأوثقه رباطاً ، وقال :( أترغبُ عن ملّة آبائك إلى دين محدث ؟ والله لا أحلّك أبداً حتى تدعَ ما أنت عليه من هذا الدين ) فقال عثمان :( والله لا أدَعُهُ أبداً ولاأفارقُهُ )فلمّا رأى الحكم صلابتَه في دينه تركه

ذي النوريـن
لقّب عثمان - رضي الله عنه - بذي النورين لتزوجه بنتيْ النبي - صلى الله عليه وسلم - رقيّة ثم أم كلثوم ، فقد زوّجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ابنته رقيّة ، فلّما ماتت زوّجه أختها أم كلثوم فلمّا ماتت تأسّف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على مصاهرته فقال :( والذي نفسي بيده لو كان عندي ثالثة لزوّجنُكَها يا عثمان )
سهم بـدر
أثبت له رسول الله -صلى الله عليه وسلم - سهمَ البدريين وأجرَهم ، وكان غاب عنها لتمريضه زوجته رقيّة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

فقد قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- : ( إن لك أجر رجلٍ ممن شهد بدراً وسهمه )

الحديبــيه

بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- عثمان بن عفان يوم الحديبية إلى أهل مكة ، لكونه أعزَّ بيتٍ بمكة ، واتفقت بيعة الرضوان في غيبته ، فضرب الرسول - صلى الله عليه وسلم - بشماله على يمينه وقال : ( هذه يدُ عثمان ) فقال الناس : ( هنيئاً لعثمان )
جهاده بمالـه
ام عثمان بن عفان - رضي الله عنه - بنفسه وماله في واجب النصرة ، كما اشترى بئر رومة بعشرين ألفاً وتصدّق بها ، وجعل دلوه فيها لدِلاِءِ المسلمين ، كما ابتاع توسعة المسجد النبوي بخمسة وعشرين ألفاً
كان الصحابة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزاةٍ ، فأصاب الناس جَهْدٌ حتى بدت الكآبة في وجوه المسلمين ، والفرح في وجوه المنافقين ، فلما رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذلك قال : ( والله لا تغيب الشمس حتى يأتيكم الله برزقٍ ) فعلم عثمان أنّ الله ورسوله سيصدقان ، فاشترى أربعَ عشرة راحلةً بما عليها من الطعام ، فوجّه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم - منها بتسعٍ ، فلما رأى ذلك النبي قال :( ما هذا ؟) قالوا : أُهدي إليك من عثمان ، فعُرِفَ الفرحُ في وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والكآبة في وجوه المنافقين ، فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه حتى رُؤيَ بياضُ إبطيْه ، يدعو لعثمان دعاءً ما سُمِعَ دعا لأحد قبله ولا بعده : ( اللهم اعط عثمان ، اللهم افعل بعثمان )
قالت السيدة عائشة - رضي الله عنها -: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليَّ فرأى لحماً فقال :( من بعث بهذا ؟)قلت : عثمان فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رافعاً يديْهِ يدعو لعثمان

جيش العسُره
جهّز عثمان بن عفان - رضي الله عنه - جيش العُسْرَة بتسعمائةٍ وخمسين بعيراً وخمسين فرساً ، واستغرق الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الدعاء له يومها ، ورفع يديه حتى أُريَ بياض إبطيه فقد جاء عثمان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بألف دينار حين جهّز جيش العسرة فنثرها في حجره ، فجعل -صلى الله عليه وسلم - يقلبها ويقول : ( ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم ) مرتين

الحيـاء
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ( أشد أمتي حياءً عثمان )
قالت السيدة عائشة - رضي الله عنها - : استأذن أبو بكر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مضطجع على فراش ، عليه مِرْطٌ لي ، فأذن له وهو على حاله ، فقضى الله حاجته ، ثم انصرف ثم استأذن عمر فأذن له ، وهو على تلك الحال ، فقضى الله حاجته ، ثم انصرف ثم استأذن عثمان ، فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصلح عليه ثيابه وقال :( اجمعي عليك ثيابك ) فأذن له ، فقضى الله حاجته ثم انصرف ، فقلت :( يا رسول الله ، لم أركَ فزِعْتُ لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان ) فقال :( يا عائشة إن عثمان رجل حيي ، وإني خشيت إنْ أذنْتُ له على تلك الحال أن لا يُبَلّغ إليّ حاجته ) وفي رواية أخرى : ( ألا أستحي ممن تستحيي منه الملائكة )

فضله

دخل رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- على ابنته وهي تغسل رأس عثمان فقال : ( يا بنيّة أحسني إلى أبي عبد الله فإنّه أشبهُ أصحابي بي خُلُقـاً ) وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:( مَنْ يُبغضُ عثمان أبغضه الله ) وقال :( اللهم ارْضَ عن عثمان ) وقال :( اللهم إن عثمان يترضّاك فارْضَ عنه )
اختَصّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكتابة الوحي ، وقد نزل بسببه آيات من كتاب الله تعالى ، وأثنى عليه جميع الصحابة ، وبركاته وكراماته كثيرة ، وكان عثمان -رضي الله عنه- شديد المتابعة للسنة ، كثير القيام بالليل
قال عثمان - رضي الله عنه - : ( ما تغنيّتُ ولمّا تمنّيتُ ، ولا وضعتُ يدي اليمنى على فرجي منذ بايعتُ بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وما مرّت بي جمعة إلا وإعتقُ فيها رقبة ، ولا زنيتُ في جاهلية ولا إسلام ، ولا سرقت )

اللهم أشهــد
عن الأحنف بن قيس قال : انطلقنا حجّاجاً فمروا بالمدينة ، فدخلنا المسجد ، فإذا علي بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص فلم يكن بأسرع من أن جاء عثمان عليه ملاءة صفراء قد منع بها رأسه فقال :( أها هنا علي ؟) قالوا : نعم قال :( أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : ( من يبتاع مِرْبدَ بني فلان غفر الله له ؟) فابتعته بعشرين ألفاً أو بخمسة وعشرين ألفاً ، فأتيت رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت : ( إني قد ابتعته ) فقال : ( اجعله في مسجدنا وأجره لك ) ؟ قالوا : نعم
قال : ( أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :( من يبتاع بئر روْمة غفر الله له ) فابتعتها بكذا وكذا ، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت :( إني قد ابتعتها ) فقال : ( اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك )؟قالوا : نعم قال : ( أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نظر في وجوه القوم يوم ( جيش العُسرة ) فقال : ( من يجهز هؤلاء غفر الله له ) فجهزتهم ما يفقدون خطاماً ولا عقالاً )؟قالوا : نعم قال : ( اللهم اشهد اللهم اشهد ) ثم انصرف

الخلافـه

كان عثمان - رضي الله عنه - ثالث الخلفاء الراشدين ، فقد بايعه المسلمون بعد مقتل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- سنة 23 هـ ، فقد عيَّن عمر ستة للخلافة فجعلوا الأمر في ثلاثة ، ثم جعل الثلاثة أمرهم إلى عبد الرجمن بن عوف بعد أن عاهد الله لهم أن لا يألوا عن أفضلهم ، ثم أخذ العهد والميثاق أن يسمعوا ويطيعوا لمن عيّنه وولاه ، فجمع الناس ووعظهم وذكّرَهم ثم أخذ بيد عثمان وبايعه الناس على ذلك ، فلما تمت البيعة أخذ عثمان بن عفان حاجباً هو مولاه وكاتباً هو مروان بن الحكم
ومن خُطبته يوم استخلافه لبعض من أنكر استخلافه أنه قال :( أمّا بعد ، فإنَّ الله بعث محمداً بالحق فكنت ممن استجاب لله ورسوله ، وهاجرت الهجرتين ، وبايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، والله ما غششْتُهُ ولا عصيتُه حتى توفاه الله ، ثم أبا بكر مثله ، ثم عمر كذلك ، ثم استُخْلفتُ ، أفليس لي من الحق مثلُ الذي لهم ؟!)

الخيـــــر

انبسطت الأموال في زمنه حتى بيعت جارية بوزنها ، وفرس بمائة ألف ، ونخلة بألف درهم ، وحجّ بالناس عشر حجج متوالية

الفتوح الإسلامـيه
وفتح الله في أيام خلافة عثمان -رضي الله عنه- الإسكندرية ثم سابور ثم إفريقية ثم قبرص ، ثم إصطخر الآخـرة وفارس الأولى ثم خـو وفارس الآخـرة ، ثم طبرستان ودُرُبجرْد وكرمان وسجستان ، ثم الأساورة في البحر ثم ساحل الأردن

الفتنة

ويعود سبب الفتنة التي أدت إلى الخروج عليه وقتله أنه كان كَلِفاً بأقاربه وكانوا قرابة سوء ، وكان قد ولى على أهل مصر عبدالله بن سعد بن أبي السّرح فشكوه إليه ، فولى عليهم محمد بن أبي بكر الصديق باختيارهم له ، وكتب لهم العهد ، وخرج معهم مددٌ من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي السّرح ، فلمّا كانوا على ثلاثة أيام من المدينة ، إذ همّ بغلام عثمان على راحلته ومعه كتاب مفترى ، وعليه خاتم عثمان ، إلى ابن أبي السّرح يحرّضه ويحثّه على قتالهم إذا قدموا عليه ، فرجعوا به إلى عثمان فحلف لهم أنّه لم يأمُره ولم يعلم من أرسله ، وصدق -رضي الله عنه- فهو أجلّ قدراً وأنبل ذكراً وأروع وأرفع من أن يجري مثلُ ذلك على لسانه أو يده ، وقد قيل أن مروان هو الكاتب والمرسل ولمّا حلف لهم عثمان -رضي الله عنه- طلبوا منه أن يسلمهم مروان فأبى عليهم ، فطلبوا منه أن يخلع نفسه فأبى ، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قد قال له :( عثمان ! أنه لعلّ الله أن يُلبسَكَ قميصاً فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه )
الحصـــار
فاجتمع نفر من أهل مصر والكوفة والبصرة وساروا إليه ، فأغلق بابه دونهم ، فحاصروه عشرين أو أربعين يوماً ، وكان يُشرف عليهم في أثناء المدّة ، ويذكّرهم سوابقه في الإسلام ، والأحاديث النبوية المتضمّنة للثناء عليه والشهادة له بالجنة ، فيعترفون بها ولا ينكفّون عن قتاله !! وكان يقول :( إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عهد إليّ عهداً فأنا صابرٌ عليه ) ( إنك ستبتلى بعدي فلا تقاتلن )
وعن أبي سهلة مولى عثمان : قلت لعثمان يوماً : ( قاتل يا أمير المؤمنين ) قال :( لا والله لا أقاتلُ ، قد وعدني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمراً فأنا صابر عليه )
واشرف عثمان على الذين حاصروه فقال :( يا قوم ! لا تقتلوني فإني والٍ وأخٌ مسلم ، فوالله إن أردتُ إلا الإصلاح ما استطعت ، أصبتُ أو أخطأتُ ، وإنكم إن تقتلوني لا تصلوا جميعاً أبداً ، ولا تغزوا جميعاً أبداً ولا يقسم فيؤكم بينكم ) فلما أبَوْا قال :( اللهم احصهم عدداً ، واقتلهم بدداً ، ولا تبق منهم أحداً ) فقتل الله منهم مَنْ قتل في الفتنة ، وبعث يزيد إلى أهل المدينة عشرين ألفاً فأباحوا المدينة ثلاثاً يصنعون ما شاءوا لمداهنتهم

استشهــاده

وكان مع عثمان - رضي الله عنه - في الدار نحو ستمائة رجل ، فطلبوا منه الخروج للقتال ، فكره وقال :( إنّما المراد نفسي وسأقي المسلمين بها ) فدخلوا عليه من دار أبي حَزْم الأنصاري فقتلوه ، و المصحف بين يديه فوقع شيء من دمـه عليه ، وكان ذلك صبيحـة عيد الأضحـى سنة 35 هـ في بيته بالمدينة
ومن حديث مسلم أبي سعيد مولى عثمان بن عفان : أن عثمان أعتق عشرين عبداً مملوكاً ، ودعا بسراويل فشدَّ بها عليه ، ولم يلبَسْها في جاهلية ولا إسلام وقال :( إني رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- البارحة في المنام ، ورأيت أبا بكر وعمر وأنهم قالوا لي : اصبر ، فإنك تفطر عندنا القابلة ) دعا بمصحف فنشره بين يديه ، فقُتِلَ وهو بين يديه
كانت مدّة ولايته -رضي الله عنه وأرضاه- إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً وأربعة عشر يوماً ، واستشهد وله تسعون أو ثمان وثمانون سنة ودفِنَ -رضي الله عنه- بالبقيع ، وكان قتله أول فتنة انفتحت بين المسلمين فلم تنغلق إلى اليوم

يوم الجمـــــل
في يوم الجمل قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- :( اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان ، ولقد طاش عقلي يوم قُتِل عثمان ، وأنكرت نفسي وجاؤوني للبيعة فقلت :( إني لأستَحْيي من الله أن أبايع قوماً قتلوا رجلاً قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:( ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة ) وإني لأستحي من الله وعثمان على الأرض لم يدفن بعد فانصرفوا ، فلما دُفِنَ رجع الناس فسألوني البيعة فقلت :( اللهم إني مشفقٌ مما أقدم عليه ) ثم جاءت عزيمة فبايعتُ فلقد قالوا :( يا أمير المؤمنين ) فكأنما صُدِعَ قلبي وقلت :( اللهم خُذْ مني لعثمان حتى ترضى )

علي بن ابي طالب

نـسبـه
هو ابـن عم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولد قبل البعثة النبوية بعشر سنين وأقام في بيت النبوة فكان أول من أجاب الى الاسلام من الصبيان ، هو أحد العشرة المبشرين بالجنة ، وزوجته فاطمة الزهراء ابنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ووالد الحسن والحسين سيدي شباب الجنة 0
الرسول يضمه اليه
ان أول ذكر من الناس آمن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدق بما جاءه من الله تعالى : علي بن أبي طالب رضوان الله وسلامه عليه ، وهو يومئذ ابن عشر سنين ، فقد أصابت قريشاً أزمة شديدة ، وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال الرسول الكريم للعباس عمه : يا عباس ، إن أخاك أبا طالب كثير العيال ، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمـة ، فانطلق بنا إليه فلنخفـف عنه من عياله ، آخذ من بنيـه رجلا وتأخذ أنت رجلا فنكفهما عنه )فقال العباس :( نعم )
فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له : ( إنا نريد أن نخفف من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه ) فقال لهما أبو طالب : ( إذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما ) فأخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - علياً فضمه إليه ، وأخذ العباس جعفراً فضمه إليه ، فلم يزل علي مع رسول الله حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبياً ، فاتبعه علي - رضي الله عنه - وآمن به وصدقه ، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا حضرت الصلاة خرج الى شعاب مكة ، وخرج علي معه مستخفياً من أبيه وسائر قومه ، فيصليان الصلوات معا ، فإذا أمسيا رجعا0

منزلته من الرسول
لمّا آخى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين أصحابه قال لعلي : ( أنت أخي ) وكان يكتب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وشهد الغزوات كلها ما عدا غزوة تبوك حيث استخلفه الرسول -صلى الله عليه وسلم - في أهله وقال له : ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ) وكان مثالا في الشجاعة و الفروسية ما بارز أحد الا صرعه ، وكان زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( من أحب عليا فقد أحبني ، ومن أحبني فقد أحب الله ومن أبغض عليا فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله ) دعاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وزوجته فاطمة وابنيه ( الحسن والحسين ) وجلَّلهم بكساء وقال : ( اللهم هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس وطهِّرْهُم تطهيراً ) وذلك عندما نزلت الآية الكريمة
قال تعالى :( إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عنكم الرِّجسَ أهلَ البيت )
كما قال - عليه أفضل الصلاة والسلام -: ( اشتاقت الجنّةِ إلى ثلاثة : إلى علي وعمّار وبلال

ليلة الهجرة
في ليلة الهجرة ، اجتمع رأي المشركين في دار الندوة على أن يقتلوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في فراشه ، فأتى جبريل - عليه السلام - رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال : ( لا تبيت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه ) فلما كانت عتمة من الليل اجتمع المشركون على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه ، فلما رأى رسول الله مكانهم قال لعلي : ( نم على فراشي ، وتَسَجَّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه ، فإنه لن يَخْلُصَ إليك شيء تكرهه منهم ) ونام علي - رضي الله عنه - تلك الليلة بفراش رسول الله ، واستطاع الرسول - صلى الله عليه سلم - من الخروج من الدار ومن مكة ، وفي الصباح تفاجأ المشركون بعلي في فراش الرسول الكريم وأقام علي - كرّم الله وجهه - بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - الودائع التي كانت عنده للناس ، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله في قباء0

أبـوتــــــراب
دخل ‏علي ‏‏على ‏فاطمة - رضي الله عنهما -‏ ‏، ثم خرج فاضطجع في المسجد ، فقال النبي ‏- ‏صلى الله عليه وسلم - ‏: ( ‏أين ابن عمك ) قالت :( في المسجد ) فخرج إليه فوجد رداءه قد سقط عن ظهره ، وخلص التراب إلى ظهره ، فجعل يمسح التراب عن ظهره فيقول : ( اجلس يا ‏‏أبا تراب ) ‏مرتين

يــوم خيبـر
في غزوة خيبـر قال الرسـول - صلى اللـه عليه وسلم -: ( لأُعْطينّ الرايةَ غداً رجلاً يحب الله ورسوله ، ويُحبه الله ورسوله ، يفتح الله عليه ، أو على يديه ) فكان رضي الله عنه هو المُعْطَى وفُتِحَت على يديه

خلافتـــــه
لما استشهد عثمان -رضي الله عنه- سنة ( 35 هـ ) بايعه الصحابة والمهاجرين و الأنصار وأصبح رابع الخلفاء الراشدين ، يعمل جاهدا على توحيد كلمة المسلمين واطفاء نار الفتنة ، وعزل الولاة الذين كانوا مصدر الشكوى ذهبت السيدة عائشة زوجة الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى مكة المكرمة لتأدية العمرة في شهر محرم عام 36 هجري ، ولما فرغت من ذلك عادت الى المدينة ، وفي الطريق علمت باستشهاد عثمان واختيار علي بن أبي طالب خليفة للمسلمين ، فعادت ثانية الى مكة حيث لحق بها طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام -رضي الله عنهما - وطالب الثلاثة الخليفة بتوقيع القصاص على الذين شاركوا في الخروج على الخليفة عثمان - رضي الله عنه - ، وكان من رأي الخليفة الجديد عدم التسرع في ذلك ، والانتظار حتى تهدأ نفوس المسلمين ، وتستقر الأوضاع في الدولة الاسلامية ، غير أنهم لم يوافقوا على ذلك واستقر رأيهم على التوجه الى البصرة ، فساروا اليها مع أتباعهم 0

معركـة الجمل
خرج الخليفة من المدينة المنورة على رأس قوة من المسلمين على أمل أن يدرك السيدة عائشة - رضي الله عنها - ، ويعيدها ومن معها الى مكة المكرمة ، ولكنه لم يلحق بهم ، فعسكر بقواته في ( ذي قار ) قرب البصرة ، وجرت محاولات للتفاهم بين الطرفين ولكن الأمر لم يتم ، ونشب القتال بينهم وبذلك بدأت موقعة الجمل في شهر جمادي الآخرة عام 36 هجري ، وسميت بذلك نسبة الى الجمل الذي كانت تركبه السيدة عائشة -رضي الله عنها - خلال الموقعة ، التي انتهت بانتصار قوات الخليفة ، وقد أحسن علي -رضي الله عنه- استقبال السيدة عائشة وأعادها الى المدينة المنورة معززة مكرمة ، بعد أن جهزها بكل ما تحتاج اليه ، ثم توجه بعد ذلك الى الكوفة في العراق ، واستقر بها ، وبذلك أصبحت عاصمة الدولة الاسلامية 0

مواجهة معاويـة
قرر علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ( بعد توليه الخلافة ) عزل معاوية بن أبي سفيان عن ولاية الشام ، غير أن معاوية رفض ذلك ، كما امتنع عن مبايعته بالخلافة ، وطالب بتسليم قتلة عثمان - رضي الله عنه - ليقوم معاوية باقامة الحد عليهم ، فأرسل الخليفة الى أهل الشام يدعوهم الى مبايعته ، وحقن دماء المسلمين ، ولكنهم رفضوا فقرر المسير بقواته اليهم وحملهم على الطاعة ، وعدم الخروج على جماعة المسلمين ، والتقت قوات الطرفين عند ( صفين ) بالقرب من الضفة الغربية لنهر الفرات ، وبدأ بينهما القتال يوم الأربعاء (1 صفر عام 37 هجري )
وحينما رأى معاوية أن تطور القتال يسير لصالح علي وجنده ، أمر جيشه فرفعوا المصاحف على ألسنة الرماح ، وقد أدرك الخليفة خدعتهم وحذر جنوده منها وأمرهم بالاستمرار في القتال ، لكن فريقا من رجاله ، اضطروه للموافقة على وقف القتال وقبول التحكيم ، بينما رفضه فريق آخر وفي رمضان عام 37 هجري اجتمع عمر بن العاص ممثلا عن معاوية وأهل الشام ، وأبو موسى الأشعري عن علي وأهل العراق ، واتفقا على أن يتدارسا الأمر ويعودا للاجتماع في شهر رمضان من نفس العام ، وعادت قوات الطرفين الى دمشق والكوفة ، فلما حان الموعد المتفق عليه اجتمعا ثانية ، وكانت نتيجة التحكيم لصالح معاوية 0

الخـــــــوارج
اعلن فريق من جند علي رفضهم للتحكيم بعد أن اجبروا عليا -رضي الله عنه- على قبوله ، وخرجوا على طاعته ، فعرفوا لذلك باسم الخوارج ، وكان عددهم آنذاك حوالي اثني عشر ألفا ، حاربهم الخليفة وهزمهم في معركة (النهروان) عام 38 هجري ، وقضى على معظمهم ، ولكن تمكن بعضهم من النجاة والهرب وأصبحوا منذ ذلك الحين مصدر كثير من القلاقل في الدولة الاسلامية 0

استشهـاده
لم يسلم الخليفة من شر هؤلاء الخوارج اذ اتفقوا فيما بينهم على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص في ليلة واحدة ، ظنا منهم أن ذلك يحسم الخلاف ويوحد كلمة المسلمين على خليفة جديد ترتضيه كل الأمة ، وحددوا لذلك ثلاثة من بينهم لتنفيذ ما اتفقوا عليه ، ونجح عبد الرحمن بن ملجم فيما كلف به ، اذ تمكن من طعن علي - رضي الله عنه - بالسيف وهو خارج لصلاة الفجر من يوم الجمعة الثامن عشر من رمضان عام أربعين هجرية بينما أخفق الآخران وعندما هجم المسلمون على ابن ملجم ليقتلوه نهاهم علي قائلا : ( ان أعش فأنا أولى بدمه قصاصا أو عفوا ، وان مت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين ، ولا تقتلوا بي سواه ، ان الله لا يحب المعتدين ) وحينما طلبوا منه أن يستخلف عليهم وهو في لحظاته الأخيرة قال لهم :( لا آمركم ولا أنهاكم ، أنتم بأموركم أبصر ) واختلف في مكان قبره وباستشهاده - رضي الله عنه - انتهى عهد الخلفاء الراشدين0


يتبع[/align:a44038e5d8]

الساهر
09-09-2007, 06:25 PM
[align=center:4f5a182996]طلحة بن عبيدالله

نسبـه
طلحة بن عبيـد اللـه بن عثمان التيمـي القرشي المكي المدني ، أبو محمـد ، لقد كان في تجارة له بأرض بصرى ، حين لقي راهبا من خيار رهبانها ، وأخبره أن النبي الذي سيخرج من أرض الحرم ، قد أهل عصره ، ونصحه باتباعه وعاد الى مكـة ليسمع نبأ الوحي الذي يأتي الصادق الأميـن ، والرسالة التي يحملها ، فسارع الى أبي بكر فوجـده الى جانب محمد مؤمنا ، فتيقن أن الاثنان لن يجتمعا الا علـى الحق ، فصحبه أبـو بكر الى الرسـول - صلى الله عليه وسلم- حيث أسلم وكان من المسلمين الأوائل0

إيـمانه

لقد كان طلحة - رضي الله عنه - من أثرياء قومه ومع هذا نال حظه من اضطهاد المشركين ، وهاجر الى المدينة وشهد المشاهد كلها مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - الا غزوة بدر ، فقد ندبه النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه سعيد بن زيد الى خارج المدينة ، وعند عودتهما عاد المسلمون من بدر ، فحزنا الا يكونا مع المسلمين ، فطمأنهما النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن لهما أجر المقاتلين تماما ، وقسم لهما من غنائم بدر كمن شهدهاوقد سماه الرسول الكريم يوم أحُد ( طلحة الخير ) وفي غزوة العشيرة ( طلحة الفياض )ويوم حنين ( طلحة الجود )

بطولته يوم أحد
في أحد أبصر طلحة - رضي الله عنه - جانب المعركة الذي يقف فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلقيه هدفا للمشركين ، فسارع وسط زحام السيوف والرماح الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرآه والدم يسيل من وجنتيه ، فجن جنونه وقفز أمام الرسول -صلى الله عليه وسلم- يضرب المشركين بيمينه ويساره ، وسند الرسول -صلى الله عليه وسلم وحمله بعيدا عن الحفرة التي زلت فيها قدمه ، ويقول أبو بكر -رضي الله عنه- عندما يذكر أحدا :( ذلك كله كان يوم طلحة ، كنت أول من جاء الى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال لي الرسول ولأبي عبيدة بن الجراح :"دونكم أخاكم " ونظرنا ، واذا به بضع وسبعون بين طعنة وضربة ورمية ، واذا أصبعه مقطوعة ، فأصلحنا من شأنه )
وقد نزل قوله تعالى :" من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر ، وما بدلوا تبديلا "
تلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية أمام الصحابة الكرام ، ثم أشار الى طلحة قائلا :( من سره أن ينظر الى رجل يمشي على الأرض ، وقد قضى نحبه ، فلينظر الى طلحة ) ما أجملها من بشرى لطلحة -رضي الله عنه- ، فقد علم أن الله سيحميه من الفتنة طوال حياته وسيدخله الجنة فما أجمله من ثواب

عطائه وجودهوهكذا عاش طلحة - رضي الله عنه - وسط المسلمين مرسيا لقواعد الدين ، مؤديا لحقوقه ، واذا أدى حق ربه اتجه لتجارته ينميها ، فقد كان من أثرى المسلمين ، وثروته كانت دوما في خدمة الدين ، فكلما أخرج منها الشيء الكثير ، أعاده الله اليه مضاعفا ، تقول زوجته سعدى بنت عوف :( دخلت على طلحة يوما فرأيته مهموما ، فسألته : ما شأنك ؟ فقال : المال الذي عندي ، قد كثر حتى أهمني وأكربني وقلت له : ما عليك ، اقسمه فقام ودعا الناس ، وأخذ يقسمه عليهم حتى ما بقي منه درهما )
وفي احدى الأيام باع أرضا له بثمن عال ، فلما رأى المال أمامه فاضت عيناه من الدمع وقال :( ان رجلا تبيت هذه الأموال في بيته لا يدري مايطرق من أمر ، لمغرور بالله ) فدعا بعض أصحابه وحملوا المال معه ومضى في الشوارع يوزعها حتى أسحر وما عنده منها درهما
وكان - رضي الله عنه - من أكثر الناس برا بأهله وأقاربه ، وكان يعولهم جميعا ، لقد قيل :( كان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا الا كفاه مئونته ، ومئونة عياله ) ( وكان يزوج أياماهم ، ويخدم عائلهم ، ويقضي دين غارمهم ) ويقول السائب بن زيد :( صحبت طلحة بن عبيد الله في السفر و الحضر فما وجدت أحدا ، أعم سخاء على الدرهم ، والثوب ، والطعام من طلحة )

طلحة والفتنه

عندما نشبت الفتنة في زمن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أيد طلحة حجة المعارضين لعثمان ، وزكى معظمهم فيما ينشدون من اصلاح ، ولكن أن يصل الأمر الى قتل عثمان -رضي الله عنه- ، لا لكان قاوم الفتنة ، وما أيدها بأي صورة ، ولكن ماكان كان ، أتم المبايعة هو والزبير لعلي -رضي الله عنهم جميعا- وخرجوا الى مكة معتمرين ، ومن هناك الى البصرة للأخذ بثأر عثمان وكانت ( وقعة الجمل ) عام 36 هجري طلحة والزبير في فريق وعلي في الفريق الآخر ، وانهمرت دموع علي -رضي الله عنه- عندما رأى أم المؤمنين ( عائشة ) في هودجها بأرض المعركة ، وصاح بطلحة :( يا طلحة ، أجئت بعرس رسول الله تقاتل بها ، وخبأت عرسك في البيت ؟) ثم قال للزبير :( يا زبير : ناشدتك الله ، أتذكر يوم مر بك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن بمكان كذا ، فقال لك : يا زبير ، ألا تحب عليا ؟؟ فقلت : ألا أحب ابن خالي ، وابن عمي ، ومن هو على ديني ؟؟ فقال لك : يا زبير ، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم ) فقال الزبير : ( نعم أذكر الآن ، وكنت قد نسيته ، والله لاأقاتلك )

الشهاده

وأقلع طلحـة و الزبيـر - رضي الله عنهما - عن الاشتراك في هذه الحرب ، ولكن دفعـا حياتهما ثمنا لانسحابهما ، و لكن لقيا ربهما قريرة أعينهما بما قررا ، فالزبير تعقبه رجل اسمه عمرو بن جرموز وقتله غدرا وهو يصلي ، وطلحة رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته وبعد أن انتهى علي -رضي الله عنه- من دفنهما ودعهما بكلمات أنهاها قائلا : ( اني لأرجو أن أكون أنا وطلحـة والزبيـر وعثمـان من الذين قال الله فيهم :( ونزعنا ما في صدورهم من غل اخوانا على سرر متقابلين )ثم نظر الى قبريهما وقال :( سمعت أذناي هاتان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :( طلحة و الزبير ، جاراي في الجنة )

قبر طلحــة
لمّا قُتِلَ طلحة دُفِنَ الى جانب الفرات ، فرآه حلماً بعض أهله فقال :( ألاّ تُريحوني من هذا الماء فإني قد غرقت )قالها ثلاثاً ، فأخبر من رآه ابن عباس ، فاستخرجوه بعد بضعة وثلاثين سنة ، فإذا هو أخضر كأنه السِّلْق ، ولم يتغير منه إلا عُقْصته ، فاشتروا له داراً بعشرة آلاف ودفنوه فيها ، وقبره معروف بالبصرة ، وكان عمره يوم قُتِلَ ستين سنة وقيل أكثر من ذلك0

الزبير بن العوام
نسبه

الزبير بن العوام يلتقي نسبه مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -في ( قصي بن كلاب ) كما أن أمه ( صفية ) عمة رسول الله ، وزوجته أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين ، كان رفيع الخصال عظيم الشمائل ، يدير تجارة ناجحة وثراؤه عريضا لكنه أنفقه في الإسلام حتى مات مدينا0

الزبير وطلحة
أرتبط ذكرالزبيـر دوما مع طلحة بن عبيد الله ، فهما الاثنان متشابهان في النشأة والثراء والسخاء والشجاعة وقوة الدين ، وحتى مصيرهما كان متشابها فهما من العشرة المبشرين بالجنة وآخى بينهما الرسول -صلى الله عليه وسلم ، ويجتمعان بالنسب والقرابة معه ، وتحدث عنهما الرسول قائلا :( طلحة والزبيـر جاراي في الجنة ) ، و كانا من أصحاب الشورى الستة الذين اختارهم عمر بن الخطاب لإختيار خليفته 0

أول سيف شهر الأسلام

أسلم الزبير بن العوام وعمره خمس عشرة سنة ، وكان من السبعة الأوائل الذين سارعوا بالإسلام ، وقد كان فارسا مقداما ، وإن سيفه هو أول سيف شهر بالإسلام ، ففي أيام الإسلام الأولى سرت شائعة بأن الرسول الكريم قد قتل ، فما كان من الزبير إلا أن استل سيفه وامتشقه ، وسار في شوارع مكة كالإعصار ، وفي أعلى مكة لقيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فسأله ماذا به ؟ فأخبره النبأ فصلى عليه الرسول ودعا له بالخير ولسيفه بالغلب

إيمانه وصبره
كان للزبير - رضي الله عنه - نصيبا من العذاب على يد عمه ، فقد كان يلفه في حصير ويدخن عليه بالنار كي تزهق أنفاسه ، ويناديه :( اكفر برب محمد أدرأ عنك هذا العذاب ) فيجيب الفتى الغض : ( لا والله ، لا أعود للكفر أبدا )0ويهاجر الزبير الى الحبشة الهجرتين ، ثم يعود ليشهد المشاهد كلها مع الرسول ( ص ) -

غزوة أحد
في غزوة أحد وبعد أن انقلب جيش قريش راجعا الى مكة ، ندب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الزبير وأبوبكر لتعقب جيش المشركين ومطاردته ، فقاد أبوبكر والزبير -رضي الله عنهما - سبعين من المسلمين قيادة ذكية ، أبرزا فيها قوة جيش المسلمين ، حتى أن قريش ظنت أنهم مقدمة لجيش الرسول القادم لمطاردتهم فأسرعوا خطاهم لمكة هاربين0

بنو قريظة

وفي يوم الخندق قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( مَنْ رجلُ يأتينا بخبر بني قريظة ؟) فقال الزبير :( أنا ) فذهب ، ثم قالها الثانية فقال الزبير :( أنا ) فذهب ، ثم قالها الثالثة فقال الزبيـر :( أنا ) فذهب ، فقال النبـي -صلى الله عليه وسلم- :( لكل نبيّ حَوَارِيٌّ، والزبيـر حَوَاريَّ وابن عمتي )
وحين طال حصار بني قريظة دون أن يستسلموا للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، أرسل الرسول الزبيـر وعلي بن أبي طالب فوقفا أمام الحصن يرددان: ( والله لنذوقن ماذاق حمزة ، أو لنفتحن عليهم حصنهم ) ثم ألقيا بنفسيهما داخل الحصن وبقوة أعصابهما أحكما وأنزلا الرعب في أفئدة المتحصـنين داخله وفتحا للمسلمين أبوابه0

يـوم حنين

وفي يوم حنين أبصر الزبيـر ( مالك بن عوف ) زعيم هوازن وقائد جيوش الشرك في تلك الغزوة ، أبصره واقفا وسط فيلق من أصحابه وجيشه المنهزم ، فاقتحم حشدهم وحده ، وشتت شملهم وأزاحهم عن المكمن الذي كانوا يتربصون فيه ببعض المسلمين العائدين من المعركة

حبـه للجهـاد

كان الزبير بن العوام شديد الولع بالشهادة ، فهاهو يقول : ( إن طلحة بن عبيد الله يسمي بنيه بأسماء الأنبياء ، وقد علم ألا نبي بعد محمد ، وإني لأسمي بنيّ بأسماء الشهداء لعلهم يستشهدون )

وهكذا سمى ولده عبد الله تيمنا بالشهيد عبد الله بن جحش
وسمى ولـده المنـذر تيمنا بالشهيد المنـذر بن عمـرو
وسمى ولـده عـروة تيمنا بالشهيد عـروة بن عمـرو
وسمى ولـده حمـزة تيمنا بالشهيد حمزة بن عبد المطلب
وسمى ولـده جعفـراً تيمنا بالشهيد جعفر بن أبي طالب
وسمى ولـده مصعبا تيمنا بالشهيد مصعب بن عميـر
وسمى ولـده خالـدا تيمنا بالشهيد خالـد بن سعيـد
وهكذا أسماهم راجيا أن ينالوا الشهادة في يوم ما

وصيـته

كان توكله على الله منطلق جوده وشجاعته وفدائيته ، وحين كان يجود بروحه أوصى ولده عبد الله بقضاء ديونه قائلا :( إذا أعجزك دين ، فاستعن بمولاي ) وسأله عبد الله :( أي مولى تعني ؟)000 فأجابه :( الله ، نعم المولى ونعم النصير ) يقول عبدالله فيما بعد :( فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت : يا مولى الزبير اقضي دينه ، فيقضيه )

موقعة الجمل
بعد استشهاد عثمان بن عفان أتم المبايعة الزبير و طلحة لعلي - رضي الله عنهم جميعا - وخرجوا الى مكة معتمرين ، ومن هناك الى البصرة للأخذ بثأر عثمان ، وكانت ( وقعة الجمل ) عام 36 هجري طلحة والزبير في فريق وعلي في الفريق الآخر ، وانهمرت دموع علي - رضي الله عنه- عندما رأى أم المؤمنين ( عائشة ) في هودجها بأرض المعركة ، وصاح بطلحة :( يا طلحة ، أجئت بعرس رسول الله تقاتل بها ، وخبأت عرسك في البيت ؟)0ثم قال للزبير :( يا زبير : نشدتك الله ، أتذكر يوم مر بك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن بمكان كذا ، فقال لك : يا زبير ، الا تحب عليا ؟؟0فقلت : ألا أحب ابن خالي ، وابن عمي ، ومن هو على ديني ؟؟ فقال لك : يا زبير ، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم ) فقال الزبير :( نعم أذكر الآن ، وكنت قد نسيته ، والله لاأقاتلك )
وأقلع طلحة و الزبير - رضي الله عنهما - عن الاشتراك في هذه الحرب ، ولكن دفعا حياتهما ثمنا لانسحابهما ، و لكن لقيا ربهما قريرة أعينهما بما قررا فالزبير تعقبه رجل اسمه عمرو بن جرموز وقتله غدرا وهو يصلي ، وطلحة رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته

الشهـاده

لمّا كان الزبير بوادي السباع نزل يصلي فأتاه ابن جرموز من خلفه فقتله و سارع قاتل الزبير الى علي يبشره بعدوانه على الزبير ويضع سيفه الذي استلبه بين يديه ، لكن عليا صاح حين علم أن بالباب قاتل الزبير يستأذن وأمر بطرده قائلا :( بشر قاتل ابن صفية بالنار ) وحين أدخلوا عليه سيف الزبير قبله الإمام وأمعن في البكاء وهو يقول :( سيف طالما والله جلا به صاحبه الكرب عن رسول الله )
وبعد أن انتهى علي -رضي الله عنه- من دفنهما ودعهما بكلمات انهاها قائلا :( اني لأرجو أن أكون أنا وطلحـة والزبيـر وعثمان من الذين قال الله فيهم :( ونزعنا ما في صدورهم من غل اخوانا على سرر متقابلين )ثم نظر الى قبريهما وقال : ( سمعت أذناي هاتان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :( طلحة و الزبير ، جاراي في الجنة )

سعد بن ابي وقاص

اسلامه

كان سعد - رضي الله عنه - من النفر الذين دخلوا في الاسلام أول ما علموا به فلم يسبقه الا أبوبكر و علي وزيد و خديجة قال سعد : ( بلغني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم يدعوا الى الاسلام مستخفيا فعلمت أن الله أراد بي خيرا وشاء أن يخرجني بسببه من الظلمات الى النور فمضيت اليه مسرعا حتى لقيته في شعب جياد وقد صلى العصر فأسلمت0فما سبقني أحد الا أبي بكر وعلي وزيد - رضي الله عنهم - وكان ابن سبع عشرة سنة كما يقول سعد - رضي الله عنه : ( لقد أسلمت يوم أسلمت وما فرض الله الصلوات )

ثورة أمه

يقول سعد - رضي الله عنه - : (وما سمعت أمي بخبر اسلامي حتى ثارت ثائرتها وكنت فتى بارا بها محبا لها فأقبلت علي تقول :( يا سعد ما هذا الدين الذي اعتنقته فصرفك عن دين أمك و أبيك؟ والله لتدعن دينك الجديد أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فيتفطر فؤادك حزنا علي ويأكلك الندم على فعلتك التي فعلت وتعيرك الناس أبد الدهر ) فقلت : لاتفعلي يا أماه فأنا لا أدع ديني لأي شيء الا أن أمه اجتنبت الطعام ومكثت أياما على ذلك فهزل جسمها وخارت قواها فلما رأها سعد قال لها:( يا أماه اني على شديد حبي لك لأشد حبا لله ولرسوله ووالله لو كان لك ألف نفس فخرجت منك نفسا بعد نفس ما تركت ديني هذا بشيء )000فلما رأت الجد أذعنت للأمر وأكلت وشربت على كره منها0
ونزل قوله تعالى :"ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك الي المصير0 وأن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب الي ثم الي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون 0

أحدالعشرة المبشرين بلجنة
كان الرسول -صلى الله عليه وسلم يجلس بين نفر من أصحابه ، فرنا ببصره الى الأفق في إصغاء من يتلقى همسا وسرا ، ثم نظر في وجوه أصحابه وقال لهم :( يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة )000وأخذ الصحاب يتلفتون ليروا هذا السعيد ، فإذا سعد بن أبي وقاص آت000وقد سأله عبدالله بن عمرو بن العاص أن يدله على ما يتقرب به الى الله من عبادة وعمل فقال له :( لا شيء أكثر مما نعمل جميعا ونعبد ، غير أني لا أحمل لأحد من المسلمين ضغنا ولا سوءا )

الدعوة المجابة

كان سعد بن أبي وقاص إذا رمى عدوا أصابه وإذا دعا الله دعاء أجابه ، وكان الصحابة يردون ذلك لدعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- له : ( اللهم سدد رميته ، وأجب دعوته ) ويروى أنه رأى رجلا يسب طلحة وعليا والزبير فنهاه فلم ينته فقال له :( إذن أدعو عليك ) فقال الرجل : ( أراك تتهددني كأنك نبي ! )فانصرف سعد وتوضأ وصلى ركعتين ثم رفع يديه قائلا : ( اللهم إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سب أقواما سبقت لهم منك الحسنى ، وأنه قد أسخطك سبه إياهم ، فاجعله آية وعبرة ) فلم يمض غير وقت قصير حتى خرجت من إحدى الدور ناقة نادّة لا يردها شيء ، حتى دخلت في زحام الناس ثم اقتحمت الرجل فأخذته بين قوائمها ، ومازالت تتخبطه حتى مات0

أول دم هريق في الاسلام
بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم - في بداية الدعوة ، كان أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا صلوا ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم ، فبينما سعد بن أبي وقاص في نفر من الصحابة في شعب من شعاب مكة ، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون ، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم ، فضرب سعد - رضي الله عنه - يومئذ رجلاً من المشركين بلحي بعير فشجه ( العظم الذي فيه الأسنان ) ، فكان أول دم هريق في الإسلام 0

أول سهم رمي في الاسلام

بعثه الرسول -صلى الله عليه وسلم - في سرية عبيدة بن الحارث - رضي الله عنه- الى ماء بالحجاز أسفل ثنية المرة فلقوا جمعا من قريش ولم يكن بينهم قتال ألا أن سعد قد رمى يومئذ بسهم فكان أول سهم رمي به في الاسلام0

غزوة أحــد

وشارك في أحد وتفرق الناس أول الأمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووقف سعد يجاهد ويقاتل فلما رآه الرسول - صلى الله عليه وسلم - يرمي جعل يحرضه ويقول له :( يا سعد ارم فداك أبي وأمي ) 0وظل سعد يفتخر بهذه الكلمة طوال حياته ويقول : ( ما جمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأحد أبويه الا لي ) وذلك حين فداه بهما0

إمرة الجيـش
عندما احتدم القتال مع الفرس ، أراد أمير المؤمنين عمر أن يقود الجيش بنفسه ، ولكن رأى الصحابة أن تولى هذه الإمارة لرجل آخر واقترح عبدالرحمن بن عوف : ( الأسد في براثنه ، سعد بن مالك الزهري )وقد ولاه عمر - رضي الله عنه- امرة جيش المسلمين الذي حارب الفرس في القادسية وكتب الله النصر للمسلمين وقتلوا الكافرين وزعيمهم رستم وعبر مع المسلمين نهر دجلة حتى وصلوا المدائن وفتحوها ، وكان إعجازا عبور النهر بموسم فيضانه حتى أن سلمان الفارسي قد قال : ( إن الإسلام جديد ، ذللت والله لهم البحار ، كما ذللت لهم البر ، والذي نفس سلمان بيده ليخرجن منه أفواجا ، كما دخلوه أفواجا ) وبالفعل أمن القائد الفذ سعد مكان وصول الجيش بالضفة الأخرى بكتيبة الأهوال وكتيبة الخرساء ، ثم اقتحم النهر بجيشه ولم يخسر جنديا واحدا في مشهد رائع ، ونجاح باهر ودخل سعد بن أبي وقاص ايوان كسرى وصلى فيه ثماني ركعات صلاة الفتح شكرا لله على نصرهم 0

إمــــارة العـــراق
ولاه عمر - رضي الله عنهما - إمارة العراق ، فراح سعد يبني ويعمر في الكوفة ، وذات يوم اشتكاه أهل الكوفة لأمير المؤمنين فقالوا : ( إن سعدا لا يحسن يصلي ) ويضحك سعدا قائلا :( والله إني لأصلي بهم صلاة رسول الله ، أطيل في الركعتين الأوليين وأقصر في الآخرين ) واستدعاه عمر الى المدينة فلبى مسرعا ، وحين أراد أن يعيده الى الكوفة ضحك سعدا قائلا : ( أتأمرني أن أعود إلى قوم يزعمون أني لا أحسن الصلاة ؟!) ويؤثر البقاء في المدينة0

الستة اصحاب الشوارى

وعندما حضرت عمر - رضي الله عنه- الوفاة بعد أن طعنه المجوسي جعل الأمر من بعده الى الستة الذين مات النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راض و أحدهم سعد بن أبي وقاص ، وقال عمر : ( إن وليها سعد فذاك ، وإن وليها غيره فليستعن بسعد )0

سعـد والفتنه

اعتزل سعد الفتنة وأمر أهله وأولاده ألا ينقلوا له أخبارها ، وذات يوم ذهب إليه ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ويقول له :( يا عم ، ها هنا مائة ألف سيف يرونك أحق الناس بهذا الأمر ) فيجيبه سعد :( أريد من مائة ألف سيف ، سيفا واحدا ، إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا ، وإذا ضربت به الكافر قطع ) فتركه ابن أخيه بسلام وحين انتهى الأمر لمعاوية سأل سعدا :( مالك لم تقاتل معنا ؟ ) فأجابه : ( إني مررت بريح مظلمة فقلت : أخ000أخ000وأنخت راحلتي حتى انجلت عني ) فقال معاوية :( ليس في كتاب الله أخ000أخ000ولكن

قال الله تعالى :( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ، فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله )0
وأنت لم تكن مع الباغية على العادلة ، ولا مع العادلة مع الباغية ) فأجاب سعد قائلا :( ما كنت لأقاتل رجلا -يعني علي بن أبي طالب- قال له الرسول : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي )

وفاته

وعمر سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه- كثيرا ، وأفاء الله عليه من المال الخير الكثير، لكنه حين أدركته الوفاة دعا بجبة من صوف بالية وقال : ( كفنوني بها فاني لقيت بها المشركين يوم بدر ، واني أريد أن ألقى بها الله عز وجل أيضا ) ، وكان رأسه بحجر ابنه الباكي فقال له : ( ما يبكيك يا بني ؟، إن الله لا يعذبني أبدا ، وإني من أهل الجنة )فقد كان إيمانه بصدق بشارة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كبيرا ، وكانت وفاته سنة خمس وخمسين من الهجرة النبوية، وكان آخر المهاجرين وفاة ، ودفن في البقيع0

عبدالرحمن بن عوف

نسبه

عبد الرحمن بن عوف أحد الثمانية السابقين الى الإسلام ، عرض عليه أبو بكر الإسلام فما غُـمَّ عليه الأمر ولا أبطأ ، بل سارع الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يبايعه وفور إسلامه حمل حظـه من اضطهاد المشركين ، هاجر الى الحبشة الهجـرة الأولى والثانيـة ، كما هاجر الى المدينـة مع المسلميـن وشهـد المشاهد كلها ، فأصيب يوم أُحُد بعشريـن جراحا إحداها تركت عرجا دائما في ساقه ، كما سقطت بعـض ثناياه فتركت هتما واضحا في نطقه وحديثه0

التجـــــارة

كان - رضي الله عنه- محظوظا بالتجارة إلى حد أثار عَجَبه فقال : ( لقد رأيتني لو رفعت حجرا لوجدت تحته فضة وذهبا )وكانت التجارة عند عبد الرحمن بن عوف عملاً وسعياً لا لجمع المال ولكن للعيش الشريف ، وهذا ما نراه حين آخى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار ، فآخى بين عبد الرحمن بن عوف و سعد بن ربيع ،فقال سعد لعبد الرحمن : ( أخي أنا أكثر أهل المدينة مالا ، فانظر شطر مالي فخذه ، وتحتي امرأتان ، فانظر أيتهما أعجب لك حتى أطلّقها وتتزوجها ) فقال عبد الرحمن : ( بارك الله لك في أهلك ومالك ، دُلوني على السوق ) وخرج الى السوق فاشترى وباع وربح0

حق الله

كانت تجارة عبد الرحمن بن عوف ليست له وحده ، وإنما لله والمسلمون حقا فيها ، فقد سمع الرسول -صلى الله عليه وسلم يقول يوما :( يا بن عوف إنك من الأغنياء ، وإنك ستدخل الجنة حَبْوا ، فأقرض الله يُطلق لك قدميك ) ومنذ ذاك الحين وهو يقرض الله قرضـا حسنا ، فيضاعفـه الله له أضعافـا ، فقد باع يوما أرضا بأربعين ألف دينار فرّقها جميعا على أهله من بني زُهرة وأمهات المسلمين وفقراء المسلمين ،وقدّم خمسمائة فرس لجيوش الإسلام ، ويوما آخر ألفا وخمسمائة راحلة0
وعند موته أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله ، وأربعمائة دينار لكل من بقي ممن شهدوا بدرا حتى وصل للخليفة عثمان نصيبا من الوصية فأخذها وقال : ( إن مال عبد الرحمن حلال صَفْو ، وإن الطُعْمَة منه عافية وبركة ) وبلغ من جود عبد الرحمن بن عوف أنه قيل : ( أهل المدينة جميعا شركاء لابن عوف في ماله ، ثُلث يقرضهم ، وثُلث يقضي عنهم ديونهم ، وثلث يصِلَهم ويُعطيهم ) وخلّف بعده ذهبُ كثير ، ضُرب بالفؤوس حتى مجلت منه أيدي الرجال0

قافلة الإيمان
في أحد الأيام اقترب على المدينة ريح تهب قادمة اليها حسبها الناس عاصفة تثير الرمال ، لكن سرعان ما تبين أنها قافلة كبيرة موقَرة الأحمال تزحم المدينة وترجَّها رجّا ، وسألت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- : ( ما هذا الذي يحدث في المدينة ؟)000وأُجيبت أنها قافلة لعبد الرحمن بن عوف أتت من الشام تحمل تجارة له فَعَجِبَت أم المؤمنين : ( قافلة تحدث كل هذه الرجّة ؟) فقالوا لها : ( أجل يا أم المؤمنين ، إنها سبعمائة راحلة )0
وهزّت أم المؤمنين رأسها وتذكرت :( أما أني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :( رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حَبْوا ) ووصلت هذه الكلمات الى عبد الرحمن بن عوف ، فتذكر أنه سمع هذا الحديث من النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من مرة ، فحثَّ خُطاه الى السيدة عائشة وقال لها : ( لقد ذكَّرتني بحديث لم أنسه ) ثم قال : ( أما إني أشهدك أن هذه القافلة بأحمالها وأقتابها وأحْلاسِها في سبيل الله ) ووزِّعَت حُمولة سبعمائة راحلة على أهل المدينة وما حولها0

الخـوف

وثراء عبد الرحمن -رضي الله عنه- كان مصدر إزعاج له وخوف ، فقد جيء له يوما بطعام الإفطار وكان صائما ، فلما وقعت عليه عيناه فقد شهيته وبكى ثم قال : ( استشهد مصعب بن عمير وهو خير مني فكُـفّـن في بردة إن غطّت رأسه بدت رجلاه ، وإن غطّت رجلاه بدا رأسه ، واستشهد حمزة وهو خير مني ، فلم يوجد له ما يُكَـفّـن فيه إلا بردة ، ثم بُسِـطَ لنا في الدنيا ما بُسـط ، وأعطينا منها ما أعطينا وإني لأخشى أن نكون قد عُجّلـت لنا حسناتنا )
كما وضع الطعام أمامه يوما وهو جالس مع أصحابه فبكى ، وسألوه : ( ما يبكيك يا أبا محمد ؟) قال :( لقد مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم - وما شبع هو وأهل بيته من خبز الشعير ، ما أرانا أخّرنا لما هو خير لنا )
وخوفه هذا جعل الكبر لا يعرف له طريقا ، فقد قيل : ( أنه لو رآه غريب لا يعرفه وهو جالس مع خدمه ، ما استطاع أن يميزه من بينهم )0

الهروب من السلـطة

كان عبد الرحمن بن عوف من الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر الخلافة لهم من بعده قائلا : ( لقد توفي رسول الله وهو عنهم راض ) وأشار الجميع الى عبد الرحمن في أنه الأحق بالخلافة فقال : ( والله لأن تُؤخذ مُدْية فتوضع في حَلْقي ، ثم يُنْفَذ بها إلى الجانب الآخر ، أحب إليّ من ذلك ) وفور اجتماع الستة لإختيار خليفة الفاروق تنازل عبد الرحمن بن عوف عن حقه الذي أعطاه إياه عمر ، وجعل الأمر بين الخمسة الباقين ، فاختاروه ليكون الحكم بينهم وقال له علي -كرم الله وجهه- :( لقد سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصفَك بأنك أمين في أهل السماء ، وأمين في أهل الأرض ) فاختار عبد الرحمن بن عوف ( عثمان بن عفان ) للخلافة ، ووافق الجميع على إختياره0

وفــاتــه
في العام الثاني والثلاثين للهجرة جاد بأنفاسه - رضي الله عنه - وأرادت أم المؤمنين أن تخُصَّه بشرف لم تخصّ به سواه ، فعرضت عليه أن يُدفن في حجرتها الى جوار الرسول وأبي بكر وعمر ، لكنه استحى أن يرفع نفسه الى هذا الجوار ، وطلب دفنه بجوار عثمان بن مظعون إذ تواثقا يوما أيهما مات بعد الآخر يدفن الى جوار صاحبه وكانت يتمتم وعيناه تفيضان بالدمع : ( إني أخاف أن أحبس عن أصحابي لكثرة ما كان لي من مال ) ولكن سرعان ما غشته السكينة واشرق وجهه وأرْهِفَت أذناه للسمع كما لو كان هناك من يحادثه ، ولعله سمع ما وعده الرسول -صلى الله عليه وسلم- : ( عبد الرحمن بن عوف في الجنة )

سعيد بن زيــد
نسبه

سعيد بن زيــد بن عمرو بن نُفَيْل العدوي القرشي ، أبو الأعور ، من خيار الصحابة ابن عم عمر بن الخطاب وزوج أخته ، ولد بمكة عام ( 22 قبل الهجرة ) وهاجر الى المدينـة ، شهد المشاهد كلها إلا بدرا لقيامه مع طلحة بتجسس خبر العير ، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة ، كان من السابقين الى الإسلام هو وزوجته أم جميل ( فاطمة بنت الخطـاب )0

والده

وأبوه -رضي الله عنه- ( زيـد بن عمرو ) اعتزل الجاهليـة وحالاتها ووحّـد اللـه تعالى بغيـر واسطـة حنيفيـاً ، وقد سأل سعيـد بن زيـد الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال : ( يا رسـول الله ، إن أبـي زيـد بن عمرو بن نفيل كان كما رأيت وكما بَلَغَك ، ولو أدركك آمن بـك ، فاستغفر له ؟) قال : ( نعم )واستغفر له وقال : ( إنه يجيءَ يوم القيامة أمّةً وحدَهُ )

أحد العشرة المبشرين بالجنـة

روي عن سعيد بن زيد أنه قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ( عشرة من قريش في الجنة ، أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليّ ، وطلحة ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن مالك ( بن أبي وقاص ) ، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل ، و أبو عبيدة بن الجراح ) رضي الله عنهم أجمعين0

الدعـوة المجابة

كان - رضي الله عنه- مُجاب الدعوة ، وقصته مشهورة مع أروى بنت أوس ، فقد شكته الى مروان بن الحكم ، وادَّعت عليه أنّه غصب شيئاً من دارها ، فقال : ( اللهم إن كانت كاذبة فاعْمِ بصرها ، واقتلها في دارها ) فعميت ثم تردّت في بئر دارها ، فكانت منيّتُها0

الولايـــــــة

كان سعيد بن زيد موصوفاً بالزهد محترماً عند الوُلاة ، ولمّا فتح أبو عبيدة بن الجراح دمشق ولاّه إيّاها ، ثم نهض مع مَنْ معه للجهاد ، فكتب إليه سعيد : ( أما بعد ، فإني ما كنت لأُوثرَك وأصحابك بالجهاد على نفسي وعلى ما يُدْنيني من مرضاة ربّي ، وإذا جاءك كتابي فابعث إلى عملِكَ مَنْ هو أرغب إليه مني ، فإني قادم عليك وشيكاً إن شاء الله والسلام

البيــعة
كتب معاوية إلى مروان بالمدينة يبايع لإبنه يزيد ، فقال رجل من أهل الشام لمروان : ( ما يحبسُك ؟) قال مروان : ( حتى يجيء سعيد بن زيد يبايع ، فإنه سيـد أهل البلد ، إذا بايع بايع الناس ) قال : ( أفلا أذهب فآتيك به ؟) وجاء الشامـي وسعيد مع أُبيّ في الدار ، قال : ( انطلق فبايع ) قال : ( انطلق فسأجيء فأبايع ) فقال : ( لتنطلقنَّ أو لأضربنّ عنقك )قال : ( تضرب عنقي ؟ فوالله إنك لتدعوني إلى قوم وأنا قاتلتهم على الإسلام )
فرجع إلى مروان فأخبره ، فقال له مروان :( اسكت ) وماتت أم المؤمنين ( أظنّها زينب ) فأوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد ، فقال الشامي لمروان :( ما يحبسُك أن تصلي على أم المؤمنيـن ؟) قال مروان : ( أنتظر الذي أردت أن تضرب عنقـه ، فإنها أوصت أن يُصلي عليها ) فقال الشامي : ( أستغفر الله )

وفاتـه

توفي بالمدينة سنة ( 51 هـ ) ودخل قبره سعد بن أبي الوقاص وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم أجمعين[/align:4f5a182996]

[align=center:4f5a182996]يتبع[/align:4f5a182996]

الساهر
09-09-2007, 06:29 PM
[align=center:3cbf6f6d84]أبوعبيدة بن الجراح



نسبه

أبوعبيدة عامر بن عبدالله بن الجراح الفهري، يلتقي مع النبي- صلى الله عليه وسلم - في أحد أجداده (فهر بن مالك)وأمه من بنات عم أبيه أسلمت وقتل أبوه كافرا يوم بدر ، كان - رضي الله عنه - طويل القامة ، نحيف الجسم ، خفيف اللحية، أسلم على يد أبي بكر الصديق في الأيام الأولى للاسلام ، وهاجر الى الحبشة في الهجرة الثانية ثم عاد ليشهد مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- المشاهد كلها0

غزوة بدر
وفي غزوة بدر جعل أبو ( أبو عبيدة ) يتصدّى لأبي عبيدة ، فجعل أبو عبيدة يحيد عنه ، فلمّا أكثر قصدَه فقتله فأنزل الله هذه الآية قال تعالى ( لا تجدُ قوماً يؤمنون بالله واليومِ الآخر يُوادُّون مَنْ حادَّ الله ورسوله ولو كانوا آباءَ هُم أو أبناءَ هم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتبَ في قلوبهم الأيمان)0

غزوة أحد
يقول أبوبكر الصديق -رضي الله عنه -: ( لما كان يوم أحد ، ورمي الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر ، أقبلت أسعى الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وانسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا ، فقلت : اللهم اجعله طاعة ، حتى اذا توافينا الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اذا هو أبوعبيدة بن الجراح قد سبقني ، فقال : ( أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم ) فتركته ، فأخذ أبوعبيدة بثنيته احدى حلقتي المغفر ، فنزعها وسقط على الأرض وسقطت ثنيته معه ، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيته الأخرى فسقطت ، فكان أبوعبيدة في الناس أثرم )0

غـزوة الخـبط
أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- أباعبيدة بن الجراح أميرا على ثلاثمائة وبضعة عشرة مقاتلا ، وليس معهم من الزاد سوى جراب تمر ، والسفر بعيد ، فاستقبل أبوعبيدة واجبه بغبطة وتفاني ، وراح يقطع الأرض مع جنوده وزاد كل واحد منهم حفنة تمر ، وعندما قل التمر أصبح زادهم تمرة واحدة في اليوم ، وعندما فرغ التمر راحوا يتصيدون ( الخبط ) أي ورق الشجر فيسحقونه ويسفونه ويشربون عليه الماء ، غير مبالين الا بانجاز المهمة ، لهذا سميت هذه الغزوة بغزوة الخبط 0

أمين الأمة

قدم أهل نجران على النبي- صلى الله عليه وسلم - وطلبوا منه ان يرسل اليهم واحدا فقال عليه الصلاة والسلام : ( لأبعثن -يعني عليكم - أمينا حق امين ) فتشوق أصحابه رضوان الله عليهم يريدون أن يبعثوا لا لأنهم يحبون الامارة أو يطمعون فيها ولكن لينطبق عليهم وصف النبي - صلى الله عليه و سلم - "أمينا حق امين" وكان عمر نفسه -رضي الله عليه - من الذين حرصوا على الامارة لهذا آنذاك بل صار - كما قال يتراءى - أي يري نفسه - للنبي صلى الله عليه وسلم - حرصا منه -رضي الله عنه - أن يكون أمينا حق أمين ولكن النبي صلى الله عليه وسلم - تجاوز جميع الصحابة وقال : ( قم يا أباعبيدة ) كما كان لأبي عبيدة مكانة عالية عند عمر فقد قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو يجود بأنفاسه : ( لو كان أبوعبيدة بن الجراح حيا لاستخلفته فان سألني ربي عنه ، قلت : استخلفت أمين الله ، وأمين رسوله )

معـركة اليرموك

في أثناء قيادة خالد -رضي الله عنه- معركة اليرموك التي هزمت فيها الامبراطورية الرومانية توفي أبوبكر الصديق -رضي الله عنه - ، وتولى الخلافة بعده عمر - رضي الله عنه - ، وقد ولى عمر قيادة جيش اليرموك لأبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة وعزل خالد وصل الخطاب الى أبى عبيدة فأخفاه حتى انتهت المعركة ، ثم أخبر خالدا بالأمر ، فسأله خالد : ( يرحمك الله أباعبيدة ، ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب ؟) فأجاب أبوعبيدة : ( اني كرهت أن أكسر عليك حربك ، وما سلطان الدنيا نريد ، ولا للدنيا نعمل ، كلنا في الله أخوة )وأصبح أبوعبيدة أمير الأمراء بالشام0

تواضعة
ترامى الى سمعه أحاديث الناس في الشام عنه ، وانبهارهم بأمير الأمراء ، فجمعهم وخطب فيهم قائلا :( يا أيها الناس ، اني مسلم من قريش ، وما منكم من أحد أحمر ولا أسود ، يفضلني بتقوى الا وددت أني في اهابه !!) وعندما زار أمير المؤمنين عمر الشام سأل عن أخيه ، فقالوا له :( من ؟)000قال :( أبوعبيدة بن الجراح ) وأتى أبوعبيدة وعانقه أمير المؤمنين ثم صحبه الى داره ، فلم يجد فيها من الأثاث شيئا ، الا سيفه وترسه ورحله ، فسأله عمر وهو يبتسم : ( ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس ؟) فأجاب أبوعبيدة :( يا أمير المؤمنين ، هذا يبلغني المقيل )

طاعون عاموس
حل الطاعون بعمواس وسمي فيما بعد "طاعون عمواس" وكان أبوعبيدة أمير الجند هناك فخشي عليه عمر من الطاعون فكتب اليه يريد أن يخلصه منه قائلا : (اذا وصلك خطابي في المساء فقد عزمت عليك ألا تصبح الامتوجها الي واذا وصلك في الصباح ألا تمسي الا متوجها الي فان لي حاجة اليك) وفهم أبوعبيدة المؤمن الذكي قصد عمر وانه يريد أن ينقذه من الطاعون فكتب الى عمر متأدبا معتذرا عن عدم الحضور اليه وقال : ( لقد وصلني خطابك يا أمير المؤمنين وعرفت قصدك وانما أنا في جند من المسلمين يصيبني ما أصابهم فحللني من عزمتك يا أمير المؤمنين) ولما وصل الخطاب الى عمر بكى000فسأله من حوله :(هل مات أبوعبيدة ؟) فقال :(كأن قد) والمعنى أنه اذا لم يكن قد مات بعد والا فهو صائر الى الموت لا محالة اذ لا خلاص منه مع الطاعون

وفاته

كان أبو عبيـدة - رضي الله عنه - في ستة وثلاثيـن ألفاً من الجُند ، فلم يبق إلاّ ستـة آلاف رجـل والآخرون ماتوا ، مات أبوعبيـدة - رضي الله عنه - سنة (18) ثماني عشرة للهجرة في طاعون عمواس ، وقبره في غور الأردن رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى0

معـــاذ بن جبــل

نسبه
معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الخزرجي الأنصاري ، وكنيته أبو عبدالرحمن قال ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ) عن معاذ " وأَعْلَمُ أُمَّتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل " 0

اسلامه
أسلم وعمره ثماني عشرة سنـة عندما أسلم سعد بن معاذ - رضي الله عنه - سيد الخزرج الذي طلب من قومه أن يسلمـوا فأسلم الخزرج ومعهم معاذ - رضي اللـه عنه - وقدم من المدينةالى مكة لمبايعة الرسـول -صلى الله عليه وسلم - ليلـة العقبـة الثانية - فبايعه معهم وحضر المشاهـد كلها وروى عن النبـي -صلى الله عليه وسلم- الشيء الكثير من الأحاديث النبوية0

قربه من الرسول
لزم معاذ بن جبل النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ هجرته الى المدينة ، فأخذ عنه القرآن وتلقى شرائع الاسلام حتى صار أقرأ الصحابة لكتاب الله وأعلمهم بشرعه ، وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحسبه شهادة له قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:( استقرئـوا القرآن من أربعـة :(من ابن مسعـود ، وسالم مولى أبي حذيفـة ، وأبي ، ومعاذ بن جبل)0
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ( وأعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل) قال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- : ( يا مُعاذ ، والله إني لأُحِبّك فلا تنْسَ أن تقول في عَقِب كل صلاة : اللهم أعِنّي على ذِكْرك وشكرك وحُسْن عبادتك ) ولقد حَـذِق معاذ الدرس وأجاد التطبيـق ، فقد لقيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذات صباح فسأله : ( كيف أصبحت يا معاذ ؟) ، قال : ( أصبحت مؤمنا حقّا يا رسول الله ) قال النبي : ( إن لكل حق حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟) قال معاذ : ( ما أصبحت صباحا قط إلا ظننت أني لا أمْسي ، ولا أمْسَيت مساء إلا ظننت أني لا أُصْبح ، ولا خطوت خطوة إلا ظننت أني لا أتْبِعُها غيرها ، وكأني أنظر الى كل أمّة جاثية تُدْعى الى كتابها ، وكأني أرى أهل الجنة في الجنة يُنَعَّمون ، وأهل النار في النار يُعَذّبون ) فقال له الرسول :( عرفتَ فالزم )

ارساله الى اليمن
وبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذ مع رسل ملوك اليمن يعلم الناس دينهم وأوصاه بأمور عدة فقد سأله النبي -صلى الله عليه وسلم -: ( بما تحكم يا معاذ ؟) قال معاذ : ( بكتاب الله ) قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( فان لم تجد ؟) قال معاذ : ( بسنة رسول الله ) قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( فان لم تجد ؟) قال معاذ : ( أجتهد رأي ولا آلو ) قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله )

فضله
لقد كان عمـر بن الخطـاب - رضي اللـه عنه - يستشيـره كثيرا وكان يقول في بعـض المواطـن التي يستعيـن فيها برأي مُعاذ وفقهـه : ( لولا معاذ بن جبـل لهلك عمـر ) ولقد أجاد ابـن مسعـود وصفه حيـن قال : ( إن معـاذاً كان أمِّـةً قانتـاً للـهِ حَنيفـاً ، ولقد كنّـا نُشَبِّـه معاذا بإبراهيـم عليـه السـلام ) دخل ( عائذ الله بن عبد الله ) المسجد يوما مع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أول خلافة عمر فيحدثنا ويقول : ( فجلست مجلسا فيه بضعٌ وثلاثون كلهم يَذْكرون حديثا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفي الحلقة شاب شديد الأُدْمَة حلو المنطق وضيء ، وهو أشَبُّ القوم سِنّا ، فإذا اشتبـه عليهم من الحديـث شيء رَدّوه إليه فَأفْتاهم ، ولا يحدثهم إلا حين يسألونه ، ولما قُضيَ مجلسهم دَنَـوْتُ منه وسَألْتُه : ( من أنت يا عبد الله ؟) قال : ( أنا معاذ بن جبل ) ويقول ( أبو مسلم الخولاني ) : (دخلت مسجد حمص فإذا جماعة من الكهول يتوسّطهم شاب برّاق الثنايا صامت لا يتكلم ، فإذا امْتَرَى القوم في شيء تَوَجَّهوا إليه يسألونه ، فقلت لجليس لي : ( من هذا ؟) قال : ( مُعاذ بن جبل ) فوقع في نفسي حُبُّه
وقال ( شهر بن حَوْشَب ): ( كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا تحدثوا وفيهم معاذ بن جبل ، نظروا إليه هيبة له ) حُبّ العلم كان معاذا - رضي الله عنه - دائب الدعوة الى العلم والى ذكر الله ، فقد كان يقول : ( احذروا زيْغ الحكيم ، واعرفوا الحق بالحق ، فإن للحق نوراً ) وكان يرى العبادة قصداُ وعدلا ، قال له يوما أحد المسلمين : ( علّمني ) فسأله معاذ : ( وهل أنت مطيعي إذا علمتك ؟) قال الرجل : ( إني على طاعتك لحريص ) فقال له معاذ : ( صُمْ وأفْطِر ، وصَلِّ ونَمْ ، واكْتَسِب ولا تأثَمْ ، ولا تموتنَّ إلا مُسْلِما ، وإياك ودَعْوَة المظلوم ) وكان يرى العلم معرفة وعملا فيقول : ( تعلموا ماشئتـم أن تتعلموا ، فلن ينفعـكم الله بالعلم حتى تعْمَلوا ) 0
ايمانه
وكان يرى الإيمان بالله وذكره استحضارا دائما لعظمته ومراجعة دائمة لسلوك النفس ، يقول الأسود بن هلال : ( كُنّا نمشي مع مُعاذ ، فقال لنا : اجلسوا بنا نُؤْمِنْ ساعة )0

تقاسمه لامواله في سبيل الله
مات الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومعاذ بن جبل في اليمن ، وفي خلافة أبي بكر رجِع معاذ الى اليمن ، وكان عمر بن الخطاب قد علِمَ أن معاذاً أثرى فاقترح على الخليفة أبي بكر أن يشاطره ثروته وماله ، ولم ينتظر عمر بل نهض مسرعا الى معاذ وأخبره ، وقد كان معاذ - رضي الله عنه - طاهر الكف والذمّة ، ولئن كان قد أثرى فإنه لم يكتسب إثما ومن ثم فقد رفض عرض عمر وناقشه رأيه ، وتركه عمر وانصرف ، وفي الغداة سارع معاذ الى عمر يلقاه ولا يكاد يراه حتى يعانقه ودموعه تسبق كلماته ويقول : ( لقد رأيت الليلة في منامي أني أخوض حَوْمَة ماء ، أخشى على نفسي الغرق ، حتى جئت فخلصتني يا عمر ) وذهبا معا الى أبي بكر وطلب معاذ إليه أن يشاطره ماله فقال أبو بكر : ( لا آخذ منك شيئاً ) فنظر عمر الى معاذ وقال له : ( الآن حَلَّ وطاب )فما كان أبو بكر الورع ليترك لمعاذ درهما واحدا ، لو علم أنه أخذه بغير حق أمانته وورعه 0

زهده
أرسله عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الى بني كلاب ليقسم فيهم أعطياتهم ويوزع على فقرائهم صدقات أغنيائهم فقام بواجبه خير قيام وعاد الى زوجـه بحلسه (ما يوضع على ظهر الدابة ) الذي خرج به فقالت له امرأته : ( أين ما جئت به مما يأتي به الولاة من هدية لأهليهـم ؟) فقال معاذ : ( لقد كان معي رقيب يقظ يحصي علي ) فقالت امرأته : ( لقد كنت أمينا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ثم جاء عمر فبعث معك رقيبا يحصي عليك ) وشاعت ذلك عند نساء عمر وشكته لهن فبلغ عمر فأرسل الى معاذ وسأله : (أنا أرسلت معك رقيبا ) فقال : ( يا أمير المؤمنين لم أجد ما اعتذر به الا هذا ، وقصدت بالرقيب الله عزوجل ) فأعطاه عمر شيئا وقال : ( أرضها به) 0
ارساله الى الشام
وفي خلافة عمر - رضي الله عنه - بعث والي الشام يقول : ( يا أمير المؤمنين ان أهل الشام قد كثروا وملأوا المدائن واحتاجوا الى من يعلمهم القرآن ، ويفقههم في الدين ، فأعني يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم ) فأرسل اليه عمر من يعلمهم وكان أحدهم معاذ بن جبل - رضي الله عنه - فلما مات أمير الشام ( أبو عبيدة ) استخلفه أمير المؤمنين على الشام ، ولم يمضِ عليه في الإمارة سوى بضعة أشهر حتى يلقى ربه منيبا 0

رأي عمر في امارته
وكان عمر بن الخطاب يقول : ( لو اسْتَخْلفْت معاذ بن جبل فسألني ربي : لماذا استخلفته ؟ لقلت : سمعت نبيك يقول : إن العلماء إذا حضروا ربهم عزَّ وجل كان معاذ بين أيديهم ) وهذا رأيه على خلافة المسلمين جميعا 0

وفاته
في طاعون عمواس أصيب معاذ - رضي الله عنه - بالطاعون ، فلما حضرته الوفاة قال : ( مرحبا بالموت مرحبا ، زائر بعد غياب وحبيب وفد على شوق ) ثم جعل ينظر الى السماء ويقول : ( اللهم إني كنتُ أخافك ، لكنني اليوم أرجوك ، اللهم انك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لغرس الأشجار ، وجري الأنهار ، ولكن لظمأ الهواجر ، ومكابدة الساعات ، ومزاحمة العلماء عند حلق الذكر ، اللهم فتقبل نفسي بخير ما تتقبل به نفسا مؤمنة ) ثم فاضت روحه بعيدا عن الأهل داعيا الى الله مهاجرا في سبيله وكانت وفاته في السنة السابعة عشرة من الهجرة النبوية في طاعون عمواس وعمره ثلاث وثلاثون سنة0

خالد بن الوليد

خالد بن الوليد
هو "أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة"، ينتهي نسبه إلى "مرة بن كعب بن لؤي" الجد السابع للنبي (صلى الله عليه وسلم) و"أبي بكر الصديق" رضي الله عنه. وأمه هي "لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية"، وقد ذكر "ابن عساكر" – في تاريخه – أنه كان قريبًا من سن "عمر بن الخطاب وهو ابن خال عمر بن الخطاب ".
وينتمي خالد إلى قبيلة "بني مخزوم" أحد بطون "قريش" التي كانت إليها "القبة" و"الأعنة"، وكان لها شرف عظيم ومكانة كبيرة في الجاهلية، وكانت على قدر كبير من الجاه والثراء، وكانت بينهم وبين قريش مصاهرة متبادلة.

وكان منهم الكثير من السابقين للإسلام؛ منهم: "أبو سلمة بن عبد الأسد"، وكان في طليعة المهاجرين إلى الحبشة، و"الأرقم بن أبي الأرقم" الذي كانت داره أول مسجد للإسلام، وأول مدرسة للدعوة الإسلامية.

وكانت أسرة "خالد" ذات منزلة متميزة في بني مخزوم؛ فعمه "أبو أمية بن المغيرة" كان معروفًا بالحكمة والفضل، وكان مشهورًا بالجود والكرم، وهو الذي أشار على قبائل قريش بتحكيم أول من يدخل عليهم حينما اختلفوا على وضع الحجر الأسود وكادوا يقتتلون، وقد مات قبل الإسلام.
وعمه "هشام بن المغيرة" كان من سادات قريش وأشرافها، وهو الذي قاد بني مخزوم في "حرب الفجار".

وكان لخالد إخوة كثيرون بلغ عددهم ستة من الذكور هم: "العاص" و"أبو قيس" و"عبد شمس" و"عمارة" و"هشام" و"الوليد"، اثنتين من الإناث هما: "فاطمة" و"فاضنة".

أما أبوه فهو "عبد شمس الوليد بن المغيرة المخزومي"، وكان ذا جاه عريض وشرف رفيع في "قريش"، وكان معروفًا بالحكمة والعقل؛ فكان أحدَ حكام "قريش" في الجاهلية، وكان ثَريًّا صاحب ضياع وبساتين لا ينقطع ثمرها طوال العام.

فارس عصره
وفي هذا الجو المترف المحفوف بالنعيم نشأ "خالد بن الوليد"، وتعلم الفروسية كغيره من أبناء الأشراف، ولكنه أبدى نبوغًا ومهارة في الفروسية منذ وقت مبكر، وتميز على جميع أقرانه، كما عُرف بالشجاعة والجَلَد والإقدام، والمهارة وخفة الحركة في الكرّ والفرّ.
واستطاع "خالد" أن يثبت وجوده في ميادين القتال، وأظهر من فنون الفروسية والبراعة في القتال ما جعله فارس عصره بلا منازع.
معاداته للإسلام والمسلمين
وكان "خالد" –كغيره من أبناء "قريش"– معاديًا للإسلام ناقمًا على النبي (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين الذين آمنوا به وناصروه، بل كان شديد العداوة لهم شديد التحامل عليهم، ومن ثَم فقد كان حريصًا على محاربة الإسلام والمسلمين، وكان في طليعة المحاربين لهم في كل المعارك التي خاضها الكفار والمشركون ضد المسلمين.
وكان له دور بارز في إحراز النصر للمشركين على المسلمين في غزوة "أحد"، حينما وجد غِرَّة من المسلمين بعد أن خالف الرماة أوامر النبي (صلى الله عليه وسلم)، وتركوا مواقعهم في أعلى الجبل، ونزلوا ليشاركوا إخوانهم جمع غنائم وأسلاب المشركين المنهزمين، فدار "خالد" بفلول المشركين وباغَتَ المسلمين من خلفهم، فسادت الفوضى والاضطراب في صفوفهم، واستطاع أن يحقق النصر للمشركين بعد أن كانت هزيمتهم محققة.
كذلك فإن "خالدا" كان أحد صناديد قريش يوم الخندق الذين كانوا يتناوبون الطواف حول الخندق علهم يجدون ثغرة منه؛ فيأخذوا المسلمين على غرة، ولما فشلت الأحزاب في اقتحام الخندق، وولوا منهزمين، كان "خالد بن الوليد" أحد الذين يحمون ظهورهم حتى لا يباغتهم المسلمون.
وفي "الحديبية" خرج "خالد" على رأس مائتي فارس دفعت بهم قريش لملاقاة النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه، ومنعهم من دخول مكة، وقد أسفر الأمر عن عقد معاهدة بين المسلمين والمشركين عرفت باسم "صلح الحديبية".
وقد تجلت كراهية "خالد" للإسلام والمسلمين حينما أراد المسلمون دخول مكة في عمرة القضاء؛ فلم يطِق خالد أن يراهم يدخلون مكة –رغم ما بينهم من صلح ومعاهدة– وقرر الخروج من مكة حتى لا يبصر أحدًا منهم فيها.
إسلامه

أسلم خالد في (صفر 8 هـ= يونيو 629م)؛ أي قبل فتح مكة بستة أشهر فقط، وقبل غزوة مؤتة بنحو شهرين.

سبب إسلامه
أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال للوليد بن الوليد أخيه، وهو في عمرة القضاء: "لو جاء خالد لقدّمناه، ومن مثله سقط عليه الإسلام في عقله"، فكتب "الوليد" إلى "خالد" يرغبه في الإسلام، ويخبره بما قاله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيه، فكان ذلك سبب إسلامه وهجرته.
وقد سُرَّ النبي (صلى الله عليه وسلم) بإسلام خالد، وقال له حينما أقبل عليه: "الحمد لله الذي هداك، قد كنت أرى لك عقلاً رجوت ألا يسلمك إلا إلى خير".
وفرح المسلمون بانضمام خالد إليهم، فقد أعزه الله بالإسلام كما أعز الإسلام به، وتحول عداء خالد للإسلام والمسلمين إلى حب وتراحم، وانقلبت موالاته للكافرين إلى عداء سافر، وكراهية متأججة، وجولات متلاحقة من الصراع والقتال.
سيف الله في مؤتة

وكانت أولى حلقات الصراع بين خالد والمشركين –بعد التحول العظيم الذي طرأ على حياة خالد وفكره وعقيدته– في (جمادى الأولى 8هـ = سبتمبر 629م) حينما أرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) سرية الأمراء إلى "مؤتة" للقصاص من قتلة "الحارث بن عمير" رسوله إلى صاحب بصرى.
وجعل النبي (صلى الله عليه وسلم) على هذا الجيش: "زيد بن حارثة" ومن بعده "جعفر بن أبي طالب"، ثم "عبد الله بن رواحة"، فلما التقى المسلمون بجموع الروم، استشهد القادة الثلاثة الذين عينهم النبي (صلى الله عليه وسلم)، وأصبح المسلمون بلا قائد، وكاد عقدهم ينفرط وهم في أوج المعركة، وأصبح موقفهم حرجًا، فاختاروا "خالدًا" قائدًا عليهم.
واستطاع "خالد" بحنكته ومهارته أن يعيد الثقة إلى نفوس المسلمين بعد أن أعاد تنظيم صفوفهم، وقد أبلى "خالد" – في تلك المعركة – بلاء حسنًا، فقد اندفع إلى صفوف العدو يعمل فيهم سيفه قتلاً وجرحًا حتى تكسرت في يده تسعة أسياف.
وقد أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) أصحابه باستشهاد الأمراء الثلاثة، وأخبرهم أن "خالدًا" أخذ اللواء من بعدهم، وقال عنه: "اللهم إنه سيف من سيوفك، فأنت تنصره". فسمي خالد "سيف الله" منذ ذلك اليوم.
وبرغم قلة عدد جيش المسلمين الذي لا يزيد عن ثلاثة آلاف فارس، فإنه استطاع أن يلقي في روع الروم أن مددًا جاء للمسلمين بعد أن عمد إلى تغيير نظام الجيش بعد كل جولة، فتوقف الروم عن القتال، وتمكن خالد بذلك أن يحفظ جيش المسلمين، ويعود به إلى المدينة استعدادًا لجولات قادمة.
خالد والدفاع عن الإسلام
وحينما خرج النبي (صلى الله عليه وسلم) في نحو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار؛ لفتح "مكة" في (10 من رمضان 8هـ = 3 من يناير 630م)، جعله النبي (صلى الله عليه وسلم) على أحد جيوش المسلمين الأربعة، وأمره بالدخول من "الليط" في أسفل مكة، فكان خالد هو أول من دخل من أمراء النبي (صلى الله عليه وسلم)، بعد أن اشتبك مع المشركين الذين تصدوا له وحاولوا منعه من دخول البيت الحرام، فقتل منهم ثلاثة عشر مشركًا، واستشهد ثلاثة من المسلمين، ودخل المسلمون مكة – بعد ذلك – دون قتال.
وبعد فتح مكة أرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) خالدًا في ثلاثين فارسًا من المسلمين إلى "بطن نخلة" لهدم "العزى" أكبر أصنام "قريش" وأعظمها لديها.
ثم أرسله – بعد ذلك – في نحو ثلاثمائة وخمسين رجلاً إلى "بني جذيمة" يدعوهم إلى الإسلام، ولكن "خالدًا" – بما عُرف عنه من البأس والحماس – قتل منهم عددًا كبيرًا برغم إعلانهم الدخول في الإسلام؛ ظنًا منه أنهم إنما أعلنوا إسلامهم لدرء القتل عن أنفسهم، وقد غضب النبي (صلى الله عليه وسلم) لما فعله خالد وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد"، وأرسل "عليًا بن أبي طالب" لدفع دية قتلى "بني جذيمة".
وقد اعتبر كثير من المؤرخين تلك الحادثة إحدى مثالب "خالد"، وإن كانوا جميعًا يتفقون على أنه أخطأ متأولاً، وليس عن قصد أو تعمد. وليس أدل على ذلك من أنه ظل يحظى بثقة النبي (صلى الله عليه وسلم)، بل إنه ولاه – بعد ذلك – إمارة عدد كبير من السرايا، وجعله على مقدمة جيش المسلمين في العديد من جولاتهم ضد الكفار والمشركين.
ففي "غزوة حنين" كان "خالد" على مقدمة خيل "بني سليم" في نحو مائة فارس، خرجوا لقتال قبيلة "هوازن" في (شوال 8هـ = فبراير 630م)، وقد أبلى فيها "خالد" بلاءً حسنًا، وقاتل بشجاعة، وثبت في المعركة بعد أن فرَّ من كان معه من "بني سليم"، وظل يقاتل ببسالة وبطولة حتى أثخنته الجراح البليغة، فلما علم النبي (صلى الله عليه وسلم) بما أصابه سأل عن رحله ليعوده.
سيف على أعداء الله
ولكن هذه الجراح البليغة لم تمنع خالدًا أن يكون على رأس جيش المسلمين حينما خرج إلى "الطائف" لحرب "ثقيف" و"هوازن".
ثم بعثه النبي (صلى الله عليه وسلم) – بعد ذلك – إلى "بني المصطلق" سنة (9هـ = 630م)، ليقف على حقيقة أمرهم، بعدما بلغه أنهم ارتدوا عن الإسلام، فأتاهم "خالد" ليلاً، وبعث عيونه إليهم، فعلم أنهم على إسلامهم، فعاد إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأخبره بخبرهم.
وفي (رجب 9هـ = أكتوبر 630م) أرسل النبي (صلى الله عليه وسلم) "خالدًا" في أربعمائة وعشرين فارسًا إلى "أكيدر بن عبد الملك" صاحب "دومة الجندل"، فاستطاع "خالد" أسر "أكيدر"، وغنم المسلمون مغانم كثيرة، وساقه إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فصالحه على فتح "دومة الجندل"، وأن يدفع الجزية للمسلمين، وكتب له النبي (صلى الله عليه وسلم) كتابًا بذلك.
وفي (جمادى الأولى 1هـ = أغسطس 631م) بعث النبي (صلى الله عليه وسلم) "خالدًا" إلى "بني الحارث بن كعب" بنجران في نحو أربعمائة من المسلمين، ليخيرهم بين الإسلام أو القتال، فأسلم كثير منهم، وأقام "خالد" فيهم ستة أشهر يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه، ثم أرسل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يخبره بإسلامهم، فكتب إليه النبي يستقدمه مع وفد منهم.
قتال المرتدين ومانعي الزكاة

وبعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) شارك "خالد" في قتال المرتدين في عهد "أبي بكر الصديق" – رضي الله عنه – فقد ظن بعض المنافقين وضعاف الإيمان أن الفرصة قد أصبحت سانحة لهم – بعد وفاة النبي – للانقضاض على هذا الدين، فمنهم من ادعى النبوية، ومنهم من تمرد على الإسلام ومنع الزكاة، ومنهم من ارتد عن الإسلام. وقد وقع اضطراب كبير، واشتعلت الفتنة التي أحمى أوارها وزكّى نيرانها كثير من أعداء الإسلام.
وقد واجه الخليفة الأول تلك الفتنة بشجاعة وحزم، وشارك خالد بن الوليد بنصيب وافر في التصدي لهذه الفتنة والقضاء عليها، حينما وجهه أبو بكر لقتال "طليحة بن خويلد الأسدي" وكان قد تنبأ في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) حينما علم بمرضه بعد حجة الوداع، ولكن خطره تفاقم وازدادت فتنته بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) والتفاف كثير من القبائل حوله، واستطاع خالد أن يلحق بطليحة وجيشه هزيمة منكرة فر "طليحة" على إثرها إلى "الشام"، ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وكان له دور بارز في حروب الفرس، وقد استشهد في عهد عمر بن الخطاب.
وبعد فرار طليحة راح خالد يتتبع فلول المرتدين، فأعمل فيهم سيفه حتى عاد كثير منهم إلى الإسلام.
مقتل مالك بن نويرة وزواج خالد من امرأته
ثم سار خالد ومن معه إلى مالك بن نويرة الذي منع الزكاة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم)، فلما علم مالك بقدومه أمر قومه بالتفرق حتى لا يظفر بهم خالد، ولكن خالدا تمكن من أسره في نفر من قومه، وكانت ليلة شديدة البرودة، فأمر خالد مناديًا أن أدفئوا أسراكم، وظن الحرس -وكانوا من كنانة- أنه أراد قتل الأسرى – على لغتهم- فشرعوا فيهم سيوفهم بالقتل، حتى إذا ما انتبه خالد كانوا قد فرغوا منهم.
وأراد خالد أن يكفّر عن ذلك الخطأ الذي لم يعمده فتزوج من امرأة مالك؛ مواساة لها، وتخفيفًا عن مصيبتها في فقد زوجها الفارس الشاعر.

القضاء على فتنة مسيلمة الكذاب

وخرج خالد – بعد ذلك – لقتال مسيلمة الكذاب الذي كان من أشد أولئك المتنبئين خطرًا، ومن أكثرهم أعوانًا وجندًا، ودارت معركة عنيفة بين الجانبين، انتهت بهزيمة "بني حنيفة" ومقتل "مسيلمة"، وقد استشهد في تلك الحرب عدد كبير من المسلمين بلغ أكثر من ثلاثمائة وستين من المهاجرين والأنصار، وكان أكثرهم من السابقين إلى الإسلام، وحفظه القرآن، وهو الأمر الذي دعا أبا بكر إلى التفكير في جمع القرآن الكريم؛ خوفًا عليه من الضياع بعد موت هذا العدد الكبير من الحفاظ.

فتوحات خالد في العراق
ومع بدايات عام (12هـ = 633م) بعد أن قضى أبو بكر على فتنة الردة التي كادت تمزق الأمة وتقضي على الإسلام، توجه الصديق ببصره إلى العراق يريد تأمين حدود الدولة الإسلامية، وكسر شوكة الفرس المتربصين بالإسلام.
وكان خالد في طليعة القواد الذين أرسلهم أبو بكر لتلك المهمة، واستطاع خالد أن يحقق عددًا من الانتصارات على الفرس في "الأبلة" و"المذار" و"الولجة" و"أليس"، وواصل خالد تقدمه نحو "الحيرة" ففتحها بعد أن صالحه أهلها على الجزية، واستمر خالد في تقدمه وفتوحاته حتى فتح جانبًا كبيرًا من العراق، ثم اتجه إلى "الأنبار" ليفتحها، ولكن أهلها تحصنوا بها، وكان حولها خندق عظيم يصعب اجتيازه، ولكن خالدًا لم تعجزه الحيلة، فأمر جنوده برمي الجنود المتحصنين بالسهام في عيونهم، حتى أصابوا نحو ألف عين منهم، ثم عمد إلى الإبل الضعاف والهزيلة، فنحرها وألقى بها في أضيق جانب من الخندق، حتى صنع جسرًا استطاع العبور عليه هو وفرسان المسلمين تحت وابل من السهام أطلقه رماته لحمايتهم من الأعداء المتربصين بهم من فوق أسوار الحصن العالية المنيعة.. فلما رأى قائد الفرس ما صنع خالد وجنوده، طلب الصلح، وأصبحت الأنبار في قبضة المسلمين.

يواصل فتوحاته في العراق
واستخلف خالد "الزبرقان بن بدر" على الأنبار واتجه إلى "عين التمر" التي اجتمع بها عدد كبير من الفرس، تؤازرهم بعض قبائل العرب، فلما بلغهم مقدم "خالد" هربوا، والتجأ من بقي منهم إلى الحصن، وحاصر خالد الحصن حتى استسلم من فيه، فاستخلف "عويم بن الكاهل الأسلمي" على عين التمر، وخرج في جيشه إلى دومة الجندل ففتحهما.
وبسط خالد نفوذه على الحصيد والخنافس والمصيخ، وامتد سلطانه إلى الفراض وأرض السواد ما بين دجلة والفرات.
الطريق إلى الشام
ثم رأى أبو بكر أن يتجه بفتوحاته إلى الشام، فكان خالد قائده الذي يرمي به الأعداء في أي موضع، حتى قال عنه: "والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد"، ولم يخيب خالد ظن أبي بكر فيه، فقد استطاع أن يصل إلى الشام بسرعة بعد أن سلك طريقًا مختصرًا، مجتازًا المفاوز المهلكة غير المطروقة، متخذًا "رافع بن عمير الطائي" دليلاً له، ليكون في نجدة أمراء أبي بكر في الشام: "أبي عبيدة عامر الجراح"، و"شرحبيل بن حسنة" و"عمرو بن العاص"، فيفاجئ الروم قبل أن يستعدوا له.. وما إن وصل خالد إلى الشام حتى عمد إلى تجميع جيوش المسلمين تحت راية واحدة، ليتمكنوا من مواجهة عدوهم والتصدي له.
وأعاد خالد تنظيم الجيش، فقسمه إلى كراديس، ليكثروا في عين عدوهم فيهابهم، وجعل كل واحد من قادة المسلمين على رأس عدد من الكراديس، فجعل أبا عبيدة في القلب على (18) كردسا، ومعه عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو، وجعل عمرو بن العاص في الميمنة على 10 كراديس ومعه شرحبيل بن حسنة، وجعل يزيد بن أبي سفيان في الميسرة على 10 كراديس.

والتقى المسلمون والروم في وادي اليرموك وحمل المسلمون على الروم حملة شديدة، أبلوا فيها بلاء حسنا حتى كتب لهم النصر في النهاية. وقد استشهد من المسلمين في هذه الموقعة نحو ثلاثة آلاف، فيهم كثير من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
وتجلت حكمة خالد وقيادته الواعية حينما جاءه رسول برسالة من عمر بن الخطاب تحمل نبأ وفاة أبي بكر الصديق وتخبره بعزله عن إمارة الجيش وتولية أبي عبيدة بدلا منه، وكانت المعركة لا تزال على أشدها بين المسلمين والروم، فكتم خالد النبأ حتى تم النصر للمسلمين، فسلم الرسالة لأبي عبيدة ونزل له عن قيادة الجيش.
خالد بين القيادة والجندية
ولم ينته دور خالد في الفتوحات الإسلامية بعزل عمر له وتولية أبي عبيدة أميرا للجيش، وإنما ظل خالد يقاتل في صفوف المسلمين، فارسا من فرسان الحرب وبطلا من أبطال المعارك الأفذاذ المعدودين.
وكان له دور بارز في فتح دمشق وحمص وقنسرين، ولم يفت في عضده أن يكون واحدا من جنود المسلمين، ولم يوهن في عزمه أن يصير جنديا بعد أن كان قائدا وأميرا؛ فقد كانت غايته الكبرى الجهاد في سبيل الله، ينشده من أي موقع وفي أي مكان.
وفاة الفاتح العظيم
وتوفي خالد بحمص في (18 من رمضان 21هـ = 20 من أغسطس 642م). وحينما حضرته الوفاة، انسابت الدموع من عينيه حارة حزينة ضارعة، ولم تكن دموعه رهبة من الموت، فلطالما واجه الموت بحد سيفه في المعارك، يحمل روحه على سن رمحه، وإنما كان حزنه وبكاؤه لشوقه إلى الشهادة، فقد عزّ عليه –وهو الذي طالما ارتاد ساحات الوغى فترتجف منه قلوب أعدائه وتتزلزل الأرض من تحت أقدامهم- أن يموت على فراشه، وقد جاءت كلماته الأخيرة تعبر عن ذلك الحزن والأسى في تأثر شديد: "لقد حضرت كذا وكذا زحفا وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو رمية بسهم، أو طعنة برمح، وها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي، كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء".
وحينا يسمع عمر بوفاته يقول: "دع نساء بني مخزوم يبكين على أبي سليمان، فإنهن لا يكذبن، فعلى مثل أبي سليمان تبكي البواكي".

أبو أيوب الانصاري

نسبه

هو أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي، خرج مع وفد المدينة لمبايعة النبي محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- في مكة في بيعة العقبة الثانية. نزل عنده الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند قدومه من مكة. آخى الرسول بينه وبين مصعب بن عمير

وصول الرسول إلى المدينة

قدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - المدينة يوم الجمعة، وسار وسط جموع المسلمين وكل منهم يريد أن أن ينزل الرسول الكريم عنده، فيجيبهم باسما شاكرا لهم: «خلوا سبيلها فإنها مأمورة» حتى وصلت إلى دار بني مالك بن النجار فبركت، فلم ينزل الرسول -صلى الله عليه وسلم- فوثبت الناقة ثانية، فسارت غير بعيد ثم التفتت الى خلفها فرجعت وبركت مكانها الأول، فنزل الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وتقدم أبو أيوب الأنصاري وحمل رحل الرسول -صلى الله عليه وسلم- فوضعه في بيته، فأقام الرسول الكريم في بيت أبي أيوب الأنصاري حتى بني له مسجده ومسكنه. وحين نزل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيت أبي أيوب الأنصاري نزل في السفل، وأبو أيوب في العلو، فأهريق ماء في الغرفة، فقام أبو أيوب وأم أيوب بقطيفة لهم يتتبعون الماء شفقاً أن يخلص إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فوجدها أبو أيوب لعظيمة فنزل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: « يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي، إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو، وننزل نحن فنكون في السفل» وألح على الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى قبل.
جهاده

شهد أبو أيوب الأنصاري المشاهد كلها مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولم يتخلف عن أي معركة كتب على المسلمين خوضها بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلا مرة واحدة تخلف عن جيش أعطى الخليفة أمارته لشاب من المسلمين لم يقتنع أبو أيوب بامارته، ومع هذا بقي الندم ملازما له دوما، فيقول: «ما علي من استعمل علي؟
أبو أيوب الانصاري
حب الرسول
قال أبو أيوب الأنصاري للرسول -صلى الله عليه وسلم- :( يا رسول الله ، كنت ترسل إليّ بالطعام فانظر ، فإذا رأيتُ أثر أصابعك وضعتُ يدي فيه ، حتى كان هذا الطعام الذي أرسلتَ به إلي ، فنظرت فيه فلم أرَ فيه أثر أصابعك ؟!)000فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( أجل إنّ فيه بصلاً ، وكرهتُ أن آكله من أجل الملَكَ الذي يأتيني ، وأمّا أنتم فكلوه )
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يطوفُ بين الصفا والمروة ، فسقطت على لحيتِه ريشةٌ ، فابتدر إليه أبو أيوب فأخذها ، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- :«نزع الله عنك ما تكره»

حادثة الإفك
خلال حادثة الإفك ، قالت أم أيوب لأبي أيوب الأنصاري :( ألا تسمع ما يقول الناسُ في عائشة ؟) قال :( بلى ، وذلك كذب ، أفكنتِ يا أم أيوب فاعلة ذلك ؟) قالت :( لا والله ) قال :( فعائشة والله خير منكِ ) فلمّا نزل القرآن وذكر أهل الإفك
قال الله تعالى :( لولا إذْ سمعتُموه ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً ، وقالوا هذا إفكٌ مُبين )

زواج الرسول
ولما أعرس الرسول -صلى الله عليه وسلم- بصفية ، بخيبر أو ببعض الطريق ، فبات بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في قبة له ، وبات أبو أيوب الأنصاري متوشحاً سيفه يحرس رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- ويطيف بالقبة حتى أصبح رسـول اللـه ، فلما رأى مكانه قال :( مالك يا أبا أيوب ؟) قال :( يا رسول اللـه ، خفت عليك من هذه المـرأة ، وكانت امرأة قد قتلـت أباها وزوجها وقومها ، وكانت حديثة عهد بكفر ، فخفتها عليك ) فقال رسـول الله -صلى الله عليه وسلم-:( اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني )
موقفه من الفتنة
ولما وقع الخلاف بين علي ومعاوية وقف أبو أيوب -رضي الله عنه- مع علي لأنه الامام الذي أعطي بيعة المسلمين ، ولما استشهد علي -رضي الله عنه- وقف أبو أيوب بنفسه الزاهدة الصامدة لايرجو من الدنيا الا أن يظل له مكان فوق أرض الوغى مع المجاهدين
الدين

أتى أبو أيب معاوية فشكا إليه أنّ ديناً عليه ، فلم يرَ منه ما يحب ، ورأى كراهيته ، فقال :( سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :( إنّكم سترون أثَرَة )) قال :( فأي شيءٍ قال لكم ؟) قال :( قال :( اصبروا ))قال معاوية :( فاصبروا ) فقال أبو أيوب :( والله لا أسألك شيئاً أبداً ) وقدِم أبو أيوب البصرة فنزل على ابن عباس ، ففرّغ له بيتَه ، فقال :( لأصْنَعَنّ بكَ كما صنعت برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ) قال :( كم عليك من الدّين ؟) قال :( عشرون ألفاً ) فأعطاه أربعين ألفاً وعشرين مملوكاً ، وقال :( لك ما في البيتِ كلِّه ]
وفاته

جاءت محاولة فتح القسطنطينية عام ( 52 هـ )، وكان أبو أيوب ممن خرج للقتال ، فأصيب في هذه المعركة ، وجاء قائد الجيش - يزيد بن معاوية - يعوده فسأله :( ما حاجتك يا أبا أيوب ؟)000فيا له من مطلب نفذه يزيد بناءا على هذه الوصية ، فقد طلب أن يحمل جثمانه فوق فرسه ، ويمضي به أطول مسافة ممكنة في أرض العدو ، وهنالك يدفنه ، ثم يزحف بجيشه على طول هذا الطريق ، حتى يسمع وقع حوافر خيل المسلمين فوق قبره ، فيدرك آنئذ ، أنهم قد أدركوا ما يبتغون من نصر وفوز ! وفي قلب القسطنطينية وفي ( اسطنبول ) ثوي جثمانه -رضي اللـه عنه-

عبدالله بن مسعود

نسبه هوعبدالله بن مسعود بن غافل الهذلي، وكناه النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا عبدالرحمـن مات أبوه في الجاهلية، وأسلمت أمه وصحبت النبي -صلى الله عليه وسلم- لذلك كان ينسب الى أمه أحيانا فيقال: (ابن أم عبد)... وأم عبد كنية أمه -رضي الله عنهما-.
أول لقاء مع الرسول
يقول - رضي الله عنه - عن أول لقاء له مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعقبة بن أبي مُعَيْط، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكـر فقالا: (يا غلام، هل عندك من لبن تسقينـا؟)... فقلت: (إني مؤتمـن ولست ساقيكما)... فقال النبـي -صلى الله عليه وسلم-: (هل عندك من شاة حائل، لم يَنْزُ عليها الفحل؟)... قلت: (نعم)... فأتيتهما بها، فاعتقلها النبي ومسح الضرع ودعا ربه فحفل الضرع، ثم أتاه أبو بكر بصخرة متقعّرة، فاحتلب فيها فشرب أبوبكر، ثم شربت ثم قال للضرع: (اقْلِص)... فقلص، فأتيت النبي بعد ذلك فقلت: (علمني من هذا القول)... فقال: (إنك غلام مُعَلّم).
إسلامه
لقد كان عبدالله بن مسعود من السابقين في الاسلام، فهو سادس ستة دخلوا في الاسلام، وقد هاجر هجرة الحبشة وهجرة المدينة، وشهد بدرا والمشاهد مع الرسول -صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أجهز على أبي جهل، ونَفَلَه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيفَ أبي جهل حين أتاه برأسه. وكان نحيل الجسم دقيق الساق ولكنه الايمان القوي بالله الذي يدفع صاحبه الى مكارم الأخلاق، وقد شهد له النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- بأن ساقه الدقيقة أثقل في ميزان الله من جبل أحد، وقد بشره الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- بالجنة. فقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- ابن مسعود فصعد شجرةً وأمَرَه أن يأتيه منها بشيء، فنظر أصحابُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى ساقه حين صعد فضحكوا من حُموشَةِ ساقه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَمّ تضحكون؟ لَرِجْلُ عبد الله أثقلُ في الميزان يوم القيامة من أحُدٍ). جهره بالقرآن
عبد الله بن مسعود - رضي اللـه عنه - أول من جهر بالقرآن الكريم عند الكعبة بعد رسول اللـه - صلى الله عليه وسلم -، اجتمع يوماً أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: (والله ما سمعت قريشُ هذا القرآن يُجهرُ لها به قط، فمَنْ رجلٌ يُسمعهم؟)... فقال عبد الله بن مسعود: (أنا)... فقالوا: (إنّا نخشاهم عليك، إنّما نريدُ رجلاً له عشيرة تمنعه من القوم إن أرادوه)... فقال: (دعوني فإنّ الله سيمنعني)... فغدا عبد الله حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها، حتى قام عبد الله عند المقام فقال رافعاً صوته. بسم الله الرحمن الرحيم: {الرّحْمن، عَلّمَ القُرْآن، خَلَقَ الإنْسَان، عَلّمَهُ البَيَان}... فاستقبلها فقرأ بها، فتأمّلوا فجعلوا يقولون ما يقول ابن أم عبد، ثم قالوا: (إنّه ليتلوا بعض ما جاء به محمد)... فقاموا فجعلوا يضربونه في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه، فقالوا: (هذا الذي خشينا عليك)... فقال: (ما كان أعداء الله قط أهون عليّ منهم الآن، ولئن شئتم غاديتهم بمثلها غداً؟!)... قالوا: (حسبُكَ قد أسمعتهم ما يكرهون).
حفظ القرآن
أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه فقال: (اقرأ علي)... قال: (يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟)... فقال -صلى اللـه عليه وسلم-: (إني أحب أن أسمعه من غيري)... قال ابن مسعود فقرأت عليه من سورة النسـاء حتى وصلت الى. قوله تعالى: {فكَيْفَ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيدًا}... (النساء -41). فقال له النبي -صلىالله عليه وسلـم-: (حسبـك)... قال ابن مسعود: (فالتفت اليه فاذا عيناه تذرفان). كان ابن مسعود من علماء الصحابة -رضي الله عنهم- وحفظة القرآن الكريم البارعين، فيه انتشر علمه وفضله في الآفاق بكثرة أصحابه والآخذين عنه الذين تتلمذوا على يديه وتربوا، وقد كان يقول: (أخذت من فم رسـول اللـه -صلى اللـه عليه- سبعين سورة لا ينازعني فيها أحد)... وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (استقرئـوا القرآن من أربعة من عبـدالله بن مسعود وسـالم مولى أبى حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل)... كمـا كان يقول: (من أحب أن يسمع القرآن غضاً كما أُنزل فليسمعه من ابن أم عبد)... قيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (استخلفتَ)... فقال: (إنّي إنْ استخْلِفُ عليكم فعصيتم خليفتي عُذّبتُم، ولكم ما حدّثكم به حُذيفة فصدِّقوه، وما أقرأكم عبد الله بن مسعود فاقْرَؤُوه). وحين أخذ عثمان بن عفان من عبد الله مصحفه، وحمله على الأخذ بالمصحف الإمام الذي أمر بكتابته، فزع المسلمون لعبد الله وقالوا: (إنّا لم نأتِكَ زائرين، ولكن جئنا حين راعنا هذا الخبر)... فقال: (إنّ القرآن أُنزِلَ على نبيّكم -صلى الله عليه وسلم- من سبعة أبواب على سبعة أحرف، وإنّ الكتاب قبلكم كان ينزل -أو نزل- من باب واحد على حرف واحد، معناهما واحد).

قربه من الرسول
ابن مسعود صاحب نعلى النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يدخلهما في يديه عندما يخلعهما النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو كذلك صاحب وسادة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومطهرته... أجاره الله من الشيطان فليس له سبيل عليه... وابن مسعود صاحب سر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي لا يعلمه غيره، لذا كان اسمه (صاحب السَّواد)... حتى قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (لو كنت مؤمرا أحدا دون شورى المسلمين لأمَّرت ابن أُم عبد). كما أعطي مالم يعط لغيره حين قال له الرسول: (إذْنُكَ علي أن ترفع الحجاب)... فكان له الحق بأن يطرق باب الرسول الكريم في أي وقت من الليل أو النهار... يقول أبو موسى الأشعري: (لقد رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وما أرى إلا ابن مسعود من أهله).

مكانته عند الصحابة
قال عنه أمير المؤمنين عمر: (لقد مُليء فِقْهاً)... وقال أبو موسى الأشعري: (لا تسألونا عن شيء ما دام هذا الحَبْرُ فيكم)... ويقول عنه حذيفة: (ما أعرف أحدا أقرب سمتا ولا هديا ودلا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- من ابن أم عبد). واجتمع نفر من الصحابة عند علي بن أبي طالب فقالوا له: (يا أمير المؤمنين، ما رأينا رجلا كان أحسن خُلُقا ولا أرفق تعليما، ولا أحسن مُجالسة ولا أشد وَرَعا من عبد الله بن مسعود)... قال علي: (نشدتكم الله، أهو صدق من قلوبكم؟)... قالوا: (نعم)... قال: (اللهم إني أُشهدك، اللهم إني أقول فيه مثل ما قالوا، أو أفضل، لقد قرأ القرآن فأحل حلاله، وحرم حرامه، فقيه في الدين عالم بالسنة). وعن تميم بن حرام قال: (جالستُ أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما رأيتُ أحداً أزهدَ في الدنيا ولا أرغبَ في الآخرة، ولا أحبّ إليّ أن أكون في صلاحه، من ابن مسعود).

ورعه

كان أشد ما يخشاه ابن مسعود -رضي الله عنه- هو أن يحدث بشيء عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيغير شيئا أو حرفا... يقول عمرو بن ميمون: (اختلفت الى عبد الله بن مسعود سنة، ما سمعته يحدث فيها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إلا أنه حدّث ذات يوم بحديث فجرى على لسانه: قال رسول الله، فعلاه الكـرب حتى رأيت العـرق يتحدر عن جبهتـه، ثم قال مستدركا: قريبا من هذا قال الرسـول). ويقول علقمـة بن قيـس: (كان عبد الله بن مسعود يقوم عشية كل خميس متحدثا، فما سمعته في عشية منها يقول: قال رسول الله غير مرة واحدة، فنظرت إليه وهو معتمد على عصا، فإذا عصاه ترتجف وتتزعزع).
حكمته
كان يملك عبدالله بن مسعود قدرة كبيرة على التعبير والنظر بعمق للأمور فهو يقول عما نسميه نِسبية الزمان: (إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور السموات والأرض من نور وجهه)... كما يقول عن العمل: (إني لأمقت الرجل إذ أراه فارغا، ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة)... ومن كلماته الجامعة: (خير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، وشر العمى عمى القلب، وأعظم الخطايا الكذب، وشر المكاسب الربا، وشر المأكل مال اليتيم، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يغفر يغفر الله له). وقال عبدالله بن مسعود: (لو أنّ أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسَادوا أهل زمانهم، ولكنّهم وضعوه عند أهل الدنيا لينالوا من دنياهم، فهانوا عليهم، سمعتُ نبيّكم -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مَنْ جعلَ الهمومَ همّاً واحداً، همّه المعاد، كفاه الله سائرَ همومه، ومَنْ شعّبَتْهُ الهموم أحوال الدنيا لم يُبالِ الله في أي أوديتها هلك).
أمنيته

يقول ابن مسعود: (قمت من جوف الليل وأنا مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حفرته وأبو بكر وعمر يدلِّيَانه إليه، والرسول يقول: أدنيا إلي أخاكما... فدلياه إليه، فلما هيأه للحده قال: اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه... فيا ليتني كنت صاحب هذه الحفرة

أهل الكوفة

ولاه أمير المؤمنين عمر بيت مال المسلمين بالكوفة، وقال لأهلها حين أرسله إليهم: (إني والله الذي لا إله إلا هو قد آثرتكم به على نفسي، فخذوا منه وتعلموا)... ولقد أحبه أهل الكوفة حبا لم يظفر بمثله أحد قبله... حتى قالوا له حين أراد الخليفة عثمان بن عفان عزله عن الكوفة: (أقم معنا ولا تخرج ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه منه)... ولكنه أجاب: (إن له علي الطاعة، وإنها ستكون أمور وفتن، ولا أحب أن أكون أول من يفتح أبوابها).

المرض

قال أنس بن مالك: دخلنا على عبد اللـه بن مسعود نعوده في مرضه، فقلنا: (كيف أصبَحتَ أبا عبد الرحمن؟)... قال: (أصبحنا بنعمة اللـه إخوانا)... قلنا: (كيف تجدُكَ يا أبا عبد الرحمن؟)... قال: (إجدُ قلبي مطمئناً بالإيمان)... قلنا له: (ما تشتكي أبا عبد الرحمن؟)... قال: (أشتكي ذنوبي و خطايايَ)... قلنا: (ما تشتهي شيئاً؟)... قال: (أشتهي مغفرة اللـه ورضوانه)... قلنا: (ألا ندعو لك طبيباً؟)... قال: (الطبيب أمرضني -وفي رواية أخرى الطبيب أنزل بي ما ترون). ثم بكى عبد الله، ثم قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إنّ العبد إذا مرض يقول الرّب تبارك وتعالى: (عبدي في وثاقي)... فإن كان نزل به المرض في فترةٍ منه قال: (اكتبوا له من الأمر ما كان في فترته)... فأنا أبكي أنّه نزل بي المرض في فترةٍ، ولوددتُ أنّه كان في اجتهادٍ منّي).

الوصية

لمّا حضر عبد الله بن مسعود الموتُ دَعَا ابْنَه فقال: (يا عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، إنّي موصيك بخمس خصال، فاحفظهنّ عنّي: أظهر اليأسَ للناس، فإنّ ذلك غنىً فاضل، ودعْ مطلبَ الحاجات إلى الناس، فإنّ ذلك فقرٌ حاضر، ودعْ ما يعتذر منه من الأمور، ولا تعملْ به، وإنِ استطعتَ ألا يأتي عليك يوم إلا وأنتَ خير منك بالإمس فافعل، وإذا صليتَ صلاةً فصلِّ صلاةَ مودِّع كأنّك لا تصلي صلاة بعدها).

الحلم

لقي رجل ابن مسعود فقال: لا تعدم حالِماً مذكّراً: (رأيتُكَ البارحة، ورأيتُ النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- على منبر مرتفع، وأنتَ دونه وهو يقول: (يابن مسعود هلُمّ إليّ، فلقد جُفيتَ بعدي)... فقال عبد الله: (آللّهِ أنتَ رأيتَهُ؟)... قال: (نعم)... قال: (فعزمتُ أن تخرج من المدينة حتى تصلي عليّ)... فما لبث إلا أياماً حتى مات -رضي الله عنه- فشهد الرجل الصلاة عليه

وفاته
وفي أواخر عمره -رضي الله عنه- قدم الى المدينة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم... توفي سنة اثنتين وثلاثين للهجرة في أواخر خلافة عثمان... رضي الله عن ابن أم عبد وأمه صاحبي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعلهما رفيقيه في الجنة مع الخالدين.[/align:3cbf6f6d84]

[align=center:3cbf6f6d84]يتبع[/align:3cbf6f6d84]

الساهر
09-09-2007, 06:47 PM
[align=center:d40fe2420d]أبو موسى الأشعرى

نسبه
انه عبدالله بن قيـس المكني بـ(أبي موسى الأشعري)، أمّهُ ظبية المكيّة بنت وهـب أسلمت وتوفيـت بالمدينة، كان قصيراً نحيفاً خفيف اللحيّـة. غادر وطنه اليمـن الى الكعبة فور سماعه برسـول يدعو الى التوحيد، وفي مكة جلس بين يدي الرسول الكريم وتلقى عنه الهدى واليقين، وعاد الى بلاده يحمل كلمة اللـه

السفينة
قال أبو موسى الأشعري: بلغنا مخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه، أنا وأخوانِ لي أنا أصغرهما أحدهَما أبو بُرْدة والآخر أبو رُهْم، وبضع وخمسين رجلا من قومي فركبنا سفينة، فألْقَتْنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافَقْنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده. فقال جعفر: (إنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعثنا وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا)... فأقمنا معه حتى قدمنا جميعاً.

قدوم المدينة
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: (يقدم عليكم غداً قومٌ هم أرقُّ قلوباً للإسلام منكم)... فقدِمَ الأشعريون وفيهم أبو موسى الأشعري، فلمّا دَنَوْا من المدينـة جعلوا يرتجـزون يقولـون: (غداً نلقى الأحبّـة، محمّـداً وحِزبـه)... فلمّا قدمـوا تصافحـوا، فكانوا هم أوّل مَنْ أحدث المصافحة. اتفق قدوم الأشعريين وقدوم جعفر وفتح خيبر، فأطعمهم النبي -صلى الله عليه وسلم- من خيبر طُعْمة، وهي معروفة ب طُعْمَة الأشعريين، قال أبو موسى: (فوافَقْنا رسول الله -صلى الله عليه وسسلم- حين افتتح خيبر، فأسهم لنا، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر شيئاً إلا لمن شهد معه، إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه، قسم لهم معنا)

فضله
ومن ذلك اليوم أخذ أبوموسى مكانه العالي بين المؤمنين، فكان فقيها حصيفا ذكيا، ويتألق بالإفتاء والقضاء حتى قال الشعبي: (قضاة هذه الأمة أربعة: عمر وعلي وأبوموسى وزيد بن ثابت). وقال: (كان الفقهاء من أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- ستة: عمر وعليّ وعبدالله بن مسعود وزيد وأبو موسى وأبيّ بن كعب).

القرآن
وكان من أهل القرآن حفظا وفقها وعملا، ومن كلماته المضيئة: (اتبعوا القرآن ولا تطمعوا في أن يتبعكم القرآن). وإذا قرأ القرآن فصوته يهز أعماق من يسمعه حتى قال الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم-: (لقد أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود)... وكان عمر يدعوه للتلاوة قائلا: (شوقنا الى ربنا يا أبا موسى).

الصوم
وكان أبو موسى -رضي الله عنه- من أهل العبادة المثابرين وفي الأيام القائظة كان يلقاها مشتاقا ليصومها قائلا: (لعل ظمأ الهواجر يكون لنا ريّا يوم القيامة). وعن أبي موسى قال: (غزونا غزوةً في البحر نحو الروم، فسرنا حتى إذا كنّا في لُجّة البحر، وطابت لنا الريح، فرفعنا الشراع إذْ سمعنا منادياً يُنادي: (يا أهل السفينة قِفُوا أخبرْكم). قال: فقمتُ فنظرتُ يميناً وشمالاً فلم أرَ شيئاً، حتى نادى سبع مرات فقلتُ: (من هذا ؟ ألا ترى على أيّ حالٍ نحن ؟ إنّا لا نستطيع أن نُحْبَسَ). قال: (ألا أخبرك بقضاءٍ قضاه الله على نفسه ؟)... قلتُ: (بلى)... قال: (فإنّه من عطّش نفسه لله في الدنيا في يومٍ حارّ كان على الله أن يرويه يوم القيامة)... فكان أبو موسى لا تلقاه إلا صائماً في يوم حارٍ.

الجهاد
كان أبوموسى -رضي الله عنه- موضع ثقة الرسول وأصحابه وحبهم، فكان مقاتلا جسورا، ومناضلا صعبا، فكان يحمل مسئولياته في استبسال جعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول عنه: (سيد الفوارس أبوموسى). ويقول أبوموسى عن قتاله: (خرجنا مع رسول الله في غزاة، نقبت فيها أقدامنا، ونقبت قدماي، وتساقطت أظفاري، حتى لففنا أقدامنا بالخرق)... وفي حياة رسول الله ولاه مع معاذ بن جبل أمر اليمن...

الامارة
وبعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- عاد أبوموسى من اليمن الى المدينة، ليحمل مسئولياته مع جيوش الإسلام، وفي عهد عمر ولاه البصرة سنة سبعَ عشرة بعد عزل المغيرة. فجمع أهلها وخطب فيهم قائلا: (ان أمير المؤمنين عمر بعثني اليكم، أعلمكم كتاب ربكم، وسنة نبيكم، وأنظف لكم طرقكم)... فدهش الناس لأنهم اعتادوا أن يفقههـم الأمير ويثقفهـم، ولكن أن ينظـف طرقاتهم فهذا ما لم يعهـدوه أبدا. وقال عنه الحسن -رضي الله عنه-: (ما أتى البصرة راكب خير لأهلها منه)... فلم يزل عليها حتى قُتِلَ عمر -رضي الله عنه-. كما أن عثمان -رضي الله عنه- ولاه الكوفة، قال الأسود بن يزيد: (لم أرَ بالكوفة من أصحاب محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- أعلم من عليّ بن أبي طالب والأشعري).

الفتنة
لم يشترك أبوموسى -رضي الله عنه- في قتال الا أن يكون ضد جيوش مشركة، أما حينما يكون القتال بين مسلم ومسلم فانه يهرب ولا يكون له دور أبدا، وكان موقفه هذا واضحا في الخلاف بين علي ومعاوية، ونصل الى أكثر المواقف شهرة في حياته، وهو موقفه في التحكيم بين الامام علي ومعاوية. وكانت فكرته الأساسية هي أن الخلاف بينهما وصل الى نقطة حرجة، راح ضحيتها الآلاف، فلابد من نقطة بدء جديدة، تعطي المسلمين فرصة للاختيار بعد تنحية أطراف النزاع. وأبوموسى الأشعري على الرغم من فقهه وعلمه فهو يعامل الناس بصدقه ويكره الخداع والمناورة التي لجأ اليها الطرف الآخر ممثلا في عمرو بن العاص الذي لجأ الى الذكاء والحيلة الواسعة في أخذ الراية لمعاوية... ففي اليوم التالي لاتفاقهم على تنحية علي ومعاوية وجعل الأمر شورى بين المسلمين ... دعا أبوموسى عمرا ليتحدث فأبى عمرو قائلا: (ما كنت لأتقدمك وأنت أكثر مني فضلا وأقدم هجرة وأكبر سنا). وتقدم أبوموسى وقال: (يا أيها الناس، انا قد نظرنا فيما يجمع الله به ألفة هذه الأمة ويصلح أمرها، فلم نر شيئا أبلغ من خلع الرجلين - علي ومعاوية - وجعلها شورى يختار الناس لأنفسهم من يرونه لها، واني قد خلعت عليا ومعاوية، فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من أحببتم). وجاء دور عمرو بن العاص ليعلن خلع معاوية كما تم الاتفاق عليه بالأمس، فصعد المنبر وقال: (أيها الناس، ان أباموسى قد قال ما سمعتم، وخلع صاحبه، ألا واني قد خلعت صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية، فانه ولي أمير المؤمنين عثمان والمطالب بدمه، وأحق الناس بمقامه !!). ولم يحتمل أبوموسى المفاجأة، فلفح عمرا بكلمات غاضبة ثائرة، وعاد من جديد الى عزلته الى مكة الى جوار البيت الحرام، يقضي هناك ما بقي له من عمر وأيام...

وفاته
ولمّا قاربت وفاته زادَ اجتهاده، فقيل له في ذلك، فقال: (إنّ الخيل إذا قاربت رأس مجراها أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلي أقل من ذلك). وجاء أجل أبو موسى الأشعـري، وكست محياه اشراقة من يرجـو لقاء ربه وراح لسانه في لحظات الرحيـل يـردد كلمات اعتاد قولها دوما: (اللهم أنت السلام، ومنك السلام)... وتوفي بالكوفة في خلافة معاوية.

أبي بن كعب

نسبه
أبي بن كعب بن قيس بن عُبيد النجّار - أبو منذر - الأنصاري الخزرجي كان قبل الإسلام حَبْراً من أحْبار اليهود، مطلعاً على الكتب القديمة ولمّا أسلم كان في كتاب الوحي. شهد العقبـة و بدرا وبقية المشاهـد وجمع القرآن في حياة الرسـول -صلى الله عليه وسلم- وكان رأساً في العلم وبلغ في المسلمين الأوائل منزلة رفيعة، حتى قال عنه عمر بن الخطاب (أبي سيد المسلمين).

كتابة الوحي
كان أبي بن كعب في مقدمة الذين يكتبون الوحي ويكتبون الرسائل، وكان في حفظه القرآن وترتيله وفهم أياته من المتفوقين، قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يا أبي بن كعب، اني أمرت أن أعرض عليك القرآن). وأبي يعلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- انما يتلقى أوامره من الوحي هنالك سأل الرسول الكريم في نشوة غامرة: (يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، وهل ذكرت لك باسمي؟). فأجاب الرسول - صلى الله عليه وسلم-: (نعم، باسمك ونسبك في الملأ الأعلى)... كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (أقـرأ أمتي أبَيّ).

علمه
سأله النبي -صلى الله عليه وسلم- يوما: (يا أبا المنذر، أي أية من كتاب الله أعظم؟)... فأجاب قائلا: (الله ورسوله أعلم). وأعاد النبي -صلى الله عليه وسلم- سؤاله: (يا أبا المنذر، أي أية من كتاب الله أعظم؟)... وأجاب أبي: (الله لا اله الا هو الحي القيوم). فضرب الرسول -صلى الله عليه وسلم- صدره بيده، وقال له والغبطة تتألق على محياه: (ليُهْنِكَ العلم أبا منذر)... وعن أبي بن كعب أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلّى بالناس، فترك آية فقال: (أيُّكم أخذ عليّ شيئاً من قراءتي؟). فقال أبيُّ: (أنا يا رسول الله، تركتَ آية كذا وكذا)... فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قد علمتُ إنْ كان أحدٌ أخذها عليّ فإنّكَ أنت هو). وقال أبي بن كعب لعمر بن الخطاب: (يا أمير المؤمنين إني تلقيتُ القرآن ممن تلقّاه من جبريل وهو رطب)

زهده
وعن جُندب بن عبد الله البجلي قال: أتيت المدينة ابتغاء العلم، فدخلت مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا الناس فيه حَلَقٌ يتحدّثون، فجعلت أمضـي الحَلَقَ حتى أتيتُ حلقـةً فيها رجل شاحبٌ عليه ثوبان كأنّما قـدم من سفر. فسمعته يقول: (هلك أصحاب العُقـدة ورب الكعبـة، ولا آسى عليهم)... أحسبه قال مراراً... فجلست إليه فتحدّث بما قُضيَ له ثم قام، فسألت عنه بعدما قام قلت: (من هذا؟). قالوا: (هذا سيد المسلمين أبي بن كعب)... فتبعته حتى أتى منزله، فإذا هو رثُّ المنزل رثُّ الهيئة، فإذا هو رجل زاهد منقطعٌ يشبه أمره بعضه بعضاً
ورعه وتقواه
قال أبي بن كعب: (يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك في صلاتي؟). قال: (ما شئت، وإن زدت فهو خيرٌ) قال: (الرُّبـع؟) قال: (ما شئـت، وإن زدت فهو خيرٌ) قال: (أجعلُ النصـف؟ قال: (ما شئـت، وإن زدت فهو خيرٌ) قال: (الثلثيـن؟) قال: (ما شئـت، وإن زدت فهو خيرٌ) قال: (اجعـل لك صلاتي كلّها؟) قال: (إذاً تُكفـى همَّك ويُغفَر ذنبُك). وبعد انتقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - الى الرفيق الأعلى، ظل أبي على عهده في عبادته وقوة دينه، وكان دوما يذكر المسلمين بأيام الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويقول: (لقد كنا مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ووجوهنا واحدة، فلما فارقنا اختلفت وجوهنا يمينا وشمالا). وعن الدنيا يتحدث ويقول: (ان طعام ابن آدم، قد ضرب للدنيا مثلا، فان ملحه وقذحه فانظر الى ماذا يصير؟). وحين اتسعت الدولة الإسلامية ورأى المسلمين يجاملون ولاتهم، أرسل كلماته المنذرة:(هلكوا ورب الكعبة، هلكوا وأهلكوا، أما اني لا آسى عليهم، ولكن آسى على من يهلكون من المسلمين) وكان أكثر ما يخشاه هو أن يأتي على المسلمين يوما يصير بأس أبنائهم بينهم شديد.

الدعوة المجابة
عن ابن عباس - رضي الله عنه- قال: قال عمر بن الخطاب: (اخرجوا بنا إلى أرض قومنا). قال: فخرجنا فكنت أنا وأبي بن كعب في مؤخَّر الناس، فهاجت سحابة، فقال أبيُّ: (اللهم اصرف عنّا أذاها) فلحقناهم وقد ابتلّت رحالهم. فقال عمر: (أمَا أصابكم الذي أصابنا؟)... قلت: (إن أبا المنذر دعا الله عزّ وجلّ أن يصرف عنّا أذاها)... فقال عمر: (ألا دعوتُمْ لنا معكم؟!)

الوصية

قال رجلٌ لأبي بن كعب: (أوصني يا أبا المنذر) قال: (لا تعترض فيما لا يعنيك، واعتزل عدوَّك، واحترس من صديقك، ولا تغبطنَّ حيّاً إلا بما تغبطه به ميتاً، ولا تطلب حاجةً إلى مَنْ لا يُبالي ألا يقضيها لك).

مرضه
عن عبـد اللـه بن أبي نُصير قال: عُدْنا أبي بن كعـب في مرضه، فسمع المنادي بالأذان فقال: (الإقامة هذه أو الأذان؟)... قلنا: (الإقامـة)... فقال: (ما تنتظرون؟ ألا تنهضون إلى الصلاة؟)... فقلنا: (ما بنا إلا مكانك)... قال: (فلا تفعلوا قوموا، إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى بنا صلاة الفجر، فلمّا سلّم أقبل على القوم بوجهه فقال: (أشاهدٌ فلان؟ أشاهدٌ فلان؟). حتى دعا بثلاثة كلهم في منازلهم لم يحضروا الصلاة فقال: (إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْواً، واعلم أنّ صلاتك مع رجلٍ أفضل من صلاتك وحدك، وإن صلاتك مع رجلين أفضل من صلاتك مع رجل، وما أكثرتم فهو أحب إلى الله، وإن الصفّ المقدم على مثل صف الملائكة، ولو يعلمون فضيلته لابتدروه، ألا وإن صلاة الجماعة تفضل على صلاة الرجل وحدَه أربعاً وعشرين أو خمساً وعشرين).قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (ما مِنْ شيءٍ يصيب المؤمن في جسده إلا كفَّر الله عنه به من الذنوب) فقال أبي بن كعب: (اللهم إنّي أسألك أن لا تزال الحُمّى مُضارِعةً لجسدِ أبيٌ بن كعب حتى يلقاك، لا يمنعه من صيام ولا صلاة ولا حجّ ولا عُمرة ولا جهاد في سبيلك).فارتكبته الحمى فلما تفارقه حتى مات، وكان في ذلك يشهد الصلوات ويصوم ويحج ويعتمر ويغزو


وفاته
توفـي -رضي اللـه عنه- سنة (30هـ)، يقول عُتيّ السعـديّ: قدمت المدينة في يـوم ريحٍ وغُبْـرةٍ، وإذا الناس يموج بعضهم في بعـض. فقلت: (ما لي أرى الناس يموج بعضهم في بعض؟)... فقالـوا: (أما أنـت من أهل هذا البلـد؟)... قلت: (لا)... قالوا: (مات اليـوم سيد المسلمين، أبيّ بن كعب).

أنس بن مالك

نسبه
أنس بن مالك بن النَّضر الخزرجي الأنصاري، ولد بالمدينة، وأسلم صغيراً وهو أبو ثُمامة الأنصاري النّجاري، وأبو حمزة كنّاه بهذا الرسـول الكريم وخدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد أخذته أمه (أم سليم) الى رسـول الله وعمره يوم ذاك عشر سنين، وقالت: (يا رسـول الله، هذا أنس غلامك يخدمك فادع الله له) فقبله الرسـول بين عينيه ودعا له: (اللهم أكثر ماله وولده وبارك له، وأدخله الجنة) فعاش تسعا وتسعيـن سنة، ورزق من البنين والحفـدة الكثيريـن كما أعطاه الله فيما أعطاه من الرزق بستانا رحبا ممرعا كان يحمل الفاكهة في العام مرتين، ومات وهو ينتظر الجنة

خدمة الرسول

يقول أنس -رضي الله عنه-: أخذت أمّي بيدي وانطلقت بي الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: (يا رسول الله إنه لم يبقَ رجل ولا امرأة من الأنصار إلا وقد أتحفتْك بتحفة، وإني لا أقدر على ما أتحفك به إلا ابني هذا، فخذه فليخدمك ما بدا لك) فخدمتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين، فما ضربني ضربةً، ولا سبّني سبَّة، ولا انتهرني، ولا عبسَ في وجهي، فكان أول ما أوصاني به أن قال: (يا بُنيّ أكتمْ سرّي تك مؤمناً) فكانت أمي وأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألنني عن سِرّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلا أخبرهم به، وما أنا مخبر بسرِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحداً أبداً

الطيب

دخل الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- على أنس بن مالك فقال عنده (من القيلولة) فعرق، فجاءت أمه بقارورة فجعلت تُسْلِتُ العرقَ فيها، فاستيقظ النبـي -صلى الله عليه وسلم- بها، فقال: (يا أم سُلَيْم، ما هذا الذي تصنعين ؟) قالت: (هذا عَرَقُك نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطيب من ريح رسول الله -صلى الله عليه وسلم -) وقد قال أنس: ما شممت عنبراً قط ولا مسكاً أطيبَ ولا مسسْتُ شيئاً قط ديباجاً ولا خزّاً ولا حريراً ألين مسّاً من رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
الغزو

خرج أنس مع النبي -صلى الله عليه وسلم- الى بدر وهو غلام يخدمه، وقد سأل اسحاق بن عثمان موسى بن أنس: (كم غزا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟) قال: (سبع وعشرون غزوة، ثمان غزوات يغيب فيها الأشهر، وتسع عشرة يغيب فيها الأيام)... فقال: (كم غزا أنس بن مالك؟) قال: (ثمان غزوات)
الحديث عن الرسول
كان أنس -رضي الله عنه- قليل الحديث عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فكان إذا حدّث يقول حين يفرغ: أو كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد حدّث مرة بحديثٍ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال رجلٍ: (أنت سمعته من رسول الله؟) فغضب غضباً شديداً وقال: (والله ما كلُّ ما نحدِّثكم سمعناه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكن كان يحدِّث بعضنا بعضاً، ولا نتّهِمُ بعضنا) قال أبو غالب: (لم أرَ أحداً كان أضنَّ بكلامه من أنس بن مالك)
الرمي

كان أنس بن مالك أحد الرماة المصيبين، ويأمر ولده أن يرموا بين يديه، وربّما رمى معهم فيغلبهم بكثرة إصابته
البحرين

لمّا استخلف أبو بكر الصديق بعث الى أنس بن مالك ليوجهه الى البحرين على السعاية، فدخل عليه عمر فقال له أبو بكر: (إني أردت أن أبعث هذا الى البحرين وهو فتى شاب) فقال له عمر: (ابعثه فإنه لبيبٌ كاتبٌ) عِلْمه لمّا مات أنس - رضي الله عنه- قال مؤرق العجلي: (ذهب اليوم نصف العِلْم) فقيل له: (وكيف ذاك يا أبا المُغيرة؟) قال: (كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلنا له: تعالَ الى مَنْ سمعَهُ منه ) يعني أنس بن مالك قال أنس بن مالك لبنيه: (يا بنيَّ قَيّدوا العلمَ بالكتاب)

فضله

دخل ثابـت البُنَاني على أنس بن مالك - رضي اللـه عنه - فقال: (رأتْ عيْناك رسـول اللـه - صلى الله عليه وسلم - ؟!) فقال: (نعم) فقبّلهما ثم قال: (فمشت رجلاك في حوائج رسـول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم- ؟!) فقال: (نعم) فقبّلهما ثم قال: (فصببتَ الماء بيديك؟!)قال: (نعم) فقبّلهما ثم قال له أنس: (يا ثابت، صببتُ الماءَ بيدي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لوضوئه فقال لي: (يا غلام أسْبِغِ الوضوءَ يزدْ في عمرك، وأفشِ السلام تكثر حسناتك، وأكثر من قراءة القرآن تجيءْ يوم القيامة معي كهاتين) وقال بأصبعيه هكذا السبابة والوسطى)

الصلاة

لقد قدم أنس بن مالك دمشق في عهد معاوية، والوليد بن عبد الملك حين استخلف سنة ست وثمانين، وفي أحد الأيام دخل الزهري عليه في دمشق وهو وحده. فوجده يبكي فقال له: (ما يبكيك ؟) فقال: (ما أعرف شيئاً مما أدركنا إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيّعت) بسبب تأخيرها من الولاة عن أول وقتها

الأرض
قال ثابت: (كنت مع أنس فجاءه قَهْرمانُهُ -القائم بأموره- فقال: (يا أبا حمزة عطشت أرضنا) فقام أنس فتوضأ وخرج إلى البرية، فصلى ركعتين ثم دَعا، فرأيت السحاب يلتئم، ثم أمطرت حتى ملأت كلّ شيءٍ، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله فقال: (انظر أين بلغت السماء) فنظر فلم تَعْدُ أرضه إلا يسيرا)

وفاته
توفي - رضي الله عنه - في البصرة، فكان آخر من مات في البصرة من الصحابة، وكان ذلك على الأرجح سنة (93 هـ) وقد تجاوز المئة ودُفِنَ على فرسخين من البصرة، قال ثابـت البُنانـي: (قال لي أنس بن مالك: هذه شعرةٌ من شعر رسـول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم - فضعها تحت لساني) قال: (فوضعتها تحت لسانه، فدُفن وهي تحت لسانه) كما أنه كان عنده عُصَيَّة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمات فدُفنت معه بين جيبه وبين قميصه، وقال أنس بن سيرين: (شهدت أنس بن مالك وحضره الموت فجعل يقول: لقِّنُوني لا إله إلا الله، فلم يزل يقولوها حتى قُبِضَ


حمزة بن عبد المطلب


نسبه

حمزة بن عبد المطلب (أبو عمارة)، عم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخوه من الرضاعة فهما من جيل واحد نشأ معا، ولعبا معا، وتآخيا معا كان يتمتع بقوة الجسم، وبرجاحة العقل، وقوة الإرادة، فأخذ يفسح لنفسه بين زعماء مكة وسادات قريش، وعندما بدأت الدعوة لدين الله كان يبهره ثبات ابن أخيه، وتفانيه في سبيل إيمانه ودعوته، فطوى صدره على أمر ظهر في اليوم الموعود ، يوم إسلامه.

اسلام حمزة

كان حمزة - رضي الله عنه - عائدا من القنص متوشحا قوسه، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج اليه وكان اذا عاد لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معه، فلما مر بالمولاة قالت له: (يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام، وجده ههنا جالسا فآذاه وسبه، وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد -صلى الله عليه وسلم-). فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى ولم يقف على أحد، معدا لأبي جهل اذا لقيه أن يوقع به، فلما وصل الى الكعبة وجده جالسا بين القوم، فأقبل نحوه وضربه بالقوس فشج رأسه ثم قال له: (أتشتم محمدا وأنا على دينه أقول ما يقول؟... فرد ذلك علي ان استطعت). وتم حمزة -رضي الله عنه- على اسلامه وعلى ما تابع عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد عز وامتنع، وان حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه، وذلك في السنة السادسة من النبوة.
حمزة وجبريل
سأل حمزة النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يريه جبريلَ في صورته، فقال: (إنك لا تستطيع أن تراه)... قال: (بلى)... قال: (فاقعد مكانك)... فنزل جبريل على خشبة في الكعبة كان المشركون يضعون ثيابهم عليها إذا طافوا بالبيت، فقال: (أرْفعْ طَرْفَكَ فانظُرْ)... فنظر فإذا قدماه مثل الزبرجد الأخضر، فخرّ مغشياً عليه. حمزة و الاسلام ومنذ أسلم حمزة -رضي الله عنه- نذر كل عافيته وبأسه وحياته لله ولدينه حتى خلع النبي -صلى الله عليه وسلم- عليه هذا اللقب العظيم: (أسد الله وأسد رسوله). وآخى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين حمزة وبين زيد بن حارثة، وأول سرية خرج فيها المسلمون للقاء العدو كان أميرها حمزة -رضي اللـه عنه-.وأول راية عقدها الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- لأحد من المسلمين كانت لحمزة. ويوم بدر كان أسد اللـه هناك يصنع البطولات، فقد كان يقاتل بسيفين، حتى أصبح هدفا للمشركين في غزوة أحد يلي الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الأهمية.

استشهاد حمزة
(اخرج مع الناس، وان أنت قتلت حمزة فأنت عتيق) هكذا وعدت قريش عبدها الحبشي (وحشي غلام جبير بن مطعم)، لتظفر برأس حمزة مهما كان الثمن، الحرية والمال والذهب الوفير، فسال لعاب الوحشي، وأصبحت المعركة كلها حمزة -رضي الله عنه-، وجاءت غزوة أحد، والتقى الجيشان، وراح حمزة -رضي الله عنه- لا يريد رأسا إلا قطعه بسيفه، وأخذ يضرب اليمين والشمال و(الوحشي) يراقبه. يقول الوحشي: ( وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه، فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه، فأقبل نحوي فغلب فوقع، فأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي، ثم تنحيت إلى العسكر، ولم تكن لي بشيء حاجة غيره، وإنما قتلته لأعتق ).وقد أسلم (الوحشي) لاحقا فهو يقول: (خرجت حتى قدمت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة، فلم يرعه إلا بي قائما على رأسه أتشهد بشهـادة الحـق، فلما رآني قال: (وحشي) قلت: (نعم يا رسـول اللـه) قال: (اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة؟) فلما فرغت من حديثي قال: (ويحك غيب عني وجهك فلا أرينك!) فكنت أتنكب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث كان، لئلا يراني حتى قبضه الله -صلى الله عليه وسلم-)0واستشهاد سيد الشهداء - رضي الله عنه- لم يرض الكافرين وإنما وقعت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها، يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يجدعن الآذان والأنف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وانفهم خدما (خلخال) وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطتها وحشيا وبقرت عن كبد حمزة، فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها، فلفظتها.
حزن الرسول على حمزة

وخرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - يلتمس حمزة بن عبد المطلب، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به، فجدع أنفه وأذناه، فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين رأى ما رأى: (لولا أن تحزن صفية ويكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم !) فلما رأى المسلمون حزن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وغيظه على من فعل بعمه ما فعل قالوا: (والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب) فنزل قوله تعالى: (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين، واصبر وما صبرك الا بالله، ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون). فعفا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونهى عن المثلة، وأمر بحمزة فسجي ببردة، ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى فيوضعون الى حمزة، فصلى عليهم وعليه معهم، حتى صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة وكان ذلك يوم السبت، للنصف من شوال، سنة (3) للهجرة

البكاء على حمزة

مرّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بدار من دور الأنصار من بني عبد الأشهل وظَفَر، فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم، فذرفت عينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبكى، ثم قال: (ولكن حمزة لا بواكي له) فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بني عبد الأشهل، أمرا نساءهم أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولمّا سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن على باب مسجده يبكين عليه، فقال: (ارجعن يرحمكن الله، فقد آسيتنّ بأنفسكم).

فضل حمزة
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (سيد الشهداء عند الله حمزة بن عبد المطلب) كما قال لعلي بن أبي طالب: (يا عليّ أمَا علمتَ أنّ حمزة أخي من الرضاعة، وأنّ الله حرّم من الرضاع ما حرّم من النّسب)
عَيْن معاوية
لمّا أراد معاوية أن يُجري عَيْنَهُ التي بأحد كتبوا إليه: (إنّا لا نستطيع أن نجريها إلا على قبور الشهداء) فكتب إليهم: (انْبُشُوهم) يقول جابر بن عبدالله: (فرأيتهم يُحْمَلون على أعناق الرجال كأنّهم قوم نيام) وأصابت المسحاةُ طرفَ رِجْلِ حمزة بن عبد المطلب فانبعث دَمَاً.

سلمان الفارسي

نسبه

سلمان الفارسي وكنيته (أبو عبد الله) رجلا من أصبهان من قرية (جيّ)، غادر ثراء والده بحثا عن خلاص عقله وروحه، كان مجوسيا ثم نصرانيا ثم أسلم للـه رب العالمين، وقد آخى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين أبو الدرداء.

قبل الإسلام
لقد اجتهد سلمان - رضي الله عنه - في المجوسية، حتى كان قاطن النار التي يوقدها ولا يتركها تخبو، وكان لأبيه ضيعة، أرسله إليها يوما، فمر بكنيسة للنصارى، فسمعهم يصلون وأعجبه ما رأى في دينهم وسألهم عن أصل دينهم فأجابوه في الشام، وحين عاد أخبر والده وحاوره فقال: (يا أبتِ مررت بناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فوالله مازلت عندهم حتى غربت الشمس ).
قال والده: (أي بُني ليس في ذلك الدين خير، دينُك ودين آبائك خير منه)... قال: (كلا والله إنه خير من ديننا) فخافه والده وجعل في رجليه حديدا وحبسه، فأرسل سلمان الى النصارى بأنه دخل في دينهم ويريد مصاحبة أي ركب لهم الى الشام، وحطم قيوده ورحل الى الشام.
وهناك ذهب الى الأسقف صاحب الكنيسة، وعاش يخدم ويتعلم دينهم، ولكن كان هذا الأسقف من أسوء الناس فقد كان يكتنز مال الصدقات لنفسه ثم مات، وجاء آخر أحبه سلمان كثيرا لزهده في الدنيا ودأبه على العبادة، فلما حضره الموت أوصى سلمان قائلا: (أي بني، ما أعرف أحدا من الناس على مثل ما أنا عليه إلا رجلا بالموصل).
فلما توفي رحل سلمان الى الموصل وعاش مع الرجل الى أن حضرته الوفاة فدله على عابد في نصيبين فأتاه، وأقام عنده حتى إذا حضرته الوفاة أمره أن يلحق برجل في عمورية.
فرحل إليه، واصطنع لمعاشه بقرات وغنيمات، ثم أتته الوفاة فقال لسليمان: (يا بني ما أعرف أحدا على مثل ما كنا عليه، آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم حنيفا، يهاجر الى أرض ذات نخل بين جرّتين فإن استطعت أن تخلص إليه فافعل، وإن له آيات لا تخفى، فهو لا يأكل الصدقة، ويقبل الهدية، وإن بين كتفيه خاتم النبوة، إذا رأيته عرفته).

لقاء الرسول
مر بسليمان ذات يوم ركب من جزيرة العرب، فاتفق معهم على أن يحملوه الى أرضهم مقابل أن يعطيهم بقراته وغنمه، فذهب معهم ولكن ظلموه فباعوه ليهودي في وادي القرى، وأقام عنده حتى اشتراه رجل من يهود بني قريظة، أخذه الى المدينة التي ما أن رآها حتى أيقن أنها البلد التي وصفت له، وأقام معه حتى بعث الله رسوله وقدم المدينة ونزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فما أن سمع بخبره حتى سارع اليه فدخل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحوله نفر من أصحابه، فقال لهم: (إنكم أهل حاجة وغربة، وقد كان عندي طعام نذرته للصدقة، فلما ذكر لي مكانكم رأيتكم أحق الناس به فجئتكم به)... فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: (كلوا باسم الله) وأمسك هو فلم يبسط إليه يدا فقال سليمان لنفسه: (هذه والله واحدة، إنه لا يأكل الصدقة)
ثم عاد في الغداة الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يحمل طعاما وقال: (أني رأيتك لا تأكل الصدقة، وقد كان عندي شيء أحب أن أكرمك به هدية). فقال الرسول لأصحابه: (كلوا باسم الله) وأكل معهم فقال سليمان لنفسه: (هذه والله الثانية، إنه يأكل الهدية)
ثم عاد سليمان بعد مرور زمن فوجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - في البقيع قد تبع جنازة، وعليه شملتان مؤتزرا بواحدة، مرتديا الأخرى، فسلم عليه ثم حاول النظر أعلى ظهره فعرف الرسول ذلك، فألقى بردته عن كاهله فإذا العلامة بين كتفيه، خاتم النبوة كما وصفت لسليمان فأكب سليمان على الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقبله ويبكي، فدعاه الرسول وجلس بين يديه، فأخبره خبره، ثم أسلم.

عتـقه
وحال الرق بين سليمان - رضي الله عنه - وبين شهود بدر وأحد، وذات يوم أمره الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يكاتب سيده حتى يعتقه، فكاتبه على ثلاثمائة نخلة يجيبها له بالفقير وبأربعين أوقية، وأمر الرسول الكريم الصحابة كي يعينوه ،فأعانه الرجال بقدر ما عندهم من ودية حتى اجتمعت الثلاثمائة ودية، فأمره الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (أذهب يا سلمان ففقّرها، فإذا فرغت فأتني أنا أضعها بيدي) ففقرها بمعونة الصحابة حتى فرغ فأتى الرسول الكريم، وخرج معه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأخذ يناوله الودي ويضعه الرسول بيده، فما ماتت منها ودية واحدة فأدى النخيل.
وأعطاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من بعض المغازي ذهب بحجم بيضة الدجاج وقال له: (خُذْ هذه فأدِّ بها ما عليك يا سلمان) فقال: (وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي ؟) قال: (خُذها فإن الله عزّ وجل سيؤدي بها عنك) فأخذها فوزنها لهم فأوفاهم، وحرر الله رقبته، وعاد رجلا مسلما حرا، وشهد مع الرسول غزوة الخندق والمشاهد كلها.

غزوة الخندق
في غزوة الخندق جاءت جيوش الكفر الى المدينة مقاتلة تحت قيادة أبي سفيان، ورأى المسلمون أنفسهم في موقف عصيب، وجمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصحابه ليشاورهم في الأمر، فتقدم سلمان وألقى من فوق هضبة عالية نظرة فاحصة على المدينة، فوجدها محصنة بالجبال والصخور محيطة بها، بيد أن هناك فجوة واسعة يستطيع الأعداء اقتحامها بسهولة.
وكان سلمان - رضي الله عنه - قد خبر في بلاد فارس الكثير من وسائل الحرب وخدعها، فتقدم من الرسول -صلى الله عليه وسلم- واقترح أن يتم حفر خندق يغطي جميع المنطقة المكشوفة حول المدينة، وبالفعل بدأ المسلمين في بناء هذا الخندق الذي صعق قريش حين رأته، وعجزت عن اقتحام المدينة، وأرسل الله عليهم ريح صرصر عاتية لم يستطيعوا معها الا الرحيل والعودة الى ديارهم خائبين.
وخلال حفر الخندق اعترضت معاول المسلمين صخرة عاتية لم يستطيعوا فلقها، فذهب سلمان إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - مستأذنا بتغيير مسار الحفر ليتجنبوا هذه الصخرة، فأتى الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع سلمان وأخذ المعول بيديه الكريمتين، وسمى الله وهوى على الصخرة فإذا بها تنفلق ويخرج منها وهجا عاليا مضيئا وهتف الرسول مكبرا: (الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، ولقد أضاء الله لي منها قصور الحيرة، ومدائن كسرى، وإن أمتي ظاهرة عليها ).
ثم رفع المعول ثانية وهوى على الصخرة، فتكررت الظاهرة وبرقت الصخرة، وهتف الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (الله أكبر أعطيت مفاتيح الروم، ولقد أضاء لي منها قصور الحمراء، وإن أمتي ظاهرة عليها)... ثم ضرب ضربته الثالثة فاستسلمت الصخرة وأضاء برقها الشديد، وهلل الرسول والمسلمون معه وأنبأهم أنه يبصر قصور سورية وصنعاء وسواها من مدائن الأرض التي ستخفق فوقها راية الله يوما، وصاح المسلمون: (هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله).

فضله
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ثلاثة تشتاقُ إليهم الحُور العين: عليّ وعمّار وسلمان).

حسبه
سُئِل سلمان - رضي الله عنه - عن حسبه فقال (كرمي ديني ، وحَسَبي التراب ، ومن التراب خُلقتُ، وإلى التراب أصير، ثم أبعث وأصير إلى موازيني، فإن ثقلت موازيني فما أكرم حسبي وما أكرمني على ربّي يُدخلني الجنة، وإن خفّت موازيني فما ألأَمَ حَسبي وما أهوَننِي على ربّي، ويعذبني إلا أن يعود بالمغفرة والرحمة على ذنوبي ).

سلمان والصحابة
لقد كان إيمان سلمان الفارسي قويا، فقد كان تقي زاهد فطن وورع، أقام أياما مع أبو الدرداء في دار واحدة، وكان أبو الدرداء -رضي الله عنه- يقوم الليل ويصوم النهار، وكان سلمان يرى مبالغته في هذا فحاول أن يثنيه عن صومه هذا فقال له أبو الدرداء: (أتمنعني أن أصوم لربي، وأصلي له؟)... فأجاب سلمان : (إن لعينيك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، صم وافطر، وصلّ ونام) فبلغ ذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال: (لقد أشبع سلمان علما ).
وفي غزوة الخندق وقف الأنصار يقولون: (سلمان منا) ووقف المهاجرون يقولون: (بل سلمان منا) وناداهم الرسول قائلا: (سلمان منا آل البيت ).
في خلافة عمر بن الخطاب جاء سلمان الى المدينة زائرا، فجمع عمر الصحابة وقال لهم: (هيا بنا نخرج لاستقبال سلمان )وخرج بهم لاستقباله عند مشارف المدينة.
وكان علي بن أبي طالب يلقبه بلقمان الحكيم، وسئل عنه بعد موته فقال: (ذاك امرؤ منا وإلينا أهل البيت، من لكم بمثل لقمان الحكيم ؟ أوتي العلم الأول والعلم الآخر، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر، وكان بحرا لا ينزف).

عطاؤه
لقد كان - رضي الله عنه - في كبره شيخا مهيبا، يضفر الخوص ويجدله، ويصنع منه أوعية ومكاتل، ولقد كان عطاؤه وفيرا بين أربعة آلاف و ستة آلاف في العام، بيد أنه كان يوزعه كله ويرفض أن ينال منه درهما، ويقول: (أشتري خوصا بدرهم، فأعمله ثم أبيعه بثلاثة دراهم، فأعيد درهما فيه، وأنفق درهما على عيالي، وأتصدق بالثالث، ولو أن عمر بن الخطاب نهاني عن ذلك ما انتهيت).


الإمارة
لقد كان سلمان الفارسي يرفض الإمارة ويقول: ( إن استطعت أن تأكل التراب ولا تكونن أميرا على اثنين فافعل ).
في الأيام التي كان فيها أميرا على المدائن وهو سائر بالطريق، لقيه رجل قادم من الشام ومعه حمل من التين والتمر، وكان الحمل يتعب الشامي، فلم يكد يرى أمامه رجلا يبدو عليه من عامة الناس وفقرائهم حتى قال له: (احمل عني هذا ) فحمله سلمان ومضيا، وعندما بلغا جماعة من الناس فسلم عليهم فأجابوا: (وعلى الأمير السلام).
فسأل الشامي نفسه: (أي أمير يعنون ؟ ) ودهش عندما رأى بعضهم يتسارعون ليحملوا عن سلمان الحمل ويقولون : (عنك أيها الأمير ) فعلم الشامي أنه أمير المدائن سلمان الفارسي فسقط يعتذر ويأسف واقترب ليأخذ الحمل، ولكن رفض سلمان وقال: (لا حتى أبلغك منزلك). سئل سلمان يوما: (ماذا يبغضك في الإمارة ؟) فأجاب: (حلاوة رضاعها، ومرارة فطامها).


زهده وورعه
هم سلمان ببناء بيتا فسأل البناء: (كيف ستبنيه ؟ ) وكان البناء ذكيا يعرف زهد سلمان وورعه فأجاب قائلا: (لا تخف، إنها بناية تستظل بها من الحر، وتسكن فيها من البرد، إذا وقفت فيها أصابت رأسك، وإذا اضطجعت فيها أصابت رجلك) فقال سلمان: (نعم، هكذا فاصنع).

زواجه
في ليلة زفافه مشى معه أصحابه حتى أتى بيت امرأته فلما بلغ البيت قال: (ارجعوا آجركم الله) ولم يُدخلهم عليها كما فعل السفهاء، ثم جاء فجلس عند امرأته، فمسح بناصيتها ودعا بالبركة فقال لها: (هل أنت مطيعتني في شيءٍ أمرك به) قالت: (جلستَ مجلسَ مَنْ يُطاع) قال: (فإن خليلي أوصاني إذا اجتمعت إلى أهلي أن أجتمع على طاعة الله)فقام وقامت إلى المسجد فصلّيا ما بدا لهما، ثم خرجا فقضى منها ما يقضي الرجل من امرأته.
فلمّا أصبح غدا عليه أصحابه فقالوا: (كيف وجدتَ أهلك ؟) فأعرض عنهم، ثم أعادوا فأعرض عنهم، ثم أعادوا فأعرض عنهم ثم قال: (إنّما جعل الله الستورَ والجُدُرَ والأبواب ليُوارى ما فيها، حسب امرئٍ منكم أن يسأل عمّا ظهر له، فأما ما غاب عنه فلا يسألن عن ذلك، سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (المتحدث عن ذلك كالحمارين يتسافران في الطريق).

عهده لسعد
جاء سعد بن أبي وقاص يعود سلمان في مرضه، فبكى سلمان، فقال سعد: (ما يبكيك يا أبا عبدالله ؟ لقد توفي رسول الله وهو عنك راض) فأجاب سلمان: (والله ما أبكي جزعا من الموت، ولا حرصا على الدنيا، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عهد إلينا عهدا، فقال: (ليكن حظ أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب) وهأنذا حولي هذه الأساود - الأشياء الكثيرة - ) فنظر سعد فلم ير إلا جفنة ومطهرة قال سعد: (يا أبا عبد الله اعهد إلينا بعهد نأخذه عنك) فقال: (يا سعد: اذكر الله عند همك إذا هممت، وعند حكمك إذا حكمت، وعند يدك إذا قسمت).

وفاته
كان سلمان يملك شيئا يحرص عليه كثيرا، ائتمن زوجته عليه، وفي صبيحة اليوم الذي قبض فيه ناداها: (هلمي خبيك الذي استخبأتك) فجاءت بها فإذا هي صرة مسك أصابها يوم فتح جلولاء، احتفظ بها لتكون عطره يوم مماته، ثم دعا بقدح ماء نثر به المسك وقال لزوجته: (انضحيه حولي، فإنه يحضرني الآن خلق من خلق الله، لا يأكلون الطعام وإنما يحبون الطيب).فلما فعلت قال لها: (اجفئي علي الباب وانزلي) ففعلت ما أمر، وبعد حين عادت فإذا روحه المباركة قد فارقت جسده، وكان ذلك وهو أمير المدائن في عهد عثمان بن عفان في عام (35 هـ)، وقد اختلف أهل العلم بعدد السنين التي عاشها، ولكن اتفقوا على أنه قد تجاوز المائتين والخمسين

سعد بن عبادة

نسبه

هو سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة سيد الخزرج (أبو قيس)، أسلم مبكرا وشهـد بيعة العقبة والمشاهد كلها مع الرسـول -صلى الله عليه وسلم-، سخر أموالـه في خدمة الإسلام وكان يسأل الله قائلا: (اللهم إنه لا يصلحني القليل ولا أصلح عليه)0 حتى أصبح مثلا بالجود والكرم، وكان يحسن العَوْمَ والرمي فسمي بالكامل.

تعذيب قريش له
علمت قريش بأمر الأنصار ولقائهم مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فلحقت بهم وأدركت سعد بن عبادة أحد الاثنى عشر نقيبا، وأخذوه وربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله، وأدخلوه مكة وهم يضربونه، يقول سعد: (فوالله إني لفي أيديهم إذ طلع علي نفر من قريش، فيهم رجل وضئ أبيض، شعشاع حلو من الرجال، فقلت في نفسي: إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمة شديدة فقلت في نفسي: والله ما عندهم بعد هذا من خير!.
فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ أوى لي رجل ممن كان معهم فقال: (ويحك! أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟) فقلت: (بلى والله لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف تجّاره، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي، وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف) قال: (ويحك فاهتف باسم الرجلين ، واذكر ما بينك وبينهما).
قال: ففعلت وخرج ذلك الرجل إليهما، فوجدهما في المسجد عند الكعبة، فقال لهما: (إن رجلا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح ويهتف بكما ويذكر أن بينـه وبينكما جوار) قالا: (ومن هـو؟) قال: (سعـد بن عبادة) قالا: (صدق واللـه، إن كان ليجير لنا تجارنا، ويمنعهم أن يظلموا ببلده) فجاءا فخلصا سعـد من أيديهـم، فانطلق، وكان الذي لكم سعـدا سهيـل بن عمرو العامـري، وكان الرجـل الذي آوى إليه أبا البختري بن هشام.

جوده وكرمه
كان سعد بن عبادة مشهوراً بالجود والكرم هو وأبوه وجدّه وولدُهُ، وكان لهم أطُمٌ -بيت مربع مسطح- يُنادَى عليه كل يوم: (من أحبَّ الشّحْمَ واللحْمَ فليأتِ أطمَ دُليم بن حارثة) وكانت جَفْنة سعد تدور مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيوت أزواجهالسلام

استأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على سعد بن عبادة فقال: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)... فقال سعد: (وعليك السلام ورحمة الله وبركاته)... ولم يُسْمع النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى سلّمَ ثلاثاً، وردَّ عليه سعد ثلاثاً، ولم يُسْمِعْهُ، فرجع النبي -صلى الله عليه وسلم- فاتبعه سعدٌ فقال: (يا رسول الله! بأبي أنت ما سلّمتَ تسليمة إلا وهي بأذُني، ولقد رددتُ عليك ولم أسْمِعْكَ، أحببتُ أن أستكثرَ من سلامِكَ ومن البركة)... ثم دخلوا البيت فقرّب إليه زبيباً فأكل نبي الله -صلى الله عليه وسلم-، فلمّا فرغ قال: (أكلَ طعامكم الأبرار، وصلّتْ عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون).

الخُلُق الصالح
جاء سعد بن عبادة وابنه قيس بن سعد بزاملةٍ -ناقة يُحمل عليها- تحمل زاداً، يؤمّان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعني يوم ضلّتْ زاملتُهُ -صلى الله عليه وسلم- في حجّة الوداع، حتى يجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واقفاً عند باب منزله، فقد أتى الله بزاملته، فقال سعد: (يا رسول الله! بلغنا أن زاملتَكَ ضلت مع الغلام وهذه زاملةٌ مكانها).
فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (قد جاءَ الله بزاملتِنا، فارجِعا بزاملتكما بارك الله عليكما، أما يكفيك يا أبا ثابت ما تصنع بنا في ضيافتكَ منذ نزلنا المدينة؟).
قال سعد: (يا رسول الله! المنّة لله ولرسوله، والله يا رسول الله للذي تأخذ من أموالنا أحبُّ إلينا من الذي تَدَعُ) قال -صلى الله عليه وسلم-: (صدقتُم يا أبا ثابت، أبشِرْ فقد أفلحت، إن الأخلاقَ بيد الله، فمن أراد أن يمنحَه منها خُلقاً صالحاً منحَهُ، ولقد مَنَحَكَ الله خُلقاً صالحاً) فقال سعد: (الحمد لله هو فعل ذلك).


راية الأنصار
يقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: (كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المواطن كلها رايتان، مع علي بن أبي طالب راية المهاجرين، ومع سعد بن عبادة راية الأنصار)

غزوة الغابة
في غزوة الغابة أقام سعد بن عبادة في المدينة في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة خمسَ ليالٍ حتى رجع النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- وبعث إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بأحمالِ تمر، وبعشر جزائر -ناقة- بذي قرد وكان في الناس قيس بن سعد بن عبادة على فرسٍ له يُقال له الوَرْد، وكان هو الذي قرّب الجُزُرَ والتمرَ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يا قيس، بعَثَك أبوك فارساً، وقوّى المجاهدين، وحرس المدينة من العدو، اللهم ارحم سعداً وآل سعد).
ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (نِعْمَ المَرْءُ سعد بن عبادة) فتكلمت الخزرج فقالت: (يا رسول الله! هو نقيبنا وسيّدنا وابن سيدنا، كانوا يُطعمون في المَحْـلِ، ويحملون في الكَـلِّ، ويَقْرون الضيـف، ويُطعمون في النائبـة، ويحملون عن العشيرة) فقال النبـي -صلى الله عليه وسلم-: (خيارُ النّاس في الإسلام خيارُهم في الجاهلية إذا فقهوا في الدّين).

يوم الفتح
كانت شخصية سعد تتسم بالشدة والقوة، ففي يوم فتح مكة جعله الرسول -صلى الله عليه وسلم- أميرا على فيلق من جيش المسلمين، ولم يكد يصل الى مشارف مكة حتى صاح: (اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة) فكأنه عندما رأى مكة مستسلمة لجيش الفتح، تذكر كل صور العذاب الذي صبته على المؤمنين وكان ذنبهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، فدفعه الى توعدهم... فسمعه عمر بن الخطاب وسارع الى النبي قائلا: (يا رسول الله، اسمع ما قال سعد بن عبادة، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة) فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عليا كرم الله وجهه أن يدركه، ويأخذ الراية منه، ويتأمر مكانه.

يوم حنين
أعطى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما أعطى من العطايا ولم يكن للأنصار منها شيء، حتى كثرت منهم القالة، وقال قائلهم: (لقي والله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قومه) وقال سعد للرسول: (يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء) فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (فأين أنت من ذلك يا سعد؟) قال: (يا رسول الله ما أنا إلا من قومي) قال: (فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة).
فلما اجتمعوا أتاهم الرسول -صلى الله عليه وسلم - فحمد الله وأثنى عليه وقال: (يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم! ألم آتكم ضُـلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم!) فقالوا: (بلى، الله ورسوله أمـن وأفضـل) ثم قال: (ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟).
قالوا: (بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل!) قال -صلى الله عليه وسلم-: (أما والله لو شئتم لقلتم، فلصَدقتم ولصُدّقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لُعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكَلْتكم الى إسلامكم! ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله الى رحـالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجـرة لكنت أمرأ من الأنصـار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار! اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار) فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا وسعد معهم: (رضينا برسول الله قسما وحظا).

يوم السقيفة
ولما قبض الرسول -صلى الله عليه وسلم- انحاز بعض الأنصار الى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة منادين بأن يكون خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وخطب فيهم سعد -رضي الله عنه- موضحا أحقية الأنصار بذلك ،ولكن لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد استخلف أبا بكر على الصلاة أثناء مرضه، فهم الصحابة أن هذا الاستخلاف مؤيدا لخلافة أبي بكر وتزعم عمر بن الخطاب هذا الرأي ، وسارع أبوبكر وعمر وأبوعبيدة بن الجراح - رضي الله عنهم - إلى الأنصار، واشتد النقاش حول أحقية الخلافة، وخطب أبوبكر الصديق خطبة بين فيها فضل المهاجرين والأنصار وقال في خاتمتها:(هذا عمر وهذا أبوعبيـدة فأيهما شئتـم فبايعـوا) فقال الاثنان:(لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك) ثم قال عمر:(ابسط يدك نبايعك) فسبقهما بشير بن سعد -رضي الله عنه- وهو من كبار الأنصار وبايع أبا بكر وتلاه عمر وأبو عبيدة، فقام الحاضرون من الأنصار والمهاجرين فبايعوه وفي اليوم التالي اجتمع المسلمون في المسجد وبايعوه بيعة عامة.

خلافة عمر
في الأيام الأولى من خلافة عمر -رضي الله عنه-، ذهب سعد الى أمير المؤمنين، وقال بصراحته المتطرفة: (كان صاحبك أبو بكر - والله - أحب إلينا منك، وقد -والله- أصبحتُ كارهاً لجوارك) فأجاب عمر بهدوء: (إن من كره جوار جاره، تحول عنه)... وعاد سعد فقال: (إني متحول إلى جوار من هو خير عنك) وبهذا أراد سعد ألا ينتظر ظروفا قد تطرأ بخلاف بينه وبين أمير المؤمنين، خلاف لا يريده ولا يرضاه.

وفاته
شـدّ سعد بن عبادة -رضي اللـه عنه- الرحال إلى الشام، وما كاد أن يبلغهـا وينزل أرض حوران حتى دعـاه أجله وأفضى إلى جوار ربـه الرحيم سنة (14 هـ).

.
أسامة بن زيد

نسبه

أسامـة بن زيـد بن حارثة بن شراحيـل الكَلْبي، أبو محمد، من أبناء الإسلام الذين لم يعرفوا الجاهلية أبدا، ابن زيد خادم الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- الذي آثـر الرسـول الكريم على أبيه وأمه وأهله والذي وقف به النبـي على جموع من أصحابه يقول: (أشهدكم أن زيدا هذا ابني يرثني وأرثه) ، وأمه هي أم أيمن مولاة رسـول الله وحاضنته، ولقد كان له وجه أسود وأنف أفطس ولكن مالكا لصفات عظيمة قريبا من قلب رسول الله.

حب الرسول له

عن السيدة عائشة -رضي الله عنها- قالت: عثَرَ أسامة على عتبة الباب فشَجَّ جبهتَهُ، فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمصُّ شجّته ويمجُّه ويقول: (لو كان أسامة جارية لكسوتُهُ وحلّيتُهُ حتى أنفِقَهُ).
كما قالت السيدة عائشة -رضي الله عنها-: (ما ينبغي لأحد أن يُبغِضَ أسامة بن زيد بعدما سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (من كان يُحِبُّ الله ورسوله، فليحبَّ أسامة).
وقد اشترى الرسول -صلى الله عليه وسلم- حَلّةً كانت لذي يَزَن، اشتراها بخمسين ديناراً، ثم لبسها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجلس على المنبر للجمعة، ثم نزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكسا الحُلّة أسامة بن زيد.
بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعثاً فأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته فقال -صلى الله عليه وسلم-: (إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وأيمُ الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده).

نشأته وايمانه

على الرغم من حداثة سن أسامة -رضي الله عنه- الا أنه كان مؤمنا صلبا، قويا، يحمل كل تبعات دينه في ولاء كبير لقد كان مفرطا في ذكائه، مفرطا في تواضعه، وحقق هذا الأسود الأفطس ميزان الدين الجديد ان أكرمكم عند الله أتقاكم
فها هو في عام الفتح يدخل مكة مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في أكثر ساعات الاسلام روعة

الدروس النبوية

قبل وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعامين خرج أسامة أميرا على سرية للقاء بعض المشركين، وهذه أول امارة يتولاها، وقد أخذ فيها درسه الأكبر من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهاهو يقول: فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد أتاه البشير بالفتح، فاذا هو متهلل وجه، فأدناي منه ثم قال: (حدثني).
فجعلت أحدثه، وذكرت له أنه لما انهزم القوم أدركت رجلا وأهويت اليه بالرمح، فقال: (لا اله الا الله) فطعنته فقتلته، فتغير وجه رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- وقال: (ويحك يا أسامة! فكيف لك بلا اله الا اللـه؟ ويحك يا أسامة! فكيف لك بلا اله الا الله ؟)
فلم يزل يرددها علي حتى لوددت أني انسلخت من كل عمل عملته، واستقبلت الاسلام يومئذ من جديد، فلا والله لا أقاتل أحدا قال لا اله الا الله بعد ماسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-).
أهمَّ قريش شأن المرأة التي سرقت، فقالوا: (من يكلّم فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟) فقالوا: (ومن يجترىء عليه إلا أسامة بن زيد حبّ رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- ؟)
فكلّمه أسامة فقال رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم-: (لم تشفعْ في حدّ من حدود الله ؟) ثم قام النبـي - صلى الله عليه وسلم - فاختطب فقال: (إنّما أهلك الله الذين من قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيْمُ الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يَدَها)


جيش أسامة

وبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسامة بن زيد بن حارثة الى الشام، وهو لم يتجاوز العشرين من عمره، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فتجهز الناس وخرج مع أسامة المهاجرون الأولون، وكان ذلك في مرض الرسول -صلى الله عليه وسلم- الأخير، فاستبطأ الرسول الكريم الناس في بعث أسامة وقد سمع ما قال الناس في امرة غلام حدث على جلة من المهاجرين والأنصار !
فحمد الله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم-: (أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة، فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله، وانه لخليق بالإمارة، وان كان أبوه لخليقا لها).
فأسرع الناس في جهازهم، وخرج أسامة والجيش، وانتقل الرسول الى الرفيق الأعلى، وتولى أبو بكر الخلافة وأمر بانفاذ جيش أسامة وقال: (ما كان لي أن أحل لواء عقده رسول الله -صلى الله عليه وسلم-).
وخرج ماشيا ليودع الجيش بينما أسامة راكبا فقال له: (يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن).
فرد أبوبكر: (والله لا تنزل ووالله لا أركب، وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة) ثم استأذنه في أن يبقى الى جانبه عمر بن الخطاب قائلا له: (ان رأيت أن تعينني بعمر فافعل).
ففعل وسار الجيش وحارب الروم وقضى على خطرهم، وعاد الجيش بلا ضحايا، وقال المسلمون عنه: (ما رأينا جيشا أسلم من جيش أسامة)

أسامة والفتنة
وعندما نشبت الفتنة بين علي ومعاوية التزم أسامة حيادا مطلقا، كان يحب عليا كثيرا ويبصر الحق بجانبه، ولكن كيف يقتل من قال لا اله الا الله وقد لامه الرسول في ذلك سابقا!
فبعث الى علي يقول له: (انك لو كنت في شدق الأسد، لأحببت أن أدخل معك فيه، ولكن هذا أمر لم أره) ولزم داره طوال هذا النزاع، وحين جاءه البعض يناقشونه في موقفه قال لهم: (لا أقاتل أحدا يقول لا اله الا الله أبدا).
فقال أحدهم له: (ألم يقل الله: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ؟)... فأجاب أسامة: (أولئك هم المشركون، ولقد قاتلناهم حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله)


أسامة والفتنة

وعندما نشبت الفتنة بين علي ومعاوية التزم أسامة حيادا مطلقا، كان يحب عليا كثيرا ويبصر الحق بجانبه، ولكن كيف يقتل من قال لا اله الا الله وقد لامه الرسول في ذلك سابقا!.
فبعث الى علي يقول له: (انك لو كنت في شدق الأسد، لأحببت أن أدخل معك فيه، ولكن هذا أمر لم أره) ولزم داره طوال هذا النزاع، وحين جاءه البعض يناقشونه في موقفه قال لهم: (لا أقاتل أحدا يقول لا اله الا الله أبدا).
فقال أحدهم له: (ألم يقل الله: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ؟) فأجاب أسامة: (أولئك هم المشركون، ولقد قاتلناهم حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله).


وفاته
وفي العام الرابع والخمسين من الهجرة، وفي أواخر خلافة معاوية، أسلم -رضي الله عنه- روحه الطاهرة للقاء ربه، فقد كان من الأبرار المتقين فمات بالمدينة وهو ابن (75)


زيد بن حارثة

نسبه

هو زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى، وكان طفلا حين سبي ووقع بيد حكيم بن حزام بن خويلد حين اشتراه من سوق عكاظ مع الرقيق، فأهداه الى عمته خديجة، فرآه الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندها فاستوهبه منها فوهبته له، فأعتقه وتبناه، وصار يعرف في مكة كلها (زيد بن محمد). وذلك كله قبل الوحي.

قصة التبنى
منذ أن سلب زيدا -رضي الله عنه- ووالده يبحث عنه، حتى التقى يوما نفر من حي (حارثة) بزيد في مكة، فحملهم زيد سلامه وحنانه لأمه و أبيه، وقال لقومه: (أخبروا أبي أني هنا مع أكرم والد)... فلم يكد يعلم والده بمكانه حتى أسرع اليه، يبحث عن (الأمين محمد) ولما لقيه قال له: (يا بن عبد المطلب، يا بن سيد قومه، أنتم أهل حرم، تفكون العاني، وتطعمون الأسير، جئناك في ولدنا، فامنن علينا وأحسن في فدائه).
فأجابهم -صلى الله عليه وسلم-: (ادعوا زيدا، وخيروه، فان اختاركم فهو لكم بغير فداء، وان اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء).
أقبل زيد رضي الله عنه- وخيره الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فقال زيد: (ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت الأب و العم)... ونديت عينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدموع شاكرة وحانية، ثم أمسك بيد زيد، وخرج به الى فناء الكعبة، حيث قريش مجتمعة ونادى: (اشهدوا أن زيدا ابني ... يرثني وأرثه)... وكاد يطير قلب (حارثة) من الفرح، فابنه حرا، وابنا للصادق الأمين، سليل بني هاشم.

اسلام زيد

ما حمل الرسول -صلى الله عليه وسلم- تبعة الرسالة حتى كان زيد ثاني المسلمين، بل قيل أولهم أحبه الرسول -صلى الله عليه وسلم- حبا عظيما، حتى أسماه الصحابة (زيد الحب)، وقالت السيدة عائشة -رضي الله عنها-: (ما بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زيد بن حارثة في جيش قط الا أمره عليهم، ولو بقي حيا بعد الرسول لاستخلفه) لقد كان زيد رجلا قصيرا، أسمرا، أفطس الأنف، ولكن قلبه جميع، وروحه حر فتألق في رحاب هذا الدين العظيم.

زواج زيد

زوج الرسول -صلى الله عليه وسلم- زيدا من ابنة عمته (زينب)، وقبلت زينب الزواج تحت وطأة حيائها من الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولكن الحياة الزوجية أخذت تتعثر، فانفصل زيد عن زينب، وتزوجها الرسول -صلى الله عليه وسلم- واختار لزيد زوجة جديدة هي (أم كلثوم بنت عقبة)، وانتشرت في المدينة تساؤلات كثيرة: كيف يتزوج محمد مطلقة ابنه زيد؟ فأجابهم القرآن ملغيا عادة التبني ومفرقا بين الأدعياء والأبناء.
قال تعالى: {ما كان محمدا أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله، وخاتم النبيين} وهكذا عاد زيد الى اسمه الأول (زيد بن حارثة).


فضله

قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (دخلت الجنة فاستقبلتني جارية شابة، فقلت: لمن أنت ؟) قالت: (لزيد بن حارثة).كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لا تلومونا على حبِّ زيدٍ)... وآخى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين زيد بن حارثة وبين حمزة بن عبد المطلب.
بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعثاً فأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته فقال - صلى الله عليه وسلم-:(إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وأيمُ الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده).

استشهاد زيد
في جمادي الأول من العام الثامن الهجري خرج جيش الإسلام إلى أرض البلقاء بالشام، ونزل جيش الإسلام بجوار بلدة تسمى (مؤتة) حيث سميت الغزوة باسمها ... ولأدراك الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأهمية هذه الغزوة اختار لها ثلاثة من رهبان الليل وفرسان النهار، فقال عندما ودع الجيش: (عليكم زيد بن حارثة، فان أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب، فان أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة)... أي أصبح زيد الأمير الأول لجيش المسلمين، حمل راية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واقتحم رماح الروم ونبالهم وسيوفهم، ففتح باب دار السلام وجنات الخلد بجوار ربه.
قال حسان بن ثابت:
عين جودي بدمعك المنزور ... واذكري في الرخاء أهل القبور
واذكري مؤتة وما كان فيها ... يوم راحوا في وقعة التغوير
حين راحوا وغادروا ثم زيدا ... نعم مأوى الضريك و المأسور

بُكاء الرسول
حزن النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- على زيد حتى بكاه وانتحب، فقال له سعـد بن عبادة: (ما هذا يا رسـول الله ؟!)... قال: (شوق الحبيب إلى حبيبه).

حذيفة بن اليمان

نسبه

حذيفة بن اليَمان بن جابر العبسي وكنيته أبا عبد الله وكان صاحب سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، جاء حذيفة هو وأخـوه ووالدهمـا الى رسـول الله واعتنقوا الإسلام ولقد نما - رضي الله عنه - في ظل هذا الديـن، وكانت له موهبـة في قراءة الوجوه و السرائر، فعاش مفتوح البصر والبصيرة على مآتي الفتن ومسالك الشرور ليتقيها، فقد جاء الى الرسول يسأله: (يا رسول الله ان لي لسانا ذربا على أهلي وأخشى أن يدخلني النار) فقال له النبي: (فأين أنت من الاستغفار ؟اني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) هذا هو حذيفة - رضي الله عنه -.
يوم أحد

لقد كان في ايمانه - رضي الله عنه - وولائه قويا، فها هو يرى والده يقتل خطأ يوم أحد بأيدي مسلمة، فقد رأى السيوف تنوشه فصاح بضاربيه: (أبي، أبي، انه أبي !!) ولكن أمر الله قد نفذ، وحين علم المسلمون تولاهم الحزن والوجوم، لكنه نظر اليهم اشفاقا وقال: (يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين).
ثم انطلق بسيفه يؤدي واجبه في المعركة الدائرة وبعد انتهاء المعركة علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فأمر بالدية عن والد حذيفة (حسيل بن جابر) ولكن تصدق بها حذيفة على المسلمين ، فزداد الرسول له حبا وتقديرا.

غزوة الخندق

عندما دب الفشل في صفوف المشركين وحلفائهم واختلف أمرهم وفرق الله جماعتهم، دعا الرسول -صلى الله عليه وسلم- حذيفة بن اليمان، وكان الطقس باردا والقوم يعانون من الخوف والجوع، وقال له: (يا حذيفة، اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يصنعون، ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا!) فذهب ودخل في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء.
فقام أبو سفيان فقال: (يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه؟)... قال حذيفة: (فأخذت بيد الرجل الذي كان الى جنبي فقلت: من أنت؟.. قال: فلان بن فلان) فأمن نفسه في المعسكر، ثم قال أبو سفيان: (يا معشر قريش، انكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنوقريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فاني مرتحل).
ثم نهض فوق جمله، وبدأ المسير، يقول حذيفة: (لولا عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الي الا تحدث شيئا حتى تأتيني، لقتلته بسهم) وعاد حذيفة الى الرسول الكريم حاملا له البشرى.

خوفه من الشر

كان حذيفة -رضي الله عنه- يرى أن الخير واضح في الحياة، ولكن الشر هو المخفي، لذا فهو يقول: كان الناس يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني.
قلت: (يا رسول الله، انا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟) قال: (نعم).
قلت: (فهل من بعد هذا الشر من خير؟ قال: (نعم، وفيه دخن).
قلت: (وما دخنه؟) قال: (قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر).
قلت: (وهل بعد ذلك الخير من شر؟) قال: (نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم اليها قذفوه فيها).
قلت: (يا رسول الله، فما تأمرني ان أدركني ذلك؟) قال: (تلزم جماعة المسلمين وامامهم).
قلت: (فان لم يكن لهم جماعة ولا امام؟) قال: (تعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك).

المنافقون

كان حذيفة -رضي الله عنه- يعلم أسماء المنافقين ، أعلمه بهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسأله عمر: (أفي عمّالي أحدٌ من المنافقين؟) قال: (نعم، واحد) قال: (مَن هو؟)... قال: (لا أذكره) قال حذيفة: (فعزله كأنّما دُلَّ عليه).
وكان عمر إذا مات ميّت يسأل عن حذيفة، فإن حضر الصلاة عليه صلى عليه عمر، وإن لم يحضر حذيفة الصلاة عليه لم يحضر عمر.

آخر ما سمع من الرسول

عن حذيفة قال: (أتيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي توفاه الله فيه، فقلت: (يا رسول الله، كيف أصبحت بأبي أنت وأمي ؟!) فردَّ عليّ بما شاء الله ثم قال: (يا حذيفة أدْنُ منّي).
فدنوتُ من تلقاء وجههِ، قال: (يا حُذيفة إنّه من ختم الله به بصومِ يومٍ، أرادَ به الله تعالى أدْخَلَهُ الله الجنة، ومن أطعم جائعاً أراد به الله، أدخله الله الجنة، ومن كسا عارياً أراد به الله، أدخله الله الجنة) قلتُ: (يا رسول الله، أسرّ هذا الحديث أم أعلنه) قال: (بلْ أعلنْهُ) فهذا آخر شئٍ سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-).

أهل المدائن

خرج أهل المدائن لاستقبال الوالي الذي اختاره عمر - رضي الله عنه - لهم، فأبصروا أمامهم رجلا يركب حماره على ظهره اكاف قديم، وأمسك بيديه رغيفا وملحا، وهو يأكل ويمضغ، وكاد يطير صوابهم عندما علموا أنه الوالي -حذيفة بن اليمان- المنتظر.
ففي بلاد فارس لم يعهدوا الولاة كذلك، وحين رآهم حذيفة يحدقون به قال لهم: (إياكم ومواقف الفتن) قالوا: (وما مواقف الفتن يا أبا عبدالله؟) قال: (أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير أو الوالي، فيصدقه بالكذب، ويمتدحه بما ليس فيه)فكانت هذه البداية أصدق تعبير عن شخصية الحاكم الجديد، ومنهجه في الولاية


معركة نهاوند
في معركة نهاوند حيث احتشد الفرس في مائة ألف مقاتل وخمسين ألفا، اختار أمير المؤمنين عمر لقيادة الجيوش المسلمة (النعمان بن مقرن) ثم كتب الى حذيفة أن يسير اليه على رأس جيش من الكوفة، وأرسل عمر للمقاتلين كتابه يقول: (اذا اجتمع المسلمون، فليكن كل أمير على جيشه، وليكن أمير الجيوش جميعا (النعمان بن مقرن)، فاذا استشهد النعمان فليأخذ الراية حذيفة، فاذا استشهد فجرير بن عبدالله) وهكذا استمر يختار قواد المعركة حتى سمى منهم سبعة.
والتقى الجيشان ونشب قتال قوي، وسقط القائد النعمان شهيدا، وقبل أن تسقط الراية كان القائد الجديد حذيفة يرفعها عاليا وأوصى بألا يذاع نبأ استشهاد النعمان حتى تنجلي المعركة، ودعا (نعيم بن مقرن) فجعله مكان أخيه (النعمان) تكريما له.
ثم هجم على الفرس صائحا: (الله أكبر: صدق وعده، الله أكبر: نصر جنده)... ثم نادى المسلمين قائلا: (يا أتباع محمد، هاهي ذي جنان الله تتهيأ لاستقبالكم، فلا تطيلوا عليها الانتظار)... وانتهى القتال بهزيمة ساحقة للفرس.
وكان فتح همدان والريّ والدينور على يده، وشهد فتح الجزيرة ونزل نصيبين، وتزوّج فيها.

اختياره للكوفة

أنزل مناخ المدائن بالعرب المسلمين أذى بليغا، فكتب عمر لسعد بن أبي وقاص كي يغادرها فورا بعد أن يجد مكانا ملائما للمسلمين، فوكل أمر اختيار المكان لحذيفة بن اليمان ومعه سلمان بن زياد، فلما بلغا أرض الكوفة وكانت حصباء جرداء مرملة، قال حذيفة لصاحبه: (هنا المنزل ان شاء الله)0 وهكذا خططت الكوفة وتحولت الى مدينة عامرة، وشفي سقيم المسلمين وقوي ضعيفهم.

فضله

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (ما من نبي قبلي إلا قد أعطيَ سبعة نُجباء رفقاء، وأعطيتُ أنا أربعة عشر: سبعة من قريش: عليّ والحسن والحسين وحمزة وجعفر، وأبو بكر وعمر، وسبعة من المهاجرين: عبد الله ابن مسعود، وسلمان وأبو ذر وحذيفة وعمار والمقداد وبلال) رضوان الله عليهم.
قيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (استخلفتَ) فقال: (إنّي إنْ استخْلِفُ عليكم فعصيتم خليفتي عُذّبتُم، ولكم ما حدّثكم به حُذيفة فصدِّقوه، وما أقرأكم عبد الله بن مسعود فاقْرَؤُوه).
قال عمر بن الخطاب لأصحابه: (تمنّوا) فتمنّوا ملءَ البيتِ الذي كانوا فيه مالاً وجواهر يُنفقونها في سبيل الله، فقال عمر: (لكني أتمنى رجالاً مثل أبي عبيدة ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان، فأستعملهم في طاعة الله عزّ وجلّ) ثم بعث بمال إلى أبي عبيدة وقال: (انظر ما يصنع)... فقسَمَهُ، ثم بعث بمالٍ إلى حذيفة وقال: (انظر ما يصنع) فقَسَمه، فقال عمر: (قد قُلتُ لكم).


من أقواله
لحذيفة بن اليمان أقوالاً بليغة كثيرة، فقد كان واسع الذكاء والخبرة، وكان يقول للمسلمين: (ليس خياركم الذين يتركون الدنيا للآخرة، ولا الذين يتركون الآخرة للدنيا، ولكن الذين يأخذون من هذه ومن هذه).
يقول حذيفة: (أنا أعلم النّاس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اسرَّ إليَّ شيئاً لم يحدِّث به غيري، وكان ذكر الفتنَ في مجلس أنا فيه، فذكر ثلاثاً لا يذَرْنّ شيئاً، فما بقي من أهل ذلك المجلس غيري).
كان - رضي الله عنه - يقول: إن الله تعالى بعث محمدا -صلى الله عليه وسلم-فدعا الناس من الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان، فاستجاب له من استجاب، فحيى بالحق من كان ميتا، ومات بالباطل من كان حيا.
ثم ذهبت النبوة وجاءت الخلافة على منهاجها، ثم يكون ملكا عضوضا، فمن الناس من ينكر بقلبه ويده ولسانه، أولئك استجابوا للحق، ومنهم من ينكر بقلبه ولسانه، كافا يده، فهذا ترك شعبة من الحق، ومنهم من ينكر بقلبه، كافا يده ولسانه، فهذا ترك شعبتين من الحق، ومنهم من لا ينكر بقلبه ولا بيده ولا بلسانه، فذلك ميت الأحياء.
ويتحدث عن القلوب والهدى والضلالة فيقول: (القلوب أربعة: قلب أغلف، فذلك قلب كافر... وقلب مصفح، فذلك قلب المنافق وقلب أجرد، فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن... وقلب فيه نفاق وإيمان، فمثل الإيمان كمثل شجرة يمدها ماء طيب ومثل المنافق كمثل القرحة يمدها قيح ودم، فأيهما غلب غلب)

مقتل عثمان

كان حذيفة -رضي الله عنه- يقول: (اللهم إنّي أبرأ إليك من دم عثمان، والله ما شهدتُ ولا قتلتُ ولا مالأتُ على قتله)

وفاته

لمّا نزل بحذيفة الموت جزع جزعاً شديداً وبكى بكاءً كثيراً، فقيل: (ما يبكيك ؟) فقال: (ما أبكي أسفاً على الدنيا، بل الموت أحب إليّ، ولكنّي لا أدري على ما أقدم على رضىً أم على سخطٍ).
ودخل عليه بعض أصحابه، فسألهم: (أجئتم معكم بأكفان ؟) قالوا: (نعم) قال: (أرونيها) فوجدها جديدة فارهة، فابتسم وقال لهم: (ما هذا لي بكفن، انما يكفيني لفافتان بيضاوان ليس معهما قميص، فاني لن أترك في القبر الا قليلا، حتى أبدل خيرا منهما، أو شرا منهما).
ثم تمتم بكلمات: (مرحبا بالموت، حبيب جاء على شوق، لا أفلح من ندم) وأسلم الروح الطاهرة لبارئها في أحد أيام العام الهجري السادس والثلاثين بالمدائن، وبعد مَقْتلِ عثمان بأربعين ليلة.

.

الحسن بن علي بن ابي طالب

نسبه

الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو محمد، ولدته فاطمة في المدينة سنة (3هـ)، وهو أكبـر أبنائها، كان عاقلاً حليماً محباً للخير وكان أشبه أهل النبي بجده النبي -صلى الله عليه وسلم-

كرم النسب

قال معاوية وعنده عمرو بن العاص وجماعة من الأشراف: (من أكرم الناس أباً وأماً وجدّاً وجدّة وخالاً وخالةً وعمّاً وعمّةً)... فقام النعمان بن عجلان الزُّرَقيّ فأخذ بيد الحسن فقال: (هذا! أبوه عليّ، وأمّه فاطمة، وجدّه الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وجدته خديجة، وعمّه جعفر، وعمّته أم هانئ بنت أبي طالب، وخاله القاسم، وخالته زينب)
فقال عمرو بن العاص: (أحبُّ بني هاشم دعاك إلى ما عملت؟)... قال ابن العجلان: (يا بن العاص أمَا علمتَ أنه من التمس رضا مخلوق بسخط الخالق حرمه الله أمنيّته، وختم له بالشقاء في آخر عمره، بنو هاشم أنضر قريش عوداً وأقعدها سَلَفاً، وأفضل أحلاماً)

حب الرسول له

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- والحسن على عاتقه: (اللهـم إني أحـبُّ حسنـاً فأحبَّـه، وأحِـبَّ مَـنْ يُحبُّـه) وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يصلي، فإذا سجد وثب الحسنُ على ظهره وعلى عنقه، فيرفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رفعاً رفيقاً لئلا يصرع، قالوا: (يا رسول الله، رأيناك صنعت بالحسن شيئاً ما رأيناك صنعته بأحد)قال:(إنه ريحانتي من الدنيا، وإن ابني هذا سيّد، وعسى الله أن يصلح به بين فئتيـن عظيمتيـن
الحسن بن علي بن أبي طالب
)

الهيبة والسؤدد

كان الحسن - رضي الله عنه - أشبه أهل النبي بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد صلّى أبو بكر الصديق صلاة العصر ثم خرج يمشي ومعه عليّ بن أبي طالب، فرأى الحسن يلعبُ مع الصبيان، فحمله على عاتقه و قال: (بأبي شبيه بالنبيّ، ليس شبيهاً بعليّ) وعلي يضحك.
كما قالت زينب بنت أبي رافع: رأيت فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتت بابنيها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شكواه الذي توفي فيه فقالت: (يا رسول الله! هذان ابناك فورّثْهُما)... فقال: (أما حسنٌ فإن له هيبتي وسؤددي، وأما حسين فإن له جرأتي وجودي)

أزواجه

كان الحسن -رضي الله عنه- قد أحصن بسبعين امرأة، وكان الحسن قلّما تفارقه أربع حرائر، فكان صاحب ضرائر، فكانت عنده ابنة منظور بن سيار الفزاري وعنده امرأة من بني أسد من آل جهم، فطلقهما، وبعث إلى كلِّ واحدة منهما بعشرة آلاف وزقاقٍ من عسل متعة، وقال لرسوله يسار بن أبي سعيد بن يسار وهو مولاه: (احفظ ما تقولان لك) فقالت الفزارية: (بارك الله فيه وجزاه خيراً) وقالت الأسدية: (متاع قليل من حبيب مفارقٍ) فرجع فأخبره، فراجع الأسدية وترك الفزارية.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال عليُّ: (يا أهل الكوفة، لا تزوّجوا الحسن بن عليّ، فإنه مطلاق) فقال رجل من همدان: (والله لنزوِّجَنَّهُ، فما رضي أمسك، وما كره طلّق)

فضله

قال معاوية لرجل من أهل المدينة: (أخبرني عن الحسن بن علي) قال: (يا أمير المؤمنين، إذا صلى الغداة جلس في مصلاّه حتى تطلع الشمس، ثم يساند ظهره، فلا يبقى في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل له شرف إلاّ أتاه، فيتحدثون حتى إذا ارتفع النهار صلى ركعتين، ثم ينهض فيأتي أمهات المؤمنين فيُسلّم عليهن، فربما أتحفنه، ثم ينصرف إلى منزله، ثم يروح فيصنع مثل ذلك) فقال: (ما نحن معه في شيء)
كان الحسن -رضي الله عنه- ماراً في بعض حيطان المدينة، فرأى أسود بيده رغيف، يأكل لقمة ويطعم الكلب لقمة، إلى أن شاطره الرغيف، فقال له الحسـن: (ما حَمَلك على أن شاطرتـه؟ فلم يعاينه فيه بشـيء) قال: (استحت عيناي من عينيه أن أعاينـه) أي استحياءً من الحسـن، فقال له: (غلام من أنت؟)قال: (غلام أبان بن عثمان) فقال: (والحائط؟) أي البستان، فقال: (لأبان بن عثمان) فقال له الحسن: (أقسمتُ عليك لا برحتَ حتى أعود إليك).
فمرّ فاشترى الغلام والحائط، وجاء الى الغلام فقال: (يا غلام! قد اشتريتك؟) فقام قائماً فقال: (السمع والطاعة لله ولرسوله ولك يا مولاي) قال: (وقد اشتريت الحائط، وأنت حرٌ لوجه الله، والحائط هبة مني إليك) فقال الغلام: (يا مولاي قد وهبت الحائط للذي وهبتني له)

حكمته

قيل للحسن بن علي: (إن أبا ذرّ يقول: الفقرُ أحبُّ إلي من الغنى، والسقم أحبُّ إليّ من الصحة) فقال: رحِمَ الله أبا ذر، أما أنا فأقول: (من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمنّ أنه في غير الحالة التي اختار الله تعالى له، وهذا حدُّ الوقوف على الرضا بما تصرّف به القضاء)
قال معاوية للحسن بن عليّ: (ما المروءة يا أبا محمد؟) قال: (فقه الرجل في دينه، وإصلاح معيشته، وحُسْنُ مخالَقَتِهِ)
دعا الحسنُ بن عليّ بنيه وبني أخيه فقال: (يا بنيّ وبني أخي، إنكم صغارُ قومٍ يوشك أن تكونوا كبارَ آخرين، فتعلّموا العلم، فمن لم يستطع منكم أن يرويه أو يحفظه، فليكتبهُ وليضعه في بيته)

عام الجماعة

بايع أهل العراق الحسن -رضي الله عنه- بالخلافة بعد مقتل أبيه سنة (40هـ)، وأشاروا عليه بالمسير الى الشام لمحاربة معاوية بن أبي سفيان، فزحف بمن معه، وتقارب الجيشان في موضع يقال له (مسكن) بناحية الأنبار، ولم يستشعر الحسن الثقة بمن معه، وهاله أن يقْتتل المسلمون وتسيل دماؤهم، فكتب إلى معاوية يشترط شروطاً للصلح، ورضي معاوية، فخلع الحسن نفسه من الخلافة وسلم الأمر لمعاوية في بيت المقدس سنة (41هـ).
وسمي هذا العام (عام الجماعة) لاجتماع كلمة المسلمين فيه، وانصرف الحسن -رضي الله عنه- الى المدينة حيث أقام

الحسن ومعاوية

قال معاوية يوماً في مجلسه: (إذا لم يكن الهاشمـيُّ سخيّاً لم يشبه حسبه، وإذا لم يكن الزبيـري شجاعاً لم يشبه حسبه، وإذا لم يكن المخزومـي تائهاً لم يشبه حسبه، وإذا لم يكن الأمـوي حليماً لم يشبه حسبه).
فبلغ ذلك الحسن بن علي فقال: (والله ما أراد الحق، ولكنّه أراد أن يُغري بني هاشـم بالسخاء فيفنوا أموالهم ويحتاجون إليه، ويُغري آل الزبيـر بالشجاعة فيفنوا بالقتل، ويُغري بني مخـزوم بالتيه فيبغضهم الناس، ويُغري بني أميـة بالحلم فيحبّهم الناس!!).

مرضه

قال عبد الله بن الحسين: إن الحسن كان سُقِيَ، ثم أفلتَ، ثم سُقِيَ فأفلتَ، ثم كانت الآخرة توفي فيها، فلمّا حضرته الوفاة، قال الطبيب وهو يختلف إليه: (هذا رجلٌ قد قطع السُّمُّ أمعاءه)... فقال الحسين: (يا أبا محمد خبّرني من سقاك؟) قال: (ولِمَ يا أخي؟).
قال: (اقتله، والله قبل أن أدفنـك، أولا أقدرُ عليه؟ أو يكون بأرضٍ أتكلّف الشخـوص إليه؟) فقـال: (يا أخـي، إنما هذه الدنيا ليالٍ فانية، دَعْهُ حتى ألتقـي أنا وهو عنـد الله) فأبى أن يُسمّيَهُ، قال: (فقد سمعتُ بعضَ من يقول: كان معاوية قد تلطّف لبعض خدمه أن يسقيَهُ سُمّاً).

بكاؤه

لمّا أن حَضَرَ الحسن بن علي الموتُ بكى بكاءً شديداً، فقال له الحسين: (ما يبكيك يا أخي؟ وإنّما تَقْدُمُ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعلى عليّ وفاطمة وخديجة، وهم وُلِدوك، وقد أجرى الله لك على لسان النبي -صلى الله عليه سلم-: (أنك سيّدُ شباب أهل الجنة)... وقاسمت الله مالَكَ ثلاث مرات، ومشيتَ الى بيت الله على قدميك خمس عشرة مرّةً حاجّاً) وإنما أراد أن يُطيّب نفسه، فوالله ما زاده إلا بكاءً وانتحاباً، وقال: (يا أخي إني أقدِمُ على أمرٍ عظيم مهول، لم أقدم على مثله قط).

وفاته

توفي الحسن - رضي الله عنه - في سنة (50هـ)، وقد دُفِنَ في البقيع، وبكاه الناس سبعة أيام: نساءً وصبياناً ورجالاً، رضي الله عنه وأرضاه.
وقد وقف على قبره أخوه محمد بن عليّ وقال: (يرحمك الله أبا محمد، فإن عزّت حياتك لقد هَدَتْ وفاتك، ولنعم الروحُ روحٌ تضمنه بدنك، ولنعم البدن بدن تضمنه كفنك، وكيف لا يكون هكذا وأنت سليل الهدى، وحليف أهل التقى، وخامس أصحاب الكساء، غذتك أكف الحق، وربيت في حجر الإسلام ورضعت ثدي الإيمان، وطبت حيّاً وميتاً، وإن كانت أنفسنا غير طيبة بفراقك فلا نشك في الخيرة لك، رحمك الله)[/align:d40fe2420d]

الساهر
09-09-2007, 07:00 PM
[align=center:ecc32ee68c]الحسين بن علي بن ابي طالب

نسبه

الإبن الثاني لفاطمة الزهراء، ولد بالمدينة ونشأ في بيت النبوة وكنيته أبو عبد الله.

حُبَّ الرسول له

قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (حُسين مني وأنا مِنْ حُسين، أحَبَّ الله تعالى مَن أحبَّ حُسيناً، حُسينٌ سِبْطٌ من الأسباط)... كما قال الرسول الكريم: (اللهم إني أحبه فأحبّه) وعن أبي أيوب الأنصاري قال: دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والحسن والحسين يلعبان بين يديه وفي حِجْره، فقلت: (يا رسول الله أتحبُّهُما) قال: (وكيف لا أحبُّهُما وهما ريحانتاي من الدنيا أشمُّهُما؟!) وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (من أراد أن ينظر إلى سيّد شباب أهل الجنة، فلينظر الى الحسين بن عليّ) كما قالت زينب بنت أبي رافع: رأيت فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتت بابنيها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شكواه الذي توفي فيه فقالت: (يا رسول الله! هذان ابناك فورّثْهُما)فقال: (أما حسنٌ فإن له هيبتي وسؤددي، وأما حسين فإن له جرأتي وجودي)

فضله

مرَّ الحسيـن - رضي اللـه عنه - يوماً بمساكين يأكلون في الصّفّة، فقالوا: (الغـداء) فنزل وقال: ( إن اللـه لا يحب المتكبريـن) فتغدى ثم قال لهم: (قد أجبتكم فأجيبوني) قالوا: (نعم) فمضى بهم الى منزله فقال لرّباب: (أخرجي ما كنت تدخرين )

الحسن والحسين
جرى بين الحسـن بن علي وأخيه الحسيـن كلام حتى تهاجرا، فلمّا أتى على الحسـن ثلاثة أيام، تأثم من هجر أخيه، فأقبل إلى الحسيـن وهو جالس، فأكبّ على رأسه فقبله، فلمّا جلس الحسـن قال له الحسيـن: (إن الذي منعني من ابتدائك والقيام إليك أنك أحقُّ بالفضل مني، فكرهت أن أنازِعَكَ ما أنت أحقّ به)

البيعة

توفي معاوية نصف رجب سنة ستين، وبايع الناس يزيد، فكتب يزيد للوليد مع عبد الله بن عمرو بن أويس العامري، وهو على المدينة: (أن ادعُ الناس، فبايعهـم وابدأ بوجوه قريـش، وليكن أول من تبدأ به الحسيـن بن عليّ، فإن أمير المؤمنين رحمه اللـه عهد إليّ في أمره للرفق به واستصلاحه) بعث الوليد من ساعته نصف الليل الى الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، فأخبرهما بوفاة معاوية، ودعاهما الى البيعة ليزيد، فقالا: (نصبح وننظر ما يصنع الناس) ووثب الحسين فخرج وخرج معه ابن الزبير، وهو يقول: (هو يزيد الذي نعرف، والله ما حدث له حزم ولا مروءة)... وقد كان الوليد أغلظ للحسين فشتمـه الحسين وأخذ بعمامته فنزعها من رأسـه، فقال الوليد: (إن هجنَا بأبي عبـد الله إلا أسداً) فقال له مروان أو بعض جلسائه: (اقتله) قال: (إن ذلك لدم مضنون في بني عبد مناف)

من المدينة الى مكة
وخرج الحسين وابن الزبير من ليلتهما الى مكة، وأصبح الناس فغدوا على البيعة ليزيد، وطُلِبَ الحسين وابن الزبير فلم يوجدا، فقدِما مكة، فنزل الحسين دار العباس بن عبد المطلب، ولزم الزبير الحِجْرَ، ولبس المغافريَّ وجعل يُحرِّض الناس على بني أمية، وكان يغدو ويروح الى الحسين، ويشير عليه أن يقدم العراق ويقول: (هم شيعتك وشيعة أبيك)

الخروج الى العراق

بلغ ابـن عمـر - رضي اللـه عنه - أن الحسيـن بن علـيّ قد توجّه الى العـراق، فلحقه على مسيـرة ثلاث ليال، فقـال لـه: (أيـن تريد؟) فقال: (العراق) وإذا معه طوامير كتب، فقال: (هذه كتبهم وبيعتهم) فقال: (لا تأتِهم) فأبى قال ابن عمر: (إنّي محدّثك حديثاً: إن جبريل أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فخيّره بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة ولم يردِ الدنيا، وإنكم بضعة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والله لا يليها أحد منكم أبداً، وما صرفها الله عنكم إلاّ للذي هو خير) فأبى أن يرجع، فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: (استودِعُكَ الله من قتيل) وقال ابن عباس -رضي الله عنه- للحسين: (أين تريد يا بن فاطمة؟ قال: (العراق و شيعتي) فقال: (إنّي لكارهٌ لوجهك هذا، تخرج الى قوم قتلوا أباك، وطعنوا أخاك حتى تركهم سَخْطةً ومَلّة لهم، أذكرك الله أن لا تغرّر بنفسك) وقال أبو سعيد الخدري: (غلبني الحسين بن عليّ على الخروج، وقد قُلت له: اتّق الله في نفسك، والزم بيتك، فلا تخرج على إمامك) وكتبـت له عمـرة بنت عبـد الرحمن تعظـم عليه ما يريد أن يصنع، وتأمره بالطاعـة ولزوم الجماعة، وتخبره إنه إنما يُساق إلى مصـرعه وتقول: (أشهد لحدّثتني عائشة أنها سمعت رسـول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- يقول: (يُقتل حسينٌ بأرض بابل) فلمّا قرأ كتابها قال: (فلابدّ لي إذاً من مصرعي) ومضى

مقتله

وبلغ يزيد خروج الحسين -رضي الله عنه-، فكتب الى عبيد الله بن زياد عامله على العراق يأمره بمحاربته وحمله إليه، إن ظفر به، فوجّه عُبيد الله الجيش مع عمر بن سعيد بن أبي وقاص، وعدل الحسين الى (كربلاء)، فلقيه عمر بن سعيد هناك، فاقتتلوا، فقُتِلَ الحسين رضوان الله عليه ورحمته وبركاته في يوم عاشوراء، العاشر من محرم سنة إحدى وستين

السماء تبكي
قال ابن سيرين: (لم تبكِ السماء على أحد بعد يحيى بن زكريا إلا على الحسين بن عليّ) وعن خلف بن خليفة عن أبيه قال: (لمّا قُتِلَ الحسين اسودت السماء، وظهرت الكواكب نهاراً، حتى رأيت الجوزاء عند العصر وسقط التراب الأحمر) وقالت أم خلاّد: (كنّا زماناً بعد مقتل الحسين، وإن الشمس تطلع محمَّرة على الحيطان والجُدر بالغداة والعشيّ) وكانوا لا يرفعون حجراً إلاّ يوجد تحته دمٌ!!

الرؤى

استيقظ ابن عباس من نومه، فاسترجع وقال: (قُتِلَ الحسين والله) فقال له أصحابه: (كلا يا ابن عباس، كلا) قال: رأيت رسول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- ومعه زجاجة من دم فقال: (ألا تعلم ما صنعت أمتي من بعـدي؟ قتلوا ابني الحسيـن، وهذا دمه ودم أصحابه، أرفعها الى اللـه عزّ وجلّ) فكتب ذلك اليوم الذي قال فيه، وتلك الساعة، فما لبثوا إلاّ أربعة وعشرين يوماً حتى جاءهم الخبر بالمدينة أنه قُتِل ذلك اليوم وتلك الساعة!!

الدفن

وقد نقل رأسه ونساؤه وأطفاله إلى (يزيد) بدمشق، واختُلفَ في الموضع الذي دُفِنَ فيه الرأس، فقيل في دمشق، وقيل في كربلاء مع الجثة، وقيل في مكان آخر

جعفر بن ابي طالب

نسبه

جعفر بن أبي طالب، أبو عبد الله ، ابن عم رسـول الله -صلى الله عليه وسلم-، أخو علي بن أبي طالب، وأكبر منه بعشر سنين، أسلم قبل دخول النبـي - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم، آخذا مكانه العالي بين المؤمنين المبكرين بعد واحد وثلاثين انساناً وأسلمـت معه في نفس اليوم زوجته أسماء بنت عميـس.
وحملا نصيبهما من الأذى والاضطهاد في شجاعة وغبطة فلما أذن الرسـول -صلى الله عليه وسلم- للمسلمين بالهجرة الى الحبشـة خرج جعفر وزوجـه حيث لبثا بها سنين عدة، رزقـا خلالها بأولادهما الثلاثة

جعفر في الحبشة
ولما رأت قريش أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة، قرروا أن يبعثوا عبدالله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص محملين بالهدايا للنجاشي وبطارقته عله يخرج المسلمين من دياره... وحط الرسولان رحالهما بالحبشة، ودفعوا لكل بطريق بهديته وقالوا له ما يريدون من كيد بالمسلمين، ثم قدما إلى النجاشي هداياه وطلبا الأذن برؤياه.
وقالا له: (أيها الملك، انه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشيرتهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه).
فأرسل النجاشي صاحب الإيمان العميق والسيرة العادلة إلى المسلمين وسألهم: (ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من الملل؟).
فكان الذي اختاره المسلمين للكلام جعفر -رضي الله عنه- فقال: (أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا الى الله لنوحده ونعبده، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار... فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا الى عبادة الأوثان، فخرجنا الى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك).
فقال النجاشي: (هل معك مما جاء به الله من شئ)... فقال له جعفر: (نعم)... وقرأ عليه من صدر سورة مريم، فبكى النجاشي وبكت أساقفته، ثم قال النجاشي: (إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة! انطلقا. فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون).
وفي اليوم التالي كاد مبعوثي قريش للمسلمين مكيدة أخرى، اذ قال عمرو للنجاشي: (أيها الملك انهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما، فأرسل اليهم فسلهم عما يقولون).
فأرسل الى المسلمين يسألهم فلما أتوا اليه، أجاب جعفر -رضي الله عنه-: (نقول فيه الذي جاءنا به نبينا -صلى الله عليه وسلم- فهو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها الى مريم العذراء البتول).
فهتف النجاشي مصدقا ومعلنا أن هذا قول الحق ومنح المسلمين الأمان الكامل في بلده، ورد على الكافرين هداياهم.

العودة من الحبشة
قدم جعفر بن أبي طالب وأصحابه على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح خيبر، حملهم النجاشي في سفينتين، فقبل الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين عينيه والتزمه وقال: (ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر!).
وامتلأت نفس جعفر روعة بما سمع من أنباء اخوانه المسلمين الذين خاضوا مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- غزوة بدر وأحد وغيرهما.

أبو المساكين
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لجعفر: (أشبهتَ خلقي وخُلُقي) وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُسميه (أبا المساكين) ، يقول أبو هريرة: (إن كنتُ لألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لاستقرىء الرجل الآية وهي معي كي ينقلب بي فيُطعمني، وكان أخيرُ الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيُطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليُخرج إلينا العكّة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعَقُ ما فيها).

الشهادة

وفي غزوة مؤتة في جمادي الأول سنة ثمان كان لجعفر - رضي الله عنه - موعدا مع الشهادة، فقد استشهد زيد بن حارثة - رضي الله عنه - وأخذ جعفر الراية بيمينه وقاتل بها حتى اذا ألحمه القتال رمى بنفسه عن فرسه وعقرها ثم قاتل الروم حتى قتل وهو يقول:

يا حبذا الجنة واقترابها
طيبة وباردا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها
كافرة بعيدة أنسابها
علي اذ لاقيتها ضرابها

أن جعفر - رضي الله عنه - أخذ الراية بيمينه فقطعت، فأخذها بشماله فقطعت، فاحتضنها بعضديه حتى قتل، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء.

الحزن على جعفر
تقول السيدة عائشة: (لمّا أتى وفاة جعفر عرفنا في وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحزن) فعندما أتاه نعي جعفر دخل الرسول الكريم على امرأته أسماء بنت عُميس وقال لها: (ائتني ببني جعفر).
فأتت بهم فشمّهم ودمعت عيناه فقالت: (يا رسول الله بأبي وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابـه شيء؟)... فقال: (نعم أصيبـوا هذا اليوم) فقامت تصيحُ.
ودخلت فاطمـة وهي تبكي وتقول: (وَاعمّاه!!) فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (على مثل جعفر فلتبكِ البواكي)ورجع الرسول إلى أهله فقال: (لا تغفلوا آلَ جعفر، فإنّهم قد شُغِلوا).
وقد دخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ذلك همٌّ شديد حتى أتاه جبريل عليه السلام فأخبره أن الله تعالى قد جعل لجعفر جَناحَين مضرّجَيْنِ بالدم، يطير بهما مع الملائكة.

فضله
قال أبو هريرة: (ما احتذى النِّعَال ولا ركب المطَايا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل من جعفر).
كما قال عبد الله بن جعفر: (كنت إذا سألت علياً شيئاً فمنعني وقلت له: بحقِّ جعفر؟! إلا أعطاني) وكان عمر بن الخطاب إذا رأى عبد الله بن جعفر قال: (السلام عليك يا ابن ذي الجناحين).



الطفيل بن عمرو الدوسي

نشأ في أسرة كريمة في أرض (دَوْس) وذاع صيته كشاعر نابغة، وكان موقعه في سوق عكاظ في المقدمة، وكان كثير التردد على مكة



اسلامه

وفي إحدى زياراته لمكة كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد شرع بدعوته، وخشيت قريش أن يلقاه الطفيل ويسلم، فيضع شعره في خدمة الإسلام، لذا أحاطوا فيه وأنزلوه ضيفاً مكرماً، وراحوا يحذرونه من محمد، بأن له قولاً كالسحر، يفرق بين الرجل وأبيه، والرجل وأخيه، والرجل وزوجته، ويخشون عليه وعلى قومه منه، ونصحوه بألا يسمعه أو يكلمه.
وحين خرج الطفيل من عندهم، وضع في أذنه كُرسُفاً (القطن) كي لا يسمع شيئا، فوجد النبي -صلى الله عليه وسلم- قائما يصلي عند الكعبة، فقام قريبا منه فسمع بعض ما يقرأ الرسول الكريم، فقال لنفسه: (واثُكْلَ أمي، والله إني لرجل لبيب شاعر، لا يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من الرجل ما يقول، فإن كان الذي يأتي به حسن قبلته، وإن كان قبيحا رفضته)
ثم تبع الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى منزله ودخل ورائه و قال: (يا محمد إن قومك قد حدثوني عنك كذا وكذا، فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك، ولكن الله شاء أن أسمع، فسمعت قولا حسنا، فاعرض علي أمرك)
فعرض عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- الإسلام، وتلا عليه القرآن، فأسلم الطفيل وشهد شهادة الحق وقال: (يا رسول الله، إني امرؤ مطاع في قومي وإني راجع إليهم، وداعيهم الى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عوناً فيما أدعوهم إليه)... فقال عليه السلام: (اللهم اجعل له آية).

الآيـة

وروى الطفيل قائلاً: (فخرجتُ إلى قومي، حتى إذا كنت بثنيّة تُطلعني على الحاضر -القوم النازلين إلى الماء فوقع نورٌ بين عيني مثل المصباح، فقلت: (اللهم في غير وجهي، فإني أخشى أن يظنّوا أنّها مُثلةٌ وقعتْ في وجهي لفراق دينهم)... فتحوّل النور فوقع في رأس سَوْطي، فجعل الحاضر يتراءَوْن ذلك النور في سوْطي كالقنديل المعلّق) وفي رواية كان يُضيء في الليلة المظلمة له، فسُمّي ذا النور


أهل بيته

ما كاد الطفيل -رضي اللـه عنه- يصل الى داره في أرض (دَوْس) حتى أتى أبـاه فقال له: (إليك عني يا أبتـاه، فلست مني ولست منك) فقال: (ولِمَ يا بنيّ ؟) قال: (إني أسلمتُ واتبعتُ دين محمد -صلى الله عليه وسلم-) قال: (يا بُنيّ ديني دينك )قال: (فاذهب فاغتسلْ وطهّر ثيابك)
ثم جاء فعرض عليه الإسلام فأسلم ثم أتت زوجته فقال لها: (إليك عني لستُ منكِ ولستِ مني) قالت: (ولِمَ بأبي أنت ؟)قال: (فرّق بيني وبينك الإسلام، إني أسلمتُ وتابعتُ دين محمد -صلى الله عليه وسلم-) قالت: (ديني دينك) فقال: (فاذهبي إلى حمى ذي الشّرىَ، فتطهّري منه).
وكان ذو الشرَى صنم دَوس والحِمَى حمىً له يحمونه، وله وَشَلٌ وماءٌ يهبط من الجبل، فقالت: (بأبي أنت، أتخافُ على الصبية من ذي الشرى شيئاً ؟) قال: (لا، أنا ضامن لما أصابك) فذهبت فاغتسلت ثم جاءَت، فعرض عليها الإسلام فأسلمت.


أهل دَوْس

وانتقل الى عشيرته فلم يسلم أحد منهم سوى أبو هريرة -رضي الله عنه-، وخذلوه حتى نفذ صبره معهم، فركب راحلته وعاد الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يشكو إليه وقال: (يا رسول الله إنه قد غلبني على دَوْس الزنى والربا، فادع الله أن يهلك دَوْساً !).
وكانت المفاجأة التي أذهلت الطفيل حين رفع الرسول -صلى الله عليه وسلم-كفيه الى السماء وقال: (اللهم اهْدِ دَوْساً وأت بهم مسلمين) ثم قال للطفيل: (ارجع الى قومك فادعهم وارفق بهم) فنهض وعاد الى قومه يدعوهم بأناة ورفق.
قدوم دَوْس

وبعد فتح خيبر أقبل موكب ثمانين أسرة من دَوْس الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مكبرين مهللين، وجلسوا بين يديه مبايعين، وأخذوا أماكنهم والطفيل بين المسلمين، وخلف النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأسهم لهم مع المسلمين، وقالوا: (يا رسول الله، اجعلنا مَيْمَنتك، واجعل شعارنا: مَبْرور)... ففعل، فشعار الأزد كلها إلى اليوم (مَبْرُور)

فتح مكة


ودخل الطفيل بن عمرو الدوسي مكة فاتحا مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، فتذكر صنماً كان يصحبه اليه عمرو بن حُممة، فيتخشع بين يديه ويتضرع إليه، فاستأذن النبي الكريم في أن يذهب ويحرق الصنم (ذا الكَفّين) صنم عمرو بن حَمَمَة، فأذن له النبي -صلى الله عليه وسلم-، فذهب وأوقد نارا عليه كلما خبت زادها ضراما وهو ينشد: (يا ذا الكَفّيْنِ لستُ من عُبّادِكا، مِيلادُنا أكبرُ من مِيلادِكا، إنّا حَشَشْنَا النارَ في فؤادِكا)

حروب الردة


وبعد انتقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى الرفيق الأعلى، شارك الطفيل -رضي الله عنه- في حروب الردة حربا حربا، وفي موقعة اليمامة خرج مع المسلمين وابنه عمرو بن الطفيل، ومع بدء المعركة راح يوصي ابنه أن يقاتل قتال الشهداء، وأخبره بأنه يشعر أنه سيموت في هذه المعركة وهكذا حمل سيفه وخاض القتال في تفان مجيد.
الرؤيا


وقبل معركة اليمامة قال الطفيل لأصحابه: (إنّي رأيت رؤيا، فاعْبُرُوها لي، رأيتُ أنّ رأسي حُلِقَ، وأنّه خرج من فمي طائرٌ، وأنّه لقيتني امرأةٌ فأدخلتني في فرجها، وأرى ابني يطلبني حَثيثاً، ثم رأيته حُبسَ عنّي) قالوا: (خيراً) قال: (أمّا أنا والله فقد أوّلتها) قالوا: (ماذا ؟) قال: (أمّا حلق رأسي فَوَضْعُهُ، وأمّا الطائر الذي خرج من فمي فرُوحي، وأمّا المرأة التي أدخلتني فرجها فالأرض تُحْفَرُ لي، فأغَيّب فيها، وأمّا طلب ابني إيّاي ثم حبْسُه عني فإني أراه سيجهد أن يُصيبه ما أصابني)

استشهاده



وفي موقعة اليمامة استشهد الطفيل الدوسي -رضي الله عنه- حيث هوى تحت وقع الطعان، وجُرِحَ ابنه عمرو بن الطفيل جراحة شديدة ثم برأ منها، واستشهد في معركة اليرموك

العباس بن عبدالمطلب


العباس (أبو الفضل) عم رسـول الله - صلى اللـه عليه وسلم -، يفصل بينهما سنتيـن أو ثلاث تزيد في عمر العباس عن عمر الرسول، فكانت القرابة والصداقة بينهما، إلى جانب خُلق العباس وسجاياه التي أحبها الرسول الكريم، فقد كان وَصولاً للرحم والأهل، لا يَضِنُّ عليهما بجهد ولا مال، وكان فَطِناً الى حد الدهاء وله مكانا رفيعا في قريش.

إسلامه

العباس - رضي الله عنه - لم يعلن إسلامه إلا عام الفتح، مما جعل بعض المؤرخين يعدونه ممن تأخر إسلامهم، بيد أن روايات أخرى من التاريخ تنبيء أنه كان من المسلمين الأوائل ولكن كتم إسلامه، فيقول أبو رافع خادم الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أمُّ الفضل، وأَسْلَمْتُ، وكان العباس يكتم إسلامه)
فكان العباس إذا مسلماً قبل غزوة بدر، وكان مقامه بمكة بعد هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-وصحبه خُطَّة أدت غايتها على خير نسق، وكانت قريش دوما تشك في نوايا العباس، ولكنها لم تجد عليه سبيلا وظاهره على مايرضون من منهج ودين، كما ذُكِرَ أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أمر العباس بالبقاء في مكة: (إن مُقامك مُجاهَدٌ حَسَنٌ) فأقام بأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم-

بيعة العقبة
في بيعة العقبة الثانية عندما قدم مكة في موسم الحج وفد الأنصار، ثلاثة وسبعون رجلا وسيدتان، ليعطوا الله ورسوله بيعتهم، وليتفقوا مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الهجرة الى المدينة، أنهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- نبأ هذا الوفد الى عمه العباس فقد كان يثق بعمه في رأيه كله.
فلما اجتمعوا كان العباس أول المتحدثين فقال: (يا معشر الخزرج، إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الإنحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده) وكان العباس يلقـي بكلماتـه وعيناه تحدقـان في وجـوه الأنصار وترصـد ردود فعلهم.
كما تابع الحديث بذكاء فقال: (صفوا لي الحـرب، كيف تقاتلون عدوكم ؟) فهو يعلم أن الحرب قادمة لا محالة بين الإسلام والشرك، فأراد أن يعلم هل سيصمد الأنصار حين تقوم الحرب، وأجابه على الفور عبد الله بن عمرو بن حرام: (نحن والله أهل الحرب، غُذينا بها ومُرِنّا عليها، وورِثناها عن آبائنا كابرا فكابرا، نرمي بالنبل حتى تفنى، ثم نطاعن بالرماح حتى تُكسَر، ثم نمشي بالسيوف فنُضارب بها حتى يموت الأعجل منا أو من عدونا).
وأجاب العباس: (أنتم أصحاب حرب إذن، فهل فيكم دروع ؟) قالوا: (نعم، لدينا دروع شاملة) ثم دار الحديث الرائع مع رسول الله والأنصار كما نعلم من تفاصيل البيعة
وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يذكُر بالمدينة ليلة العقبة فيقول: (أيِّدتُ تلك الليلة، بعمّي العبّاس، وكان يأخذ على القومِ ويُعطيهم).


غزوة بدر
وفي غزوة بدر رأت قريش الفرصة سانحة لإختبار العباس وصدق نواياه، فدفعته الى معركة لا يؤمن بها ولا يريدها، والتقى الجمعان ببدر وحمي القتال، ونادى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه قائلا: (إني عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخْرِجوا كرهاً، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البَخْتَري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله فإنه إنما أخرج مستكرها).
فقال أبو حذيفة: (أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألحمنّه السيف). فبلغ ذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال لعمر بن الخطاب: (يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف ؟) فقال عمر: (يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق) فكان أبو حذيفة يقول: (ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفا إلا ان تكفرّها عني الشهادة) فقتل يوم اليمامة شهيدا.

الأسر
قال أبو اليسر: نظرتُ إلى العباس بن عبد المطلب يوم بدرٍ وهو قائم كأنه صنم، وعيناه تذرفان، فلمّا نظرت إليه قلت: (جزاك الله من ذي رحمٍ شرّاً، أتقاتل ابن أخيك مع عـدوّه) قال: (ما فعل ؟ وهل أصابه القتـل ؟) قلت: (اللـه أعزُّ له وأنصـر من ذلك) قال: (ما تريد إلي ؟) قلت: (إسار، فإنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن قتلك) قال: (ليستْ بأول صلته) فأسرتَهُ ثم جئتُ به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (كيفَ أسرتَه يا أبا اليسر ؟) قال: (لقد أعانني عليه رجلٌ ما رأيته بعدُ ولا قبلُ، هيئته كذا وهيئته كذا) قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لقد أعانك عليه مَلَكٌ كريم).
كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يحب عمه العباس كثيرا، حتى أنه لم ينم حين أسِرَ العباس في بدر، وحين سُئِل عن سبب أرقه أجاب: (سمعت أنين العباس في وثاقه).
فأسرع أحد المسلمين الى الأسرى وحلّ وثاق العباس وعاد فأخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- قائلا: (يا رسول الله إني أرخيت من وثاق العباس شيئا) هنالك قال الرسول لصاحبه: (اذهب فافعل ذلك بالأسرى جميعا) فحب الرسول للعباس لن يميزه على غيره.

الفداء
وحين تقرر أخذ الفدية، قال العباس: (يا رسول الله، إني كنت مسلما، ولكن القوم استكرهوني) فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - للعباس: (الله أعلم بإسلامك، فإن يكُ كما تقول فالله يجزيك بذلك، فأمّا ظاهر أمرك فقد كنتَ علينا، فافد نفسك وابني أخيك، نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو بن جَحْدم أخو بني الحارث بن فهر) قال: (ما ذاك عندي يا رسـول اللـه).
قال: (فأين المال الذي دفنتَ أنتَ وأم الفضل، فقلت لها: إن أصبت في سفري هذا فهذا المالُ لبنيّ: الفضل وعبدالله وقُثْم) فقال: (والله يا رسول الله أنّي لأعلم إنك رسول الله، وإن هذا لشيءٌ ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ذاك شيءٌ أعطاناه الله منك) ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه، ونزل القرآن بذلك.
قال تعالى: (يا أيُّها النّبيُّ قُـلْ لِمَن في أيْديكُمْ مِنَ الأسْرَى إن يَعْلَمِ اللّهُ في قلوبكم خيراً يُؤْتِكُمْ خيراً ممّا أُخِذَ منكم ويغفرْ لكم واللّهُ غَفورٌ رحيمٌ) سورة الأنفال آية (7).
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (وَفّيْتَ فوفّى الله لك) وذلك أنّ الإيمان كان في قلبه، وقال العبّاس فأعطاني الله تعالى مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبداً، كلهم في يده مالٌ يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله تعالى)
وهكذا فدا العباس نفسه ومن معه وعاد الى مكة، ولم تخدعه قريش بعد ذلك أبدا وبعد حين جمع ماله ومتاعه وأدرك الرسول الكريم بخيبر، وأخذ مكانه بين المسلميـن وصار موضع حبهم وإجلالهم، لاسيما وهم يرون حب الرسـول له وقوله: (إنما العباس صِنْوُ أبي... فمن آذى العباس فقـد آذاني) وأنجب العباس ذرية مباركة وكان (حبر الأمة) عبد الله بن العباس أحد هؤلاء الأبناء

يوم حنين
حين كان المسلمون مجتمعين في أحد الأودية ينتظرون مجيء عدوهم، كان المشركون قد سبقوهم الى الوادي وكمنوا لهم في شعابه ممسكين زمام الأمور بأيديهم، وعلى حين غفلة انقضوا على المسلمين في مفاجأة مذهلة جعلتهم يهرعون بعيدا، ورأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما أحدثه الهجوم المفاجيء فعلا صهوة بغلته البيضاء وصاح: (إلي أيها الناس، هلمّوا إلي، أنا النبي لا كذِب، أنا ابن عبد المطلب).
ولم يكن حول الرسول -صلى الله عليه وسلم- يومئذ إلا أبو بكر ، وعمر ، وعلي بن أبي طالب ، والعباس بن عبد المطلب ، وولده الفضل بن العباس ، وجعفر بن الحارث ، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد ، وأيمن بن عبيد ، وقلة أخرى من الصحابة ،وسيدة أخذت مكانا عاليا بين الأبطال هي أم سليم بنت مِلْحان وكانت حاملا انتهت الى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقالت: (اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك، كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل).
هناك كان العباس الى جوار النبي - صلى الله عليه وسلم - يتحدى الموت والخطر، أمره الرسول أن يصرخ في الناس فصرخ بصوته الجهوري: (يا معشر الأنصار، يا أصحاب البيعة) فأجابوه: (لبيك، لبيك) وانقلوا عائدين كالإعصار صوب العباس، ودارت المعركة من جديد وغلبت خيل الله، وتدحرج قتلى هَوَازن وثقيف.

فضله
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله تعالى اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، فمنزلي ومنزل إبراهيم في الجنة، يوم القيامة، تجاهَيْن والعبّاس بيننا مؤمن بين خليلين)... وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أيّها الناس، أيُّ أهل الأرض أكرم على الله ؟) قالوا: (أنت) قال: (فإن العبّاس مني وأنا منه، لا تسبّوا موتانا فتؤذوا أحياءنا)
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- للعبّاس: (لا ترمِ منزلك وبنوك غداً حتى آتيكم، فإن لي فيكم حاجة) فانتظروه حتى بعد ما أضحى، فدخل عليهم فقال: (السلام عليكم)... قالوا: (وعليكم السلام ورحمـة اللـه وبركاته) قال: (كيف أصبحتـم ؟) قالوا: (بخير نحمد اللـه) قال: (تقاربوا يزحف بعضكم إلى بعض).
حتى إذا أمكنوه اشتمل عليهم بملاءته فقال: (يا ربّ، هذا عمّي وصِنْوُ أبي وهؤلاء أهل بيتي، فاسترهم من النار كستري إيّاهم بملاءتي هذه) فأمّنت أسكفةُ الباب وحوائط البيت فقالت: (آمين آمين آمين!).

عام الرمادة
في عام الرمادة حين أصاب العباد قحط، خرج أمير المؤمنين عمر والمسلمون معه الى الفضاء الرحب يصلون صلاة الاستسقاء، ويضرعون الى الله أن يرسل إليهم الغيث والمطر، ووقف عمر وقد أمسك يمين العباس بيمينه، ورفعها صوب السماء وقال: (اللهم إنا كنا نستسقي بنبيك وهو بيننا، اللهم وإنا اليوم نستسقي بعمِّ نبيك، فاسقنا).
ولم يغادر المسلمون مكانهم حتى جاءهم الغيث، وهطل المطر، وأقبل الأصحاب على العباس يعانقونه و يقبلونه ويقولون: (هنيئا لك... ساقي الحرمين).

وفاته
وفي يوم الجمعة (14 / رجب / 32 للهجرة) سمع أهل العوالي بالمدينة مناديا ينادي: (رحم الله من شهد العباس بن عبد المطلب) فأدركوا أن العباس قد مات، وخرج الناس لتشييعه في أعداد هائلة لم تعهد المدينة مثلها، وصلى عليه خليفة المسلمين عثمان بن عفان، ووري الثرى في البقيع.

أبو هريرة




سبب التسمية

كان اسمه قبل إسلامه عبد شمس، فلما شرح الله صدره للإسلام سماه الرسول ( عبد الرحمن، وكناه الصحابة بأبي هريرة، ولهذه الكنية سبب طريف، حيث كان عبد الرحمن يعرف بعطفه الكبير على الحيوان، وكانت له هرة (قطة) يحنو عليها، ويطعمها، ويرعاها، فكانت تلازمه وتذهب معه في كل مكان، فسمي بذلك أبا هريرة، وكان رسول الله ( يدعوه أبا هريرة، فيقول له: ( خذ يا أبا هريرة )
إسلامه

وأسلم عام فتح خيبر (سنة 7هـ) ، ومنذ إسلامه كان يصاحب النبي ( ويجلس معه وقتًا كبيرًا؛ لينهل من علمه وفقهه، وحاول أبو هريرة أن يدعو أمه إلى الإسلام كثيرًا، فكانت ترفض، وذات يوم عرض عليها الإسلام فأبت، وقالت في رسول الله ( كلامًا سيِّئًا، فذهب أبو هريرة إلى الرسول ، وهو يبكي من شدة الحزن، ويقول: يا رسول الله، إنى كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهى مشركة، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة. فقال رسول الله (: (اللهم اهد أم أبي هريرة)، فخرج أبو هريرة من عند الرسول ( فرحًا مستبشرًا بدعوة نبي الله ، وذهب إلى أمه ليبشرها، فوجد الباب مغلقًا، وسمع صوت الماء من الداخل، فنادت عليه أمه، وقالت: مكانك يا أبا هريرة، وطلبت ألا يدخل حتى ترتدي خمارها، ثم فتحت لابنها الباب، وقالت: يا أبا هريرة، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. فرجع أبو هريرة إلى الرسول ( يبكي من الفرح، ويقول: يا رسول الله أبشر، قد استجاب الله دعوتك، وهدى أم أبي هريرة، فحمد الرسول ( ربه، وأثنى عليه وقال خيرًا، ثم قال أبو هريرة: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا، فقال رسول الله (: (اللهم حبّبْ عُبَيْدَك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين)، قال أبو هريرة: فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني.

جهاده

وكان أبو هريرة - رضي الله عنه - يحب الجهاد في سبيل الله، فكان يخرج مع المسلمين في الغزوات0

رواية الحديث

وكان يواظب على جلسات العلم ويلازم النبي فكان أكثر الصحابة ملازمة للنبي ( وأكثرهم رواية للأحاديث عنه (، حتى قال عنه الصحابة: إن أبا هريرة قد أكثر الحديث، وإن المهاجرين والأنصار لم يتحدثوا بمثل أحاديثه، فكان يرد عليهم ويقول: إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أراضيهم، وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق (التجارة)، وكنت ألزم رسول الله ( على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا. ولقد قال رسول الله ( يومًا: (من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئًا سمعه مني، فبسطت ثوبي حتى قضى من حديثه، ثم ضممتها إليَّ، فما نسيت شيئًا سمعته منه) ، ولولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئًا أبدًا {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم } .
وكان لأبي هريرة - رضي الله عنه - ذاكرة قوية قادرة على الحفظ السريع وعدم النسيان، قال عنه الإمام الشافعي -رحمه الله- : إنه أحفظ من روى الحديث في دهره. وقال هو عن نفسه: ما من أحد من أصحاب رسول الله ( أكثر حديثًا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص فإنه كان يكتب ولا أكتب. وكان يحب العلم، فكان طلابه يقبلون عليه، حتى يملئوا بيته، كما كان مقدرًا للعلم، فذات يوم كان ممددًا قدميه فقبضهما ثم قال: دخلنا على رسول الله ( حتى ملأنا البيت وهو مضطجع لجنبه، فلما رآنا قبض رجليه ثم قال: (إنه سيأتيكم أقوام من بعدي يطلبون العلم، فرحبوا بهم وحيُّوهم وعلموهم)

فقره

وكان أبو هريرة شديد الفقر، لدرجة أنه كان يربط على بطنه حجرًا من شدة الجوع، وذات يوم خرج وهو جائع فمر به أبو بكر - رضي الله عنه -، فقام إليه أبو هريرة وسأله عن تفسير آية من كتاب الله، وكان أبو هريرة يعرف تفسيرها، لكنه أراد أن يصحبه أبو بكر إلى بيته ليطعمه، لكن أبا بكر لم يعرف مقصده، ففسر له الآية وتركه وانصرف، فمر على أبي هريرة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فسأله ففعل معه مثلما فعل أبو بكر. ثم مر النبي ( فعلم ما يريده أبو هريرة فقال له النبي (: (أبا هريرة)، فقال: لبيك يا رسول الله، فدخلت معه البيت، فوجد لبنًا في قدح، فقال (: (من أين لكم هذا؟) قيل: أرسل به إليك. فقال النبي (: (أبا هريرة، انطلق إلى أهل الصفة (الفقراء الذين يبيتون في المسجد) فادعهم)، فحزن أبو هريرة، وقال في نفسه: كنت أرجو أن أشرب من اللبن شربة أتقوى بها بقية يومي وليلتي، ثم قال في نفسه: لابد من تنفيذ أمر الرسول (، وذهب إلى المسجد، ونادى على أهل الصفة، فجاءوا، فقال في نفسه: إذا شرب كل هؤلاء ماذا يبقى لي في القدح، فأتوا معه إلى بيت النبي (، فقال له النبي (: (أبا هر، خذ فأعطهم)، فقام أبو هريرة يدور عليهم بقدح اللبن يشرب الرجل منهم حتى يروى ويشبع، ثم يعطيه لمن بعده فيشرب حتى يشبع، حتى شرب آخرهم، ولم يبق في القدح إلا شيء يسير، فرفع النبي ( رأسه وهو يبتسم وقال: (أبا هر) قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (بقيت أنا وأنت) قلت: صدقت يا رسول الله، فقال الرسول: (فاقعد فاشرب). قال أبو هريرة: فقعدت فشربت، فقال: (اشرب). فشربت، فما زال النبي ( يقول لي اشرب فأشرب حتى قلت: والذي بعثك بالحق ما أجد له مساغًا (مكانًا)، فقال النبي (: (ناولني القدح) فأخذ النبي ( القدح فشرب من الفضلة.
زواجه

وقد أكرم الله أبا هريرة نتيجة لإيمانه وإخلاصه لله ورسوله فتزوج من سيدة كان يعمل عندها أجيرًا قبل إسلامه، وفي هذا يقول: نشأتُ يتيمًا، وهاجرت مسكينًا، وكنت أجيرًا عند بسرة بنت غزوان بطعام بطني، فكنت أخدم إذا نزلوا، وأحدوا إذا ركبوا (أي أمشى أجر ركائبهم )، فزوجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قوامًا، وجعل أبا هريرة إمامًا.

ولاية البحرين

وفي عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - تولى أبو هريرة إمارة البحرين، وكان نائبًا لمروان بن الحكم على المدينة، فإن غاب مروان كان هو الأمير عليها، وكان يحمل حزمة الحطب على ظهره في السوق ويراه الناس. وكان أبو هريرة -رضي الله عنه - ناصحًا للناس؛ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وبينما كان يمر بسوق المدينة رأى الناس قد اشتغلوا بالدنيا، فوقف في وسط السوق وقال: يا أهل السوق: إن ميراث رسول الله ( يقسم وأنتم هنا، ألا تذهبون فتأخذوا نصيبكم منه! فقالوا: وأين هو؟ قال: في المسجد. فأسرع الناس إلى المسجد ثم رجعوا إلى أبي هريرة فقال لهم: ما لكم رجعتم؟! قالوا: يا أبا هريرة، قد ذهبنا إلى المسجد، فدخلنا فيه فلم نر فيه شيئًا يقسم! فقال: وماذا رأيتم؟ قالوا: رأينا قومًا يصلون، وقومًا يقرءون القرآن، وقومًا يذكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة: فذاك ميراث محمد
وفاته

وعاش أبو هريرة لا يبتغي من الدنيا سوى رضا الله وحب عباده من المسلمين حتى حضرته الوفاة، فبكى شوقًا إلى لقاء ربه، ولما سئل: ما يبكيك؟ قال: من قلة الزاد وشدة المفازة، وقال: اللهم إني أحب لقاءك فأحبب لقائي. وتوفي -رضي الله عنه- بالمدينة سنة (59 هـ)، وقيل سنة (57هـ)، وعمره (78) سنة، ودفن بالبقيع بعدما ملأ الأرض علمًا0

مصعب بن عمير

كان في صغره وقبل إسلامه شابًا جميلا مدللاً منعمًا، يلبس من الثياب أغلاها، يعرفه أهل مكة بعطره الذي يفوح منه دائمًا، وأبوه وأمه من أغنى أغنياء مكة، وكانا يحبانه حبًّا شديدًا، فرغباته كلها منفذة، وطلباته كلها مجابة.

اسلامه

سمع مصعب ما سمعه أهل مكة من دعوة محمد ( التي ينادى فيها بعبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، والمساواة بين الناس والتحلي بمكارم الأخلاق، فتحركت نفسه، وتاقت جوارحه أن يتعرف على هذا الدين الجديد، ولم يمض غير قليل حتى أسرع للقاء النبي ( في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وأعلن إسلامه.

خوفه من امه

وكانت أمه خناس بنت مالك تتمتع بقوة شخصيتها، وكان مصعب يهابها، ولم يكن حين أسلم يخشى شيئًا قدر خشيته من أن يتسرب خبر إسلامه إلى أمه، فقرر أن يكتم إسلامه حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً، وأخذ يتردد على النبي في دار الأرقم، يصلي معه ويستمع إلى آيات الله.

تعذيبه

وذات يوم رآه عثمان بن طلحة وهو يصلي مع الرسول (، فذهب إلى أمه وأخبرها بما رأى، فطار صوابها، وغضبت عليه هي وقومها غضبًا شديدًا، لكن الفتى المؤمن وقف أمامهم يتلو عليهم القرآن في يقين وثبات، لعل الله يشرح به قلوبهم، ولم يشأ الله هدايتهم بعد، فقرروا حبسه، وعذبوه، فصبر واحتسب ذلك كله في سبيل الله.
ومنعت أمه عنه الطعام ذات يوم، ورفضت أن يأكل طعامها من هجر آلهتها ولو كان ابنها، وأخرجته من دارها، وهي تقول له: اذهب لشأنك لم أعد لك أمًّا، ورغم كل هذا يقترب مصعب من أمه ويقول لها: يا أمه أني لك ناصح، وعليك شفوق، فاشهدي أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. فتجيبه غاضبة: قسمًا بالآلهة، لا أدخل في دينك، فيزري برأيي ويضعف عقلي.
الهجرة الى الحبشة

وعندما سمع مصعب بخروج بعض المؤمنين مهاجرين إلى الحبشة هاجر معهم، ثم عاد إلى مكة مع الذين عادوا إليها، فرآه قومه بعد رجوعه فرقت قلوبهم، وكفوا عن تعذيبه0

اول سفير في الاسلام

وبعد بيعتي العقبة الأولى والثانية جاء إلى النبي ( من آمن من الأنصار، وطلبوا منه أن يرسل معهم من يقرئهم القرآن ويعلمهم أمور دينهم، فاختار الرسول ( مصعبًا ليكون أول سفير له خارج مكة، وأول مهاجر إلى المدينة المنورة.
فترك مصعب مكة للمرة الثانية طاعة لله ولرسوله ، وحمل أمانة الدعوة إلى الله مستعينًا بما أنعم الله عليه من عقل راجح، وخلق كريم، وأعجب أهل المدينة بزهده وإخلاصه فدخلوا في دين الله، وكان مصعب يدعو الناس إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، فأسلم على يديه سادة أهل المدينة، مثل: أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ.
حامل لواء الرسول

وتمضي الأيام والأعوام، ويهاجر الرسول ( وأصحابه إلى المدينة، وتغضب قريش، وتعد العدة لقتال المسلمين، ويلتقي جيش المسلمين والكفار في غزوة بدر، وينتصر المسلمون، وتجيء غزوة أحد، ويختار الرسول مصعبًا ليحمل اللواء.
استشهاده

ونشبت معركة رهيبة واحتدم القتال، وكان النصر أول الأمر للمسلمين، ولكن سرعان ما تحول النصر إلى هزيمة لما خالف الرماة أمر رسول الله (، ونزلوا من فوق الجبل يجمعون الغنائم، وأخذ المشركون يقتلون المسلمين، وبدأت صفوف المسلمين تتمزق.وركز أعداء الإسلام على الرسول ( وأخذوا يتعقبونه، فأدرك مصعب هذا الخطر، وصاح مكبرًا، ومضى يجول ويصول ، وهمه أن يلفت أنظار الأعداء إليه؛ ليشغلهم عن رسول الله (، وتجمع حوله الأعداء، فضرب أحدهم يده اليمنى فقطعها، فحمل مصعب اللواء بيده اليسرى، فضرب يده اليسرى فقطعها، فضم مصعب اللواء إلى صدره بعضديه، وهو يقول: وما محمد إلا رسول الله قد خلت من قبله الرسل، فضربه أعداء الله ضربة ثالثة فقتلوه، واستشهد مصعب.
وبعد انتهاء المعركة جاء الرسول ( وأصحابه يتفقدون أرض المعركة، ويودِّعون شهداءها، وعند جثمان مصعب سالت الدموع وفيرة غزيرة، ولم يجدوا شيئًا يكفنونه فيه إلا ثوبه القصير، إذا غطوا به رأسه انكشفت رجلاه، وإذا وضعوه على رجليه ظهرت رأسه، فقال النبي ( غطوا رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر (نبات له رائحة طيبة )
ومضى مصعب إلى رحاب الله سبحانه، وصدق فيه قول الله تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} وقال الرسول ( وهو ينظر إلى شهداء أحد: (أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فوالذي نفسي بيده لا يسلِّم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه )

عمار بن ياسر


ال ياسر

إنه عمَّار بن ياسر - رضي الله عنه -، كان هو وأبوه ياسر وأمه سمية بنت خياط من أوائل الذين دخلوا في الإسلام، وكان أبوه قد قدم من اليمن، واستقر بمكة، ولما علم المشركون بإسلام هذه الأسرة أخذوهم وعذبوهم عذابًا شديدًا، فمر عليهم الرسول ( وقال لهم: (صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة)
استشهاد امه وابيه

وطعن أبو جهل السيدة سمية فماتت، لتكون أول شهيدة في الإسلام ، ثم يلحق بها زوجها ياسر0

تعذيبه

وبقى عمار يعاني العذاب الشديد ، فكانوا يضعون رأسه في الماء، ويضربونه بالسياط ، ويحرقونه بالنار، فمرَّ عليه الرسول ووضع يده الشريفة على رأسه وقال: (يا نار كوني بردًا وسلامًا على عمار كما كنت بردًا وسلامًا على إبراهيم)
وذات يوم، لقى عمار النبي ( وهو يبكي، فجعل ( يمسح عن عينيه ويقول له: (أخذك الكفار فغطوك في النار ) ، واستمر المشركون في تعذيب عمار ، ولم يتركوه حتى ذكر آلهتهم وأصنامهم بخير ، وعندها تركوه، فذهب مسرعًا إلى النبي فقال له النبي (: ما وراءك؟ قال: شرٌّ يا رسول الله، والله ما تركت حتى نلت منك (أي ذكرتك بسوء) وذكرت آلهتهم بخير، فقال له النبي (: (فكيف تجدك؟) ، قال: مطمئن بالإيمان، قال: (فإن عادوا فعد) ونزل فيه قول الله تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} _ .

الهجرة الى الحبشة والمدينة
وعندما هاجر المسلمين الى الحبشه هاجر عمار معهم ثم هاجر إلى المدينة0

جهاده

وشارك مع النبي ( في جميع الغزوات، حتى إنه قال ذات يوم: قاتلت مع رسول الله ( الجن والإنس فسأله الصحابة: وكيف؟ فقال: كنا مع النبي ( فنزلنا منزلاً، فأخذت قربتي ودلوي لأستقي، فقال (أما إنه سيأتيك على الماء آت يمنعك منه )، فلما كنت على رأس البئر إذا برجل أسود، فقال: والله لا تستقي اليوم منها، فأخذني وأخذته ( تشاجرنا ) فصرعته ثم أخذت حجرًا، فكسرت وجهه وأنفه، ثم ملأت قربتي وأتيت رسول الله فقال: (هل أتاك على الماء أحد؟) قلت: نعم، فقصصت عليه القصة فقال: (أتدرى من هو؟)، قلت: لا، قال: ( ذاك الشيطان).
وبعد وفاة النبي اشترك عمار مع الصديق أبي بكر - رضي الله عنه - في محاربة المرتدين، وأظهر شجاعة فائقة في معركة اليمامة حتى قال
ابن عمر - رضي الله عنه - في شجاعته: رأيت عمار بن ياسر - رضي الله عنه - يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرون؟! أنا عمار بن ياسر، أمن الجنة تفرون؟! أنا عمار بن ياسر، هلمَّ إليَّ، وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهي تذبذب (تتحرك) وهو يقاتل أشد القتال.


مكانته

وذات يوم استأذن عمار - رضي الله عنه - الرسول ( ليدخل فقال (من هذا ؟ ) قال: عمار، فقال ( مرحبًا بالطيب المطيب )
وذات يوم حدث بين عمار وخالد بن الوليد كلام، فأغلظ خالد لعمار ، فشكاه إلى النبي فقال ( من عادى عمارًا عاداه الله، ومن أبغض عمارًا أبغضه الله ) ، فخرج خالد من عند الرسول وما من شيء أحب إليه من رضا عمار، وكلمه حتى رضي عنه.

ايمانه

وقال النبي ( إن عمارًا مُلئ إيمانًا إلى مشاشه (أي إلى آخر جزء فيه) وأمر النبي ( المسلمين أن يتبعوا عمارًا ويقتدوا به، فقال (اقتدوا باللذين من بعدى أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد (عبد الله ابن مسعود)
وجاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إن الله قد أمننا من أن يظلمنا، ولم يؤمنا من أن يفتنا، أرأيت إن أدركت الفتنة؟ قال: عليك بكتاب الله، قال: أرأيت إن كان كلهم يدعو إلى كتاب الله؟ قال: سمعت رسول الله يقول: إذا اختلف الناس كان ابن سمية (عمار) مع الحق0

ولاية الكوفه

وبعد أن تولى عمر بن الخطاب الخلافة، ولى عمارًا على الكوفة ومعه عبد الله بن مسعود وبعث بكتاب إلى أهلها يقول لهم فيه: أما بعد، فأني بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرًا وابن مسعود معلمًا ووزيرًا، وإنهما لمن النجباء من أصحاب محمد من أهل بدر ، فاسمعوا لهما وأطيعوا، واقتدوا بهما.

زهده

وكان عمار متواضعًا زاهدًا سمحًا كريمًا فقد سبَّه رجل وعيَّره ذات مرة بأذنه التي قطعت في سبيل الله، وقال له: أيها الأجدع، فقال لها عمار: خير أذني سببت، فإنها أصيبت مع رسول الله وكان يقول: ثلاثة من كن فيه فقد استكمل الإيمان: الإنفاق في الإقتار، والإنصاف من النفس، وبذل السلام للعالم.
وفي يوم صفين كان عمار في جيش علي، وقبل بداية المعركة شعر عمار بالعطش، فإذا بامرأة تأتيه وفي يدها إناء فيه لبن فشرب منه ، وتذكر قول الرسول له: ( آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن ) ، ثم قال في جموع المقاتلين: الجنة تحت ظلال السيوف، والموت في أطراف الأسنة، وقد فتحت أبواب الجنة، وتزينت الحور العين، اليوم ألقى الأحبة محمدًا وحزبه (أصحابه) ثم تقدم للقتال فاستشهد سنة(37هـ)، وكان عمره آنذاك (93) سنة، ودفنه الإمام عليُّ، وصلى عليه.[/align:ecc32ee68c]

[align=center:ecc32ee68c]يتبع[/align:ecc32ee68c]

الساهر
09-09-2007, 07:06 PM
[align=center:a1625d80c8]أبو ذر الغفاري

نسبه
جندب بن جنادة - رضي الله عنه - ، ولد في قبيلة غفار، وكان من السابقين إلى الإسلام 0
اسلامه

وكان أبو ذر قد أقبل على مكة متنكرًا ، وذهب إلى الرسول ( وأعلن إسلامه، وكان الرسول ( يدعو إلى الإسلام في ذلك الوقت سرًّا، فقال أبو ذر للنبي ( بم تأمرني ؟ فقال له الرسول ( ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري )، فقال أبو ذر: والذي نفسي بيده لأصرخنَّ بها (أي الشهادة) بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد ونادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
فقام إليه المشركون فضربوه ضربًا شديدًا، وأتى العباس بن عبد المطلب عم النبي ( فأكب عليه، وقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار ، وأنه طريق تجارتكم إلى الشام ؟ فثابوا إلى رشدهم وتركوه، ثم عاد أبو ذر في الغد لمثلها فضربوه حتى أفقدوه وعيه، فأكب عليه العباس فأنقذه0

دعائه لقومه
ورجع أبو ذر إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام، فأسلم على يديه نصف قبيلة غفار ونصف قبيلة أسلم، وعندما هاجر النبي إلى المدينة ، أقبل عليه أبو ذر مع قبيلته غفار وجارتها قبيلة أسلم ، ففرح النبي وقال: ( غفار غفر الله لها ، وأسلم سالمها الله) وخصَّ النبي ( أبا ذر بتحية مباركة فقال: (ما أظلت الخضراء (السماء)، ولا أقلت الغبراء (الأرض) من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر 0

تواضعه

وكان أبو ذر من أشد الناس تواضعًا ، فكان يلبس ثوبًا كثوب خادمه، ويأكل مما يطعمه، فقيل له : يا أبا ذر، لو أخذت ثوبك والثوب الذي على عبدك وجعلتهما ثوبًا واحدًا لك ، وكسوت عبدك ثوبًا آخر أقل منه جودة وقيمة، ما لامك أحد على ذلك، فأنت سيده، وهو عبد عندك، فقال أبو ذر: إني كنت ساببت (شتمت) بلالاً، وعيرته بأمه؛ فقلت له: يا ابن السوداء، فشكاني إلى رسول الله فقال لي النبي ( يا أبا ذر ، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية ) ، فوضعت رأسي على الأرض، وقلت لبلال: ضع قدمك على رقبتي حتى يغفر الله لي ، فقال لي بلال: إني سامحتك غفر الله لك، وقال (إخوانكم خولكم (عبيدكم) ، جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم0

حبه لله ورسوله

وكان أبو ذر - رضي الله عنه - يحب الله ورسوله ( حبًّا كبيرًا، فقد روى أنه قال للنبي : يا رسول الله، الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل بعملهم، فقال له النبي : أنت مع مَنْ أحببت يا أبا ذر فقال أبو ذر : فإني أحب الله ورسوله، فقال له النبي : أنت مع مَن أحببت ، وكان ( يبتدئ أبا ذر إذا حضر، ويتفقده (يسأل عنه) إذا غاب.
علمه

وقد أحب أبو ذر العلم والتعلم والتبحر في الدين وعلومه ، وقال عنه علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: وعى أبو ذر علمًا عجز الناس عنه ، ثم أوكأ عليه فلم يخرج شيئًا منه. وكان يقول: لباب يتعلمه الرجل (من العلم) خير له من ألف ركعة تطوعًا.

زهده

وكان - رضي الله عنه - زاهدًا في الدنيا غير متعلق بها لا يأخذ منها إلا كما يأخذ المسافر من الزاد، فقال عنه النبي (أبو ذر يمشى في الأرض بزهد عيسى بن مريم عليه السلام)
وكان أبو ذر يقول: قوتي (طعامي) على عهد رسول الله ( صاع من تمر، فلست بزائد عليه حتى ألقى الله تعالى. ويقول: الفقر أحب إليَّ من الغنى، والسقم أحب إليَّ من الصحة. وقال له رجل ذات مرة : ألا تتخذ ضيعة (بستانًا) كما اتخذ فلان وفلان، فقال: لا، وما أصنع بأن أكون أميرًا، إنما يكفيني كل يوم شربة ماء أو لبن، وفي الجمعة قفيز (اسم مكيال) من قمح . وكان يحارب اكتناز المال ويقول: بشر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاوٍ من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة.
وكان يدافع عن الفقراء، ويطلب من الأغنياء أن يعطوهم حقهم من الزكاة ؛ لذلك سُمي بمحامي الفقراء ، ولما عرض عليه عثمان بن عفان أن يبقى معه ويعطيه ما يريد، قال له: لا حاجة لي في دنياكم.
وعندما ذهب أبو ذر إلى الرَّبذة وجد أميرها غلامًا أسود عيَّنه عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، ولما أقيمت الصلاة، قال الغلام لأبي ذر: تقدم يا أبا ذر ، وتراجع الغلام إلى الخلف، فقال أبو ذر ، بل تقدم أنت ، فإن رسول الله ( أمرني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا أسود. فتقدم الغلام وصلى أبو ذر خلفه.
وفاته

وظل أبو ذر مقيمًا في الرَّبَذَة هو وزوجته وغلامه حتى مرض مرض الموت فأخذت زوجته تبكي، فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: ومالي لا أبكي وأنت تموت بصحراء من الأرض، وليس عندي ثوب أكفنك فيه، ولا أستطيع وحدي القيام بجهازك، فقال أبو ذر: إذا مت، فاغسلاني وكفناني، وضعاني على الطريق، فأول ركب يمرون بكما فقولا: هذا أبو ذر. فلما مات فعلا ما أمر به، فمرَّ بهم
عبد الله بن مسعود مع جماعة من أهل الكوفة، فقال: ما هذا؟ قيل: جنازة أبي ذر، فبكى ابن مسعود، وقال: صدق رسول الله (: يرحم الله أبا ذر، يمشى وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده)، فصلى عليه، ودفنه بنفسه وكان ذلك سنة (31هـ) وقيل: سنة (32 هـ).

بلال بن رباح

إنه بلال بن رباح الحبشي - رضي الله عنه -، وكان بلال قد بدأ يسمع عن الرسول الذي جاء بدين جديد، يدعو إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام ، ويحث على المساواة بين البشر ، ويأمر بمكارم الأخلاق، وبدأ يصغي إلى أحاديث زعماء قريش وهم يتحدثون عن محمد. سمعهم وهم يتحدثون عن أمانته، ووفائه، وعن رجولته، ورجاحة عقله، سمعهم وهم يقولون: ما كان محمد يومًا كاذبًا، ولا ساحرًا، ولا مجنونًا، وأخيرًا سمعهم وهم يتحدثون عن أسباب عداوتهم لمحمد 0

اسلامه وتعذيبه

فذهب بلال إلى رسول الله ليسلم لله رب العالمين ، وينتشر خبر إسلام بلال في أنحاء مكة، ويعلم سيده أمية بن خلف فيغضب غضبًا شديدًا ، وأخذ يعذب بلالا بنفسه؛ لقد كانوا يخرجون به إلى الصحراء في وقت الظهيرة ، ذلك الوقت التي تصير فيه الصحراء كأنها قطعة من نار، ثم يطرحونه عاريًا على الرمال الملتهبة ، ويأتون بالحجارة الكبيرة، ويضعونها فوق جسده، ويتكرر هذا العذاب الوحشي كل يوم ، ويظل بلال صابرًا مصممًا على التمسك بدينه ، فيقول له أمية بن خلف : لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيقول بلال: أحد.. أحد!!
لقد هانت على بلال نفسه بعدما ذاق طعم الإيمان ، فلم يعد يهتم بما يحدث له في سبيل الله ، ثم أمر زعماء قريش صبيانهم أن يطوفوا به في شعاب مكة وشوارعها ليكون عبرة لمن تحدثه نفسه أن يتبع محمدًا، وبلال لا ينطق إلا كلمة واحدة، هي: أحد.. أحد، فيغتاظ أمية ويتفجر غمًّا وحزنًا ، ويزداد عذابه لبلال.

تحريره من العبودية

وذات يوم، كان أمية بن خلف يضرب بلالاً بالسوط، فمرَّ عليه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -، فقال له : يا أمية ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ إلى متى ستظل تعذبه هكذا ؟ فقال أمية لأبي بكر: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى، وواصل أمية ضربه لبلال ، وقد يئس منه ، فطلب أبو بكر شراءه ، وأعطى أمية ثلاث أواق من الذهب نظير أن يترك بلالا، فقال أمية لأبي بكر الصديق : فواللات والعزى ، لو أبيت إلا أن تشتريه بأوقية واحدة لبعتكه بها ، فقال أبو بكر : والله لو أبيت أنت إلا مائة أوقية لدفعتها ، وانطلق أبو بكر ببلال إلى رسول الله يبشره بتحريره.

مؤذن الرسول
وبعد هجرة النبي والمسلمين إلى المدينة واستقرارهم بها ، وقع اختيار الرسول على بلال ليكون أول مؤذن للإسلام ، ولم يقتصر دور بلال على الأذان فحسب، بل كان يشارك النبي في كل الغزوات

جهاده

شارك بلال - رضي الله عنه - في غزوة بدر أول لقاء بين المسلمين وقريش ، ودفعت قريش بفلذات أكبادها، ودارت حرب عنيفة قاسية انتصر فيها المسلمون انتصارًا عظيمًا. وفي أثناء المعركة لمح بلال أمية بن خلف ، فيصيح قائلاً: رأس الكفر أمية بن خلف ، لا نجوتُ إن نجا ، وكانت نهاية هذا الكافر على يد بلال ، تلك اليد التي كثيرًا ما طوقها أمية بالسلاسل من قبل، وأوجع صاحبها ضربًا بالسوط .
وعاش بلال مع رسول الله يؤذن للصلاة، ويحيي شعائر هذا الدين العظيم الذي أخرجه من الظلمات إلى النور ، ومن رقِّ العبودية إلى الحرية ، وكل يوم يزداد بلال قربًا من قلب رسول الله الذي كان يصفه بأنه رجل من أهل الجنة، ومع كل هذا، ظل بلال كما هو كريمًا متواضعًا لا يرى لنفسه ميزة على أصحابه.
وذات يوم ذهب بلال يخطب لنفسه ولأخيه زوجتين، فقال لأبيهما: أنا بلال، وهذا أخي، عبدان من الحبشة، كنا ضالين فهدانا الله، وكنا عبدين فأعتقنا الله، إن تزوجونا فالحمد لله، وإن تردونا فلا حول ولا قوة إلا بالله. فزوجوهما، وكان بلال -رضي الله عنه- عابدًا لله، ورعًا، كثير الصلاة، قال له النبي ( ذات يوم بعد صلاة الصبح: (حدِّثني بأرجى عمل عملته في الإسلام ، فأني قد سمعت الليلة خشفة نعليك (صوت نعليك) بين يدي في الجنة ، فقال بلال : ما عملت عملا أرجى من أني لم أتطهر طهورًا تامًا في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت لربي ما كتب لي أن أصلي.

وحزن بلال حزنًا شديدًا لوفاة النبي ولم يستطع أن يعيش في المدينة بعدها ، فاستأذن من الخليفة أبي بكر في الخروج إلى الشام ليجاهد في سبيل الله، وذكر له حديث رسول الله (أفضل عمل المؤمنين جهاد في سبيل الله) وذهب بلال إلى الشام، وظل يجاهد بها حتى وفي - رضي الله عنه -.

عمرو بن العاص
نسبه
عمرو بن العاص بن وائل السهمي - رضي الله عنه - أحد فرسان قريش وأبطالها، أذكى رجال العرب، وأشدهم دهاءً وحيلة 0

اسلامه

أسلم قبل فتح مكة، وكان سبب إسلامه أنه كان كثير التردد على الحبشة ، وكان صديقًا لملكها النجاشي، فقال له النجاشي ذات مرة : يا عمرو ، كيف يعزب عنك أمر ابن عمك؟ فوالله إنه لرسول الله حقًا. قال عمرو: أنت تقول ذلك ؟ قال: أي والله ، فأطعني . فخرج عمرو من الحبشة قاصدًا المدينة ، وكان ذلك في شهر صفر سنة ثمان من الهجرة ، فقابله في الطريق خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة، وكانا في طريقهما إلى النبي ( فساروا جميعًا إلى المدينة ، وأسلموا بين يدي رسول الله (، وبايعوه أرسل إليه الرسول ( يومًا فقال له: (خذ عليك ثيابك، وسلاحك، ثم ائتني )، فجاءه، فقال له رسول الله (أني أريد أن أبعثك على جيش ، فيسلمك الله ويغنمك، وأرغب لك رغبة صالحة من المال فقال: يا رسول الله ، ما أسلمتُ من أجل المال ، ولكنى أسلمتُ رغبة في الإسلام ، ولأن أكون مع رسول الله فقال
( نعم المال الصالح للرجل الصالح 0

جهاده

وكان عمرو بن العاص مجاهدًا شجاعًا يحب الله ورسوله ، ويعمل على رفع لواء الإسلام ونشره في مشارق الأرض ومغاربها ، وكان رسول الله ( يعرف لعمرو شجاعته وقدرته الحربية ، فكان يوليه قيادة بعض الجيوش والسرايا ، وكان يحبه ويقربه ، ويقول عنه: (عمرو بن العاص من صالحي قريش، نعم أهل البيت أبو عبد الله، وأم عبد الله، وعبد الله ). وقال ( ابنا العاص مؤمنان، عمرو وهشام )
وقد وجه رسول الله ( سرية إلى ذات السلاسل في جمادى الآخرة سنة ثمان من الهجرة ، وجعل أميرها عمرو بن العاص رضي الله عنه، وقد جعل النبي ( عمرو بن العاص واليًا على عُمان ، فظل أميرًا عليها حتى توفي النبي وقد شارك عمرو بن العاص في حروب الردة وأبلى فيها بلاءً حسنًا.

ولاية فلسطين
وفي عهد الفاروق عمر - رضي الله عنه - تولى عمرو بن العاص إمارة فلسطين ، وكان عمر يحبه ويعرف له قدره وذكاءه ، فكان يقول عنه : ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أميرًا وكان عمر إذا رأى رجلاً قليل العقل أو بطيء الفهم يقول: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد.

فتح مصر
وكان عمرو يتمنى أن يفتح الله على يديه مصر، فظل يحدث عمر بن الخطاب عنها ، حتى أقنعه، فأمَّره الفاروق قائدًا على جيش المسلمين لفتح مصر وتحريرها من أيدي الروم ، فسار عمرو بالجيش واستطاع بعد كفاح طويل أن يفتحها ، ويحرر أهلها من ظلم الرومان وطغيانهم ، ويدعوهم إلى دين الله عز وجل ، فيدخل المصريون في دين الله أفواجًا.

ولاية مصر
وأصبح عمرو بن العاص واليًا على مصر بعد فتحها، فأنشأ مدينة الفسطاط ، وبنى المسجد الجامع الذي يعرف حتى الآن باسم جامع عمرو ، وكان شعب مصر يحبه حبًا شديدًا ، وينعم في ظله بالعدل والحرية ورغد العيش ، وكان عمرو يحب المصريين ويعرف لهم قدرهم ، وظل عمرو بن العاص واليًا على مصر حتى عزله عنها عثمان ابن عفان- رضي الله عنه -، ثم توفي عثمان، وجاءت الفتنة الكبرى بين علي ومعاوية - رضي الله عنهما -، فوقف عمرو بن العاص بجانب معاوية، حتى صارت الخلافة إليه.فعاد عمرو إلى مصر مرة ثانية0

وفاته

وظل أميرًا على مصر حتى حضرته الوفاة، ومرض مرض الموت، فدخل عليه ابنه عبد الله -رضي الله عنه-، فوجده يبكي، فقال له: يا أبتاه! أما بشرك رسول الله بكذا ؟ أما بشرك رسول الله بكذا؟ فأقبل بوجهه فقال: أني كنت على أطباق ثلاث (أحوال ثلاث) ، لقد رأيتني وما أحد أشد بغضًا لرسول الله مني، ولا أحب إلى أن أكون قد استمكنت منه فقتلته ، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار ، فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك ، فبسط يمينه ، قال فقبضت يدي ، فقال: (مالك يا عمرو؟) قال: قلت: أردت أن أشترط: قال: ( تشترط بماذا؟ ) قلت: أن يغفر لي، قال: ( أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها ؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟) وما كان أحد أحب إلى من رسول الله ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له ، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأنني لم أكن أملأ عيني منه إجلالاً له ، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة ، ثم ولينا أشياء ما أدرى ما حالي فيها ، فإذا أنا مت، فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنوا على التراب شنًّا ، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ( الوقت الذي تذبح فيه ناقة )، ويقسم لحمها؛ حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي ) .
وتوفي عمرو -رضي الله عنه- سنة (43 هـ)، وقد تجاوز عمره (90) عامًا، وقد روى عمرو عن النبي ( (39) حديثًا

أسيد بن حضير


نسبه

أسيد بن حضير بن عبد الأشهل الأنصاري - رضي الله عنه-، فارس قومه ورئيسهم، فأبوه حضير الكتائب زعيم الأوس، وواحد من كبار أشراف العرب في الجاهلية.

بيعة العقبة الاولى

وكان أسيد أحد النقباء الذين اختارهم الرسول ( ليلة العقبة الثانية، فقد أسلم أسيد بعد بيعة العقبة الأولى ، عندما بعث النبي ( مصعب بن عمير إلى المدينة، فجلس هو وأسعد بن زرارة في بستان، وحولهما أناس يستمعون إليهما، وبينما هم كذلك ، كان أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ زعيما قومهما يتشاوران في أمر مصعب بن عمير الذي جاء يدعو إلى دين جديد.

اسلامه

فقال سعد لأسيد: انطلق إلى هذا الرجل، فازجره، فحمل أسيد حربته وذهب إليهما غضبان، وقال لهما: ما جاء بكما إلى حيِّنا (مدينتنا )، تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلانا، إذا كنتما تريدان الحياة. فقال له مصعب: أَوَ تَجْلِس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره؟ فقال أسيد: لقد أنصفت، هاتِ ما عندك. فأخذ مصعب يكلمه عن الإسلام ورحمته وعدله، وراح يقرأ عليه آيات من القرآن، فأشرق وجه أسيد بالنور، وظهرت عليه بشاشة الإسلام حتى قال من حضروا هذا المجلس: والله لقد عرفنا في وجه أسيد الإسلام قبل أن يتكلم، عرفناه في إشراقه وتسهله.
ولم يكد مصعب ينتهي من حديثه حتى صاح أسيد قائلاً: ما أحسن هذا الكلام وأجمله، كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين؟ فقال له مصعب: تطهّر بدنك وثوبك، وتشهد شهادة الحق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم تصلي.
فقام أسيد مسرعًا فاغتسل وتطهر ثم صلى ركعتين معلنًا إسلامه. وعاد أسيد إلى سعد بن معاذ، وما كاد يقترب من مجلسه ، حتى قال سعد لمن حوله: أقسم، لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به ، ثم قال له سعد: ماذا فعلت؟ فقال أسيد: كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما، فقالا لي: نفعل ما أحببت، ثم قال أسيد لسعد بن معاذ: لقد سمعت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وهم يعلمون أنه ابن خالتك، فقام سعد غضبان وفي يده حربته، ولما وصل إلى مصعب وأسعد وجدهما جالسين مطمئنين، عندها أدرك أن هذه حيلة من أسيد لكي يحمله على السعي إلى مصعب لسماعه، واستمع سعد لكلام مصعب واقتنع به وأعلن إسلامه، ثم أخذ حربته، وذهب مع أسيد بن حضير إلى قومهما يدعوانهم للإسلام، فأسلموا جميعًا.

استقباله للرسول

وقد استقبل أسيد النبي لما هاجر إلى المدينة خير استقبال، وظل أسيد يدافع عن الإسلام والمسلمين ، فحينما قال عبد الله بن أبي بن سلول لمن حوله من المنافقين أثناء غزوة بني المصطلق: لقد أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير دياركم، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فقال أسيد: فأنت والله يا رسول الله تخرجه منها إن شاء الله، هو والله الذليل، وأنت العزيز يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز (حبات يطرز بها التاج) ليتوجوه على المدينة ملكًا، فهو يرى أن الإسلام قد سلبه ملكًا.
اسيد والقرآن

وذات ليلة أخذ يقرأ القرآن، وفرسه مربوطة بجواره، فهاجت الفرس حتى كادت تقطع الحبل، وعلا صهيلها، فسكت عن القراءة فهدأت الفرس ولم تتحرك، فقرأ مرة ثانية فحدث للفرس ما حدث لها في المرة الأولى، وتكرر هذا المشهد عدة مرات، فسكت خوفًا منها على ابنه الصغير الذي كان ينام في مكان قريب منها، ثم نظر إلى السماء فإذا به يرى غمامة مثل الظلة في وسطها مصابيح مضيئة، وهى ترتفع إلى السماء.
فلما أصبح ذهب إلى الرسول وحدثه بما رأى، فقال له النبي تلك الملائكة دنت ( اقتربت) لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم

جهاده

وعاش أسيد - رضي الله عنه- عابدًا قانتًا، باذلا روحه وماله في سبيل الله، وندم أسيد على تخلفه عن غزوة بدر، وقال: ظننت أنها العير، ولو ظننت أنه غزو ما تخلفت. وقد جرح أسيد يوم أحد سبع جراحات، ولم يتخلف عن غزوة بعدها قط.

اسيد يوم السقيفه

وبعد وفاة النبي اجتمع فريق من الأنصار في سقيفة بني ساعدة على رأسهم سعد بن عبادة ، وأعلنوا أحقيتهم بالخلافة ، وطال الحوار، واشتد النقاش بينهم، فوقف أسيد بن حضير مخاطبًا الأنصار قائلاً: تعلمون أن رسول الله ( كان من المهاجرين ، فخليفته إذن ينبغي أن يكون من المهاجرين ، ولقد كنا أنصار رسول الله، وعلينا اليوم أن نكون أنصار خليفته.
وكان أبو بكر - رضي الله عنه- لا يقدم عليه أحدًا من الأنصار، تقول السيدة عائشة: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد منهم يلحق في الفضل، كلهم من بني
عبد الأشهل: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر.

وفاته

وتوفي أسيد - رضي الله عنه- في عام (20 هـ)، وأصرَّ أمير المؤمنين
عمر بن الخطاب أن يحمل نعشه على كتفه، ودفنه الصحابة بالبقيع بعد أن صلوا عليه ، ونظر عمر في وصيته، فوجد أن عليه أربعة آلاف دينار، فباع ثمار نخله (البلح أو التمر) أربع سنين بأربعة آلاف، وقضى دينه 0

أبو الدرداء الأنصاري


نسبه

أبو الدرداء عويمر بن قيس بن عامر الخزرجي الأنصاري - رضي الله عنه -

اسلامه

أسلم في غزوة بدر، وقيل إنه آخر مَنْ أسلم من الأنصار ، ومما يروى في قصة إسلامه ، أنه كان عنده صنم في داره، وذات يوم دخل عليه عبد الله بن رواحة ومحمد بن مسلمة، فشاهدا الصنم فكسراه إلى قطع صغيرة ، فبدأ أبو الدرداء يجمع القطع المتناثرة من أحجار الصنم ، وهو يقول للصنم: ويحك! هلا امتنعت ألا دافعت عن نفسك؟ فقالت زوجته أم الدرداء: لو كان ينفع أو يدفع عن أحد لدفع عن نفسه ونفعها0
فقال أبو الدرداء أعدي لي ماءً في المغتسل ، ثم قام فاغتسل ، ولبس حلته، ثم ذهب إلى النبي فنظر إليه ابن رواحة مُقبلا ، فقال: يا رسول الله ، هذا أبو الدرداء ، وما أراه إلا جاء في طلبنا فأخبره رسول الله أن أبا الدرداء إنما جاء ليسلم ، وأن الله وعد رسوله بأن يسلم أبو الدرداء ، وبالفعل أعلن أبو الدرداء إسلامه، فكان من خيرة الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم0

جهاده

وشهد أبو الدرداء مع رسول الله غزوة أحد وغيرها من المشاهد، وعرف - رضي الله عنه- بالعفو والسماحة ويحكى أن رجلا قال له ذات مرة قولاً جارحًا، فأعرض عنه أبو الدرداء ولم يرد عليه، فعلم بذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- فغضب وذهب إلى أبي الدرداء وسأله عما حدث فقال: اللهم غفرانًا، أوكل ما سمعنا منهم نأخذهم به (أي نعاقبهم ونحاسبهم عليه )؟

تجارته

وكان أبو الدرداء تاجرًا مشهورًا، فلما أسلم تفرغ للعلم والعبادة، وقال: أردت أن أجمع بين التجارة والعبادة، فلم يستقم، فتركت التجارة وأقبلت على العبادة ووصف بالشجاعة ، حتى قيل عنه : نعم الفارس عويمر. وكان ينطق بالحكمة، فقيل عنه : حكيم الأمة عويمر.
وكان لأبي الدرداء ثلاثمائة وستون صديقًا، فكان يدعو لهم في الصلاة، ولما سئل عن ذلك قال: إنه ليس رجل يدعو لأخيه في الغيب إلا وكل الله به مَلَكيْن يقولان، ولك بمثل ، أفلا أرغب أن تدعو لي الملائكة؟

علمه وزهده

وحفظ أبو الدرداء القرآن في حياة الرسول وكان ابن عمر يقول لأصحابه: حدثونا عن العاقلين : معاذ بن جبل وأبي الدرداء.
وكان من العابدين الزاهدين ، وقد زاره أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في بيته فلم ير فيه غير فراش من جلد ، وكساء رقيق لا يحميه من البرد، فقال له : رحمك الله، ألم أوسع عليك ؟ فقال له أبو الدرداء: أتذكر حديثًا حدثناه رسول الله (؟ قال عمر: أي حديث؟ قال: ( ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب) قال: نعم ، قال أبو الدرداء: فماذا فعلنا بعده يا عمر؟
وحرص أبو الدرداء - رضي الله عنه- على العلم، وكان حرصه على العمل بما يعلم أقوى وأشد، وكان ملازمًا للنبي ( حتى قال عنه الصحابة: أتْبَعُنَا للعلم والعمل أبو الدرداء.
وكان يقول: لن تكون عالمًا حتى تكون متعلمًا، ولن تكون متعلمًا حتى تكون بما علمت عاملاً، إن أخوف ما أخاف إذا وقفت للحساب أن يقال لي : ما عملت فيما علمت؟ وقال: ويل للذي لا يعلم مرة ، وويل للذي يعلم ولا يعمل سبع مرات.
وكان - رضي الله عنه- يعلِّم الناس القرآن الكريم وسنة رسول الله ويحثهم على طلب العلم ، ويأخذ بأيديهم إلى الصواب ، فيقول لهم: ما لي أرى علماءكم يذهبون ، وجهَّالكم لا يتعلمون؟! تعلموا فإن العالم والمتعلم شريكان في الأجر.

وذات يوم مرَّ أبو الدرداء على أناس يضربون رجلاً ويسبونه، فقال لهم: ماذا فعل؟ فقالوا: أذنب ذنبًا، فقال: أرأيتم لو وجدتموه في بئر أكنتم تستخرجونه منها ؟ قالوا: نعم نستخرجه، قال: فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم، فقالوا له: ألا تبغضه وتكرهه؟ قال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه فهو أخي.
ويروى أنه كان مع المسلمين في قبرص، ففتحها الله على المسلمين، وغنموا خيرًا كثيرًا، وكان أبو الدرداء واقفًا مع جبير بن نفير، فمرَّ عليه السبي والأسرى، فبكى أبو الدرداء، فقال له جبير: تبكي في مثل هذا اليوم الذي أعزَّ الله فيه الإسلام وأهله؟! فقال أبو الدرداء: يا جبير، بينما هذه الأمة قاهرة ظاهرة إذ عصوا الله فلقوا ما ترى! ما أهون العباد على الله إذ هم عصوا0

ويحكى أن يزيد بن معاوية تقدم ليخطب ابنة أبي الدرداء فردَّه، فأعاد يزيد طلبه ، فرفض أبو الدرداء مرة ثانية، ثم تقدم لخطبتها رجل فقير عرف بالتقوى والصلاح، فزوجها أبو الدرداء منه، فتعجب الناس من صنيعه، فكان رده عليهم: ما ظنَّكم بابنة أبي الدرداء إذا قام على رأسها الخدم والعبيد وبهرها زخرف القصور، أين دينها يومئذ؟! وكان يقول: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يعظم حلمك ويكثر علمك، وأن تبارى (تنافس) الناس في عبادة الله تعالى.

وفاته

وعاش أبو الدرداء حياة بسيطة يملؤها الزهد والتواضع حتى جاءته ساعة الموت، فقال عند احتضاره: من يعمل لمثل يومي هذا؟ من يعمل لمثل مضجعي هذا؟ وكان يقول: من أكثر ذكر الموت قل فرحه، وقل حسده. وقد توفي سنة
(32هـ) في خلافة عثمان بن عفان.

صهيب الرومي


نسبه

صهيب بن سنان الرومى ، وقد كان صهيب في بداية حياته غلامًا صغيرًا يعيش في العراق في قصر أبيه الذي ولاه كسرى ملك الفرس حاكمًا على الأُبُلَّة ( إحدى بلاد العراق )، وكان من نسل أولاد النمر بن قاسط من العرب، وقد هاجروا إلى العراق منذ زمنٍ بعيد ، وعاش سعيدًا ينعم بثراء أبيه وغناه عدة سنوات.
وذات يوم ، أغار الروم على الأبلة بلد أبيه ، فأسروا أهلها ، وأخذوه عبدًا، وعاش العبد العربي وسط الروم، فتعلم لغتهم ، ونشأ على طباعهم ، ثم باعه سيده لرجل من مكة يدعى عبد الله بن جدعان ، فتعلم من سيده الجديد فنون التجارة ، حتى أصبح ماهرًا فيها، ولما رأى عبد الله بن جدعان منه الشجاعة والذكاء والإخلاص في العمل ، أنعم عليه فأعتقه.

اسلامه

وعندما أشرقت في مكة شمس الإسلام ، كان صهيب ممن أسرع لتلبية نداء الحق ، فذهب إلى دار الأرقم ، وأعلن إسلامه أمام رسول الله 0

تعذيبه

ولم ينجو صهيب من تعذيب مشركي مكة ، فتحمل ذلك في صبر وجلد ، ابتغاء مرضاة الله وحبًّا لرسوله

هجرته

وهاجر النبي بعد أصحابه إلى المدينة ، ولم يكن صهيب قد هاجر بعد ، فخرج ليلحق بهم فتعرض له أهل مكة يمنعونه من الهجرة ،لأنهم رأوا أن ثراء صهيب ليس من حقه ، لأنه جاء إلى بلادهم حينما كان عبدًا فقيرًا، فلا يحق له أنه يخرج من بلادهم بماله وثرائه ، وصغر المال في عين صهيب، وهان عليه كل ما يملك في سبيل الحفاظ على دينه، فساومهم على أن يتركوه ، ويأخذوا ماله، ثم أخبرهم بمكان المال، وقد صدقهم في ذلك ، فهو لا يعرف الكذب أو الخيانة.
وكان صهيب تاجرًا ذكيًّا، فتاجر بماله ونفسه في سبيل مرضاة ربه، فربح بيعه، وعظم أجره، واستحق أن يكون أول ثمار الروم في الإسلام، واستحقَّ ما روي عن رسول الله أنه قال: (صهيب سابق الروم)

جهاده

وشارك صُهيب في جميع غزوات الرسول (، فها هو ذا يقول: لم يشهد رسول الله مشهدًا قط إلا كنت حاضره ، ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضرها، ولم يسر سرية قط إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزوة قط إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خافوا أمامهم قط إلا كنت أمامهم ، ولا ما وراءهم إلا كنت وراءهم ، وما جعلت رسول الله ( بيني وبين العدو قط حتى تُوُفِّي.
وواصل جهاده مع الصديق ثم مع الفاروق عمر - رضي الله عنهما-، وكان بطلا شجاعًا، وكان كريمًا جوادًا، يطعم الطعام، وينفق المال، قال له عمر -رضي الله عنه- يومًا: لولا ثلاث خصال فيك يا صهيب ، ما قدمت عليك أحدًا ، أراك تنتسب عربيًّا ولسانك أعجمي، وتُكنى بأبي يحيي، وتبذر مالك. فأجابه صهيب: أما تبذيري مالي فما أنفقه إلا في حقه، وأما اكتنائي بأبي يحيى، فإن رسول الله ( كناني بأبي يحيى فلن أتركها، وأما انتمائي إلى العرب، فإن الروم سبتني صغيرًا، فأخذت لسانهم (لغتهم)، وأنا رجل من النمر بن قاسط.
وكان عمر - رضي الله عنه- يعرف لصهيب فضله ومكانته، فعندما طُعن -رضي الله عنه- أوصى بأن يصلي صهيب بالناس إلى أن يتفق أهل الشورى على أحد الستة الذين اختارهم قبل موته للخلافة ، ليختاروا منهم واحدًا، وكان صهيب طيب الخلق 0

ظرفه

كان صهيب ذا مداعبة وظُرف، فقد رُوي أنه أتى المسجد يومًا وكانت إحدى عينيه مريضة ، فوجد الرسول ( وأصحابه جالسين في المسجد، وأمامهم رطب، فجلس يأكل معهم، فقال له النبي مداعبًا: تأكل التمر وبك رمد؟ فقال صهيب: يا رسول الله ، أني أمضغ من ناحية أخرى أي: آكل على ناحية عيني الصحيحة. فتبسم رسول الله .

وفاته

وظل صهيب يجاهد في سبيل الله حتى كانت الفتنة الكبرى، فاعتزل الناس، واجتنب الفتنة، وأقبل على العبادة حتى مات - رضي الله عنه- بالمدينة سنة (38هـ)، وعمره آنذاك (73) سنة، ودفن بالبقيع. وقد روى صهيب - رضي الله عنه- عن النبي ( أحاديث كثيرة، وروى عنه بعض الصحابة والتابعين - رضوان الله عليهم أجمعين-.

الأرقم بن أبي الأرقم

نسبه

إنه الصحابي الجليل الأرقم بن أبي الأرقم القرشي المخزومي - رضي الله عنه - وكنيته أبو عبد الله ، أحد السابقين إلى الإسلام ، قيل إنه سابع من أسلم، وقيل بل عاشر من أسلم 0

صاحب دار الاسلام
في الدار التي كان يمتلكها الأرقم على جبل الصفا، كان النبي ( يجتمع بأصحابه بعيدًا عن أعين المشركين ، ليعلمهم القرآن وشرائع الإسلام، وفي هذه الدار أسلم كبار الصحابة وأوائل المسلمين 0

الهجرة الى المدينة

وهاجر الأرقم إلى المدينة، وفيها آخى رسول الله(بينه وبين زيد بن سهل - رضي الله عنهما-

جهاده

وشهد الأرقم بن أبي الأرقم بدرًا وأحدًا والغزوات كلها، ولم يتخلف عن الجهاد، وأعطاه رسول الله ( دارًا بالمدينة. وروى أن الأرقم - رضي الله عنه - تجهز يومًا، وأراد الخروج إلى بيت المقدس، فلما فرغ من التجهيز والإعداد، جاء إلى النبي يودعه، فقال له النبي ( ما يخرجك يا أبا عبد الله، أحاجة أم تجارة ؟) فقال له الأرقم : يا رسول الله! بأبي أنت وأمى ، أني أريد الصلاة في بيت المقدس ، فقال له الرسول ( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ) فجلس الأرقم، وعاد إلى داره مطيعًا للنبي ومنفذًا لأوامره.وظل الأرقم يجاهد في سبيل الله، لا يبخل بماله ولا نفسه ولا وقته في سبيل نصرة الإسلام والمسلمين حتى جاءه 0
وفاته

ولما أحس - رضي الله عنه - بقرب أجله في عهد معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - أوصى بأن يصلي عليه
سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - ثم مات الأرقم وكان سعد غائبًا عن المدينة آنذاك، فأراد مروان بن الحكم أمير المدينة أن يصلي عليه فرفض عبيد الله بن الأرقم ، فقال مروان: أيحبس صاحب رسول الله لرجل غائب؟ ورفض ابنه عبيد الله بن الأرقم أن يصلي عليه أحد غير سعد بن أبي وقاص ، وتبعه بنو مخزوم على ذلك، حتى جاء سعد، وصلى عليه، ودفن بالعقيق سنة (55هـ).

خباب بن الأرت

نسبه

خباب بن الأرت - رضي الله عنه- ، وكان خباب قد ولد في قبيلة تميم0

اسلامه

أُسر خباب في مكة ، فاشترته أم أنمار بنت سباع ، وكان صانِعًا للسيوف ، يبيعها ويأكل من عمل يده، فلما سمع عن الإسلام أسرع إلى النبي ( ليسمع منه عن هذا الدين الجديد، فشرح الله صدره، ثم أعلن إسلامه ليصبح من أوائل المسلمين.

تعذيبه

وتعرض خباب لشتى ألوان العذاب ، لكنه تحمل وصبر في سبيل الله، فقد كانوا يضعون الحديد المحمي على جسده فما يطفئ النار إلا الدهن الموجود في ظهره، وقد سأله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يومًا عما لقى من المشركين، فقال خباب: يا أمير المؤمنين، انظر إلى ظهري، فنظر عمر، فقال: ما رأيت كاليوم، قال خباب: لقد أوقدت لي نار، وسحبت عليها فما أطفأها إلا ودك ظهري (أي دهن الظهر).
وذات يوم كثر التعذيب على خباب وإخوانه المسلمين المستضعفين، فذهب مع بعض أصحابه إلى رسول الله وكان متكئًا في ظل الكعبة، وقالوا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا ؟ فقال لهم رسول الله ( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) فزاد كلام النبي ( خبابًا وأصحابه إيمانًا بنصر الله، وإصرارًا على دعوتهم، فصبروا واحتسبوا ما يحدث لهم عند الله -عز وجل-.
وكانت أم أنمار تأخذ الحديد الملتهب ثم تضعه فوق رأس خباب الذي كان يتلوى من شدة الألم ، ولكن الله أخذ بحق خباب من هذه المرأة المشركة حيث أصيبت بسعار جعلها تعوي مثل الكلاب، ولا علاج لها إلا أن تكوى رأسها بالنار، فكان الجزاء من جنس العمل.

قصة الاية التي نزلت بسبب خباب

وأحب خباب إسلامه حبًّا شديدًا، جعله يضحي من أجله بأغلى ما يملك من نفس ومال، فقد ذهب إلى العاص بن وائل أحد المشركين الكافرين ليطلب منه ثمن السيوف التي صنعها له قبل ذلك، فيقول له العاص: لا أعطيك شيئًا حتى تكفر بدين محمد، فرد عليه خباب: لا ، والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، فقال له العاص مستهزءًا وساخرًا: فأني إذا مت ثم بعثت، جئتني يوم القيامة، ولي هناك مال وولد فأعطيك؟فأخبر خباب النبي بذلك ، فأنزل الله قرآنا كريمًا يذم فيه هذا المشرك، قال تعالى: { أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لآوتين مالاً }

معلم القرآن

وأحب خباب العلم ، وحرص على سماع القرآن ونشره بين إخوانه المسلمين ، ففي أيام الدعوة الأولى كان خباب يدرس القرآن مع سعيد بن زيد وزوجته فاطمة بنت الخطاب ، عندما دخل عليهم عمر بن الخطاب.

هجرته

وجاءت الهجرة ، فأسرع خباب ملبيًّا أمر النبي فهاجر إلى المدينة، وهناك آخى الرسول بينه وبين تميم مولى خراس بن الصمة - رضي الله عنهما -
جاهده

وشارك خباب في جميع غزوات الرسول ، وأظهر فيها شجاعة وفروسية ، وظلَّ محبًّا للجهاد في سبيل الله، وشارك خباب في الفتوحات أيام أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-.

زهده

ثم نزل خباب في الكوفة وبنى لنفسه بيتا متواضعًا عاش فيه حياة زاهدة، وبالرغم من هذه الحياة البسيطة، كان يعتقد أنه أخذ من الدنيا الكثير، فكان يبكى على بسط الدنيا له ، وكان يضع ماله كله في مكان معروف في داره لكي يأخذ منه كل محتاج من أصحابه الذين يدخلون عليه 0

وفاته

وفي مرضه الذي مات فيه دخل عليه بعض الصحابة ، فقالوا له: أبشر يا أبا عبد الله، ترد على محمد ( الحوض، فأشار خباب إلى أعلى بيته وأسفله قائلاً: كيف بهذا ؟ وقد قال رسول الله ( أنه يكفي أحدكم مثل زاد الراكب )
ولقد رأيتني مع رسول الله ( ما أملك درهمًا ، وإن في جانب بيتي (الآن ) لأربعين ألف درهم.
وطلب خباب كفنه، فلما رآه بكى ، وقال: لكن حمزة - رضي الله عنه - لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء إذا جعلت على رأسه قلصت (انضمت) عن قدميه، وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه، حتى مدت على رأسه، وجعل على قدميه الإذخر.
ودخل عليه بعض أصحابه فقال لهم : إن في هذا التابوت (الصندوق) ثمانين ألف درهم، والله ما شددت لها من خيط ولا منعتها من سائل، ثم بكى، فقالوا: ما يبكيك؟ قال: أبكى أن أصحابي مضوا ولم تنقصهم الدنيا شيئًا، وإنا بقينا بعدهم حتى لم نجد لها موضعًا إلا التراب. وفي عام (37 هـ) صعدت روح خباب إلى بارئها ودفن بالكوفة، ولما عاد علي بن أبي طالب - رضي الله عن ه- من معركة صفين، مر بقبر خباب ، فقال: رحم الله خبابًا، أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مجاهدًا، وابتلى في جسمه أحوالاً.

سعد بن معاذ



سيد الأوس ، أسلم بعد بيعة العقبة الأولى ، وحضر بيعة العقبة الثانية.
اسلامه

ولإسلام سعد قصة طريفة ، فقد بعث النبي ( مصعب بن عمير - رضي الله عنه - ليدعو أهل المدينة إلى الإسلام، ويُعلِّم من أسلم منهم القرآن وأحكام الدين، وجلس مصعب ومعه الصحابي أسعد بن زرارة في حديقة بالمدينة، وحضر معهما رجال ممن أسلموا، فلما سمع بذلك سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وكانا سيديّ قومهما، ولم يكونا أسلما بعد، قال سعد لأسيد بن حضير : انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا ديارنا ليسفها ضعفاءنا ، فازجرهما ، وانههما عن أن يأتيا ديارنا، فأخذ أسيد حربته ثم أقبل عليهما ، فلما رآه أسعد بن زراة قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك ، فاصدق الله فيه.
ووقف أسيد يسبهما، فقال له مصعب : أو تجلس فتسمع ، فإن رضيت أمرًا قبلته ، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره ، فجلس أسيد ، واستمع إلى مصعب ، واقتنع بإسلامه ، فأسلم ، ثم قال لهما : إن ورائي رجلاً إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه ، وسأرسله إليكما الآن سعد بن معاذ ، ثم أخذ أسيد حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس ، فقال له: إن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه ، وكان أسعد ابن خالة سعد ، فقام سعد غاضبًا فأسرع وأخذ الحربة في يده. فلما رآهما جالسين مطمئنين ، عرف أن أسيدًا إنما قال له ذلك ليأتي به إلى هذا المكان ، فأخذ يشتمهما ، فقال أسعد لمصعب : أي مصعب، جاءك والله سيدٌ من ورائه قومه إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم أحد.
فقال مصعب لسعد : أو تقعد فتسمع ؟ فإن رضيت أمرًا ، ورغبت فيه قبلته ، وإن كرهته، عزلنا عنك ما تكره. قال سعد: أنصفت، ثم وضع الحربة، وجلس. فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن كما فعل مع أسيد، فلمح مصعب وأسعد الإسلام في وجه سعد بن معاذ قبل أن يتكلم؛ فقد أشرق وجهه وتهلل، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قال: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلى ركعتين.
ففعل سعد ذلك ، ثم أخذ حربته ورجع إلى قومه ، فلما رآه قومه قالوا : نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به، فقال لهم سعد: يا بني عبد الأشهل ، كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيًّا. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام، حتى تؤمنوا بالله وبرسوله ، فما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا ودخل في الإسلام. وبعد انتشار الإسلام في ربوع المدينة ، أذن الله سبحانه لنبيه بالهجرة إلى المدينة، فكان سعد خير معين لإخوانه المهاجرين إلى المدينة.

جهاده

وجاءت السنة الثانية من الهجرة، والتي شهدت أحداث غزوة بدر، وطلب النبي المشورة قبل الحرب ، فقام أبو بكر وتحدث ثم قام ، فتحدث عمر ، ثم قام المقداد بن عمرو ، وقالوا وأحسنوا الكلام ، ولكنهم من المهاجرين ، فقال الرسول ( أشيروا علي أيها الناس ) ، فقال سعد بن معاذ زعيم الأنصار : والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال أجل) ، فقال سعد : لقد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا ، إنا لصُبُر في الحرب، صُدُق في اللقاء ، لعل الله يريك منا ما تقرَّ به عينك، فسر بنا على بركة الله ، فسُرَّ رسول الله ( عندما سمع كلام سعد، ثم قال: (سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم) وقبل أن تبدأ المعركة قال سعد بن معاذ: يا نبي الله، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك ، ثم نلقى عدونا ، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا؛ كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى، جلست على ركائبك، فلحقت بمن وراءنا، فأثنى عليه رسول الله ( خيرًا، ودعا له بخير، ثم بني لرسول الله ( عريشًا، فجلس فيه يدعو الله أن ينصر الإسلام وأبلى المسلمون في غزوة بدر بلاء حسنًا، وكان لهم النصر.

فضله

ويروى أن سعد بن معاذ كان يقول: ثلاث أنا فيهن رجل كما ينبغي، وما سوى ذلك فأنا رجل من الناس، ما سمعت من رسول الله حديثًا قط إلا علمت أنه حق من الله عز وجل ، ولا كنت في صلاة قط فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا كنت في جنازة قط، فحدثت نفسي بغير ما تقول ، ويقال لها، حتى أنصرف عنها وكان سعيد بن المسيب يقول: هذه الخصال ما كنت أحسبها إلا في نبي.
وتأتى غزوة أحد، ويظهر سعد فيها حماسة شديدة وشجاعة عظيمة، وظل يدافع عن النبي ( حتى عاد المشركون إلى مكة.
مشاهد من وفاته

وفي غزوة الخندق، تحالف المشركون وتجمعوا من كل مكان يحاصرون المدينة، واستغلَّ بنو غطفان الموقف، فبعثوا إلى رسول الله ( كتابًا يعرضون فيه أن يتركوا القتال في مقابل أن يحصلوا على ثلث ثمار المدينة، فاستشار الرسول ( صحابته في هذا.
فقال سعد: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك، وكانوا لا يطمعون أن يأكلوا منا ثمرة واحدة، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، نعطيهم أموالنا! والله ما لنا بهذه من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فرضي الرسول والصحابة بذلك.
وأصيب سعد بن معاذ في غزوة الخندق بسهم حين رماه ابن العرقة وقال: خذها وأنا ابن العرقة، فقال سعد: عرق الله وجهك في النار ثم دعا سعد ربه فقال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا، فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلى من أن أجاهدهم فيك من قوم آذوا نبيك، وكذبوه وأخرجوه. اللهم إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من قريظة.
وانتهت غزوة الخندق بهزيمة المشركين ، وبعد الغزوة ذهب الرسول هو وصحابته لحصار بني قريظة الذين تآمروا مع المشركين على المسلمين ، وخانوا عهد الرسول وغدروا بالمسلمين، وجعل الرسول ( سعد بن معاذ هو الذي يحكم فيهم، فأقبل سعد يحملونه وهو مصاب، وقال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم ثم التفت إلى النبي وقال: إني أحكم فيهم أن تقتل الرجال ، وتقسم الأموال ، وتسبى ذراريهم ونساؤهم ، فقال الرسول لقد حكمت فيهم بحكم الله ثم يموت سعد بن معاذ - رضي الله عنه -، ويلقى ربه شهيدًا من أثر السهم، وأخبر الرسول صحابته أن عرش الرحمن قد اهتز لموت سعد، وجاء جبريل إلى رسول الله وقال له: من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واستبشر به أهلها ؟
وأسرع النبي وأصحابه إلى بيت سعد ليغسلوه ويكفنوه، فلما فرغوا من تجهيزه والصلاة عليه ، حمله الصحابة فوجدوه خفيفًا جدًّا ، مع أنه كان ضخمًا طويلاً، ولما سئل الرسول ( عن ذلك قال: (إن الملائكة كانت تحمله) وقال (شهده سبعون ألفًا من الملائكة) وجلس الرسول على قبره، فقال: ( سبحان الله ) مرتين، فسبح القوم ثم قال: (الله أكبر) فكبروا، وقال النبي ( لو نجا أحد من ضغطة القبر ، لنجا منها سعد بن معاذ ) وكانت وفاته - رضي الله عنه - سنة (5هـ)، وهو ابن سبع وثلاثين سنة، ودفن بالبقيع.

عمرو بن الجموح

مكانته

أحد زعماء المدينة ، وسيد سادات بني سلمة ، وشريف من أشرافهم ، وآخر الأنصار إسلامًا ، كان زوجًا لهند بنت عمرو أخت عبد الله بن عمرو بن حرام ، وقد سبقه ابنه معاذ إلى الإسلام .

قصته مع الصنم واسلامه

وكان عمرو بن الجموح قد اتخذ لنفسه صنمًا من الخشب في داره سماه منافًا، فحزن معاذ، وأخذ ينصحه بالدخول في الإسلام، لكنه ظل مصرًّا على عبادة ذلك الصنم الذي لا ينفع ولا يضر. وذات يوم، فكر معاذ ومعه بعض الفتيان من بني سلمة في حيلة يُعَرِّفُ بها أباه أن ما يعبده إنما هو صنم لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًّا، بل لا يمكنه الدفاع عن نفسه ، فدخلوا ليلا ، وأخذوا الصنم من مكانه ، ووضعوه في حفرة منكسًا على رأسه ، فلما أصبح عمرو بن الجموح لم يجد منافًا ، فكاد أن يجن ، وغضب غضبًا شديدًا ، وخرج يبحث عنه فإذا به ملقى في حفرة على رأسه ، فثار وأخذ يصيح : ويلكم مَنْ عدا على آلهتنا هذه الليلة ؟ ثم رفعه من الحفرة ، وغسّله ، وطيَّبه ، ووضعه في مكانه بالدار ، وهو يقول: أما والله لو أعلم مَنْ فعل هذا بك لأخزينه ، ولما جاء الليل ، ونام عمرو، ذهب الفتيان إلى الصنم ، وفعلوا به مثلما فعلوا من قبل ، وتكرر ذلك عدة مرات، فلم يجد عمرو حيلة إلا أن يعلق سيفه في رقبة ذلك الصنم ويقول له: إني والله لا أعلم مَنْ يصنع بك ما ترى، فإن كان فيك خير فامتنع بهذا السيف (أي فادفع عن نفسك) ، فلما جاء الليل أخذ معاذ وأصحابه كلبًا ميتًا ، وربطوه في عنق الصنم ، ثم ألقوه في البئر بعد أن أخذوا السيف ، فلما أصبح عمرو لم يجد الصنم، فأخذ يبحث عنه فوجده في البئر مربوطًا فيه كلب ميت، فكرهه عمرو واحتقره وأخذ يقول:
والله لو كنت إلهًا لم تكن أنت وكلب وسط بئر في قرن ، ثم ذهب إلى الرسول ( معلنًا إسلامه.
كرمه

وكان - رضي الله عنه - جوادًا كريمًا ، يقيم الولائم ، ويطعم الطعام ، ويكرم الضيف، وكان يقيم الولائم في زواج الرسول وكان النبي يعرف فضل عمرو، ففي إحدى المرات سأل الرسول جماعة من بني سلمة قبيلة عمرو بن الجموح فقال مَنْ سيدكم يا بني سلمة؟ ) فقالوا: الجد بن قيس، على بخل فيه ( أي: رغم أنه بخيل فقال لهم رسول الله وأي داء أدوى من البخل؟ بل سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح فكانت هذه الشهادة من رسول الله تكريمًا لابن الجموح.
وفي هذا قال شاعر الأنصار:
فسود عمرو بن الجموح لجوده
وحق لعمرو بالندى أن يسودا
إذا جاءه السؤال أذهب مالـــه
وقـال خـذوه إنه عائد غدا

جهاده واستشهاده

وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج إلا أنه كان يحب الجهاد والغزو في سبيل الله، وكان يريد أن يجود بروحه وحياته في سبيل الله، كما كان يجود بماله، وكان له أربعة أولاد كلهم مسلمون، وكانوا رجالا صادقين في الإسلام يشهدون الغزوات مع رسول الله
وفي غزوة بدر أراد عمرو أن يخرج مجاهدًا مع المسلمين، لكن أبناءه ذهبوا إلى الرسول وطلبوا منه أن يمنع أباهم من الخروج، فأمره الرسول ( بالبقاء في المدينة.
ثم جاءت غزوة أحد، وأراد أن يخرج مع أبنائه فقالوا له: والله ما عليك حرج، إن الله قد عذرك (أي جعل لك عذرًا)، ونحن نجاهد عنك، فأخذ عمرو سيفه، وذهب إلى الرسول وقال له: يا رسول الله، إن بني (أبنائي) يريدون منعي من الخروج معك إلى الجهاد، والله إني لأرجو أن أطأ (أمشي) بعرجتي هذه الجنة.
فلما رأى الرسول إصراره على الخروج أذن له، وقال له: (أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك، وأما أنتم يا بنيه فما عليكم أن لا تمنعوه، لعل الله أن يرزقه الشهادة ).
فأخذ عمرو سيفه فرحًا، وانطلق ناحية القبلة ثم رفع يديه داعيًا : اللهم ارزقني الشهادة، ولا تردني إلى أهلي خائبًا.
والتقى الجيشان ، وانطلق عمرو بن الجموح، وأبناؤه الأربعة يضربون مع جيش الإسلام بسيوفهم جيش الشرك، وأخذوا يقاتلون في بسالة وإصرار، وأنعم الله على عمرو بن الجموح بالشهادة كما تمنى.
وأخذ المسلمون يدفنون شهداءهم، وعندما أتوا على عبد الله ابن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح أمرهم النبي أن يدفنا في قبر واحد، ثم قال الرسول والذي نفسي بيده إن منكم لمن لو أقسم على الله لأبره (يقصد: عمرو بن الجموح)
وكان - رضي الله عنه - يقول للنبي قبل معركة أحد: يا رسول الله، أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل، أأمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة؟ وكانت رجله عرجاء، فقال رسول الله ( نعم )، فلما قتل يوم أحد مرَّ عليه رسول الله (وقال: (ولقد رأيته يطأ في الجنة بعرجته)

المقداد بن عمرو

قصة اسلامه

وهو من المبكرين بالإسلام، حيث ذكر ضمن السبعة الأوائل الذين اعتنقوا الإسلام.
وكان المقداد قد جاء إلى مكة ، فأخذه الأسود بن عبد يغوث وتبناه، فصار يدعى المقداد بن الأسود، فلما نزلت آية تحريم التبني نُسب لأبيه عمرو بن سعد.

زواجه

وتزوج المقداد ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ابنة عم النبي مع أنه مولى وهى قرشية هاشمية شريفة؛ وذلك لأن الإسلام لا يفرق بين عبد أو سيد ولا بين شريف ووضيع، فالكل في نظر الإسلام سواء، لا فرق بين عربي ولا أعجمي ولا أسود ولا أبيض إلا بالتقوى والعمل الصالح.

الهجرة الى الحبشة وجهاده

وهاجر المقداد إلى الحبشة ثم إلى المدينة ، وحضر بدرًا، وشهد المعارك كلها ، وكان أول من قاتل على فرس في سبيل الله ، وقيل إنه الوحيد الذي قاتل على فرس يوم بدر ، أما بقية المجاهدين فكانوا مشاة أو راكبين إبلاً.
وعُرف المقداد بالشجاعة والفروسية والحكمة، وكانت أمنيته أن يموت شهيدًا في سبيل الله، ويبقى الإسلام عزيزًا قويًّا، فقال - رضي الله عنه -: لأموتن والإسلام عزيز.
وروى أنه لما وقف النبي يشاور أصحابه قبيل غزوة بدر الكبرى تقدم هذا الصحابي الجليل بعد أن استمع إلى كلام أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما -، وقال مخاطبًا الرسول يا رسول الله ، امض لما أراك الله ، فنحن معك، والله، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى - عليه السلام -: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، بل نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد (موضع في اليمن) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه ، فقال له رسول الله ( خيرًا، ودعا له.انطلقت هذه الكلمات الطيبة من فم هذا الصحابي ، فتهلل وجه النبي ودعا له دعوة صالحة ، وتمنى كل صحابي لو أنه كان صاحب هذا الموقف العظيم ، يقول عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- لما سمع هذا الكلام: لقد شهدت من المقداد مشهدًا ، لأن أكون صاحبه، أحب إلي مما في الأرض جميعًا.
وكان النبي يحب المقداد حبًّا كبيرًا ، ويقرِّبه منه ، وجعله ضمن العشرة الذين كانوا معه في بيت واحد ، عندما قسَّم المسلمين بعد الهجرة إلى المدينة إلى عشرات ، وجعل كل عشرة في بيت.
وقال ( إن الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم ) فقيل: يا رسول الله، سمهم لنا ؟ قال: (عليٌّ منهم ، يقول ذلك ثلاثًا ، وأبوذرِّ ، والمقداد ، وسلمان ، أمرني بحبهم ، وأخبرني أنه يحبهم).
حكمته

وكان المقداد حكيمًا عاقلا ، وكانت مواقفه تعبِّر عن حكمته فها هو ذا يقول للنبي عندما سأله: ( كيف وجدت الإمارة ؟) وكان النبي ( قد ولاه إحدى الإمارات، فقال المقداد: لقد جعلتني أنظر إلى نفسي كما لو كنت فوق الناس، وهم جميعًا دوني، والذي بعثك بالحق، لا أتأمرن على اثنين بعد اليوم أبدًا.
فالمقداد لا يخدع نفسه ، إنما يعرف ضعفه ، ويخاف على نفسه من الزهو والعجب ، فيقسم على عدم قبوله الإمارة، ثم يبّر بقسمه فلا يكون أميرًا بعد ذلك، ويتغنى بحديث للرسول قال فيه: ( إن السعيد لمن جنب الفتن )
وللمقداد موقف آخر تظهر فيه حكمته، فيقول أحد أصحابه: جلسنا إلى المقداد يومًا فمر به رجل، فقال مخاطبًا المقداد: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله والله، لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شاهدت، فأقبل عليه المقداد، وقال: ما يحمل أحدكم على أن يتمنى مشهدًا غيبه الله عنه ، لا يدري لو شهده كيف كان يصير فيه ؟ والله لقد عاصر رسول الله أقوامًا ، كبهم الله - عز وجل - على مناخرهم (أي: أنوفهم) في جهنم ، أو لا تحمدون الله الذي جنبكم مثل بلائهم، وأخرجكم مؤمنين بربكم ونبيكم.
وأوصى الرسول بحبه، فقال النبي (عليكم بحب أربعة: علي، وأبي ذر، وسلمان، والمقداد)

جوده وكرمه

وقد كان المقداد جوادًا كريمًا، فقد أوصى للحسن والحسين بستة وثلاثين ألفًا، ولأمهات المؤمنين لكل واحدة سبعة آلاف درهم0

وفاته

وتوفي المقداد - رضي الله عنه - بالمدينة سنة (33هـ) في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وعمره حينئذ سبعون عامًا.[/align:a1625d80c8]

[align=center:a1625d80c8]يتبع[/align:a1625d80c8]

الساهر
09-09-2007, 07:17 PM
[align=center:b5b33912d8]أبو أمامة الباهلي


نسبه واسلامه

إنه أبو أمامة الباهلي صدى بن عجلان - رضي الله عنه -، وعندما أسلم، وبعثه رسول الله ( إلى قومه باهلة يدعوهم إلى الله عز وجل ، ويعرض عليهم شرائع الإسلام ، فلما جاءهم قالوا له : سمعنا أنك صبوت (أسلمت) إلى هذا الرجل الذي يدعى محمدًا ، فقال أبو أمامة لهم: لا ولكن آمنت بالله ورسوله، وقد أرسلني رسول الله إليكم أدعوكم إلى عبادة الله الواحد الأحد، وأعرض عليكم الإسلام ، ثم أخذ أبو أمامة يحدثهم عن الإسلام ويدعوهم إليه، ولكنهم أصروا على الشرك وعبادة الأوثان.

قصة اسلام قومه

فلما أطال الحديث معهم، ويئس منهم، قال لهم: ويحكم ، ايتوني بشربة ماء ، فإني شديد العطش وكان عليه عمامة ، فقالوا له: لا ، ولكن ندعك تموت عطشًا ، فحزن أبو أمامة وضرب رأسه في عمامته ونام ، وكان الحر شديدًا ، فأتاه آت في منامه حسن المنظر بإناء فيه شراب ، لم ير الناس أجمل منه لونًا وطعمًا ، فأخذه منه ، وشرب حتى ارتوى.
فلما شبع من الشراب ، استيقظ من نومه، فلما رآه القوم قد استيقظ قال رجل منهم : يا قوم أتاكم رجل من سراة القوم فلم تتحفوه ( أي تعطوه ما يريد ) ، فأتوني بلبن، فقال له أبو أمامة : لا حاجة لي به ، إن الله أطعمني وسقاني ، ثم أظهر لهم بطنه ، فلما رأوا بطنه مملوءة ، وليس به عطش ولا جوع قالوا له : ماذا حدث يا أبا أمامة، فحكى لهم ما رآه في منامه فأسلموا جميعًا.
وقال أبو أمامة بعد تلك الشربة : فوالله ما عطشت، ولا عرفت عطشًا بعد تيك ( تلك ) الشربة

جهاده

وكان - رضي الله عنه - يحب الجهاد في سبيل الله، وفي يوم بدر أراد أن يخرج مع رسول الله فقال له خاله أبو بردة بن نيار : ابق مع أمك العجوز ، لتقض حاجتها ، فقال له أبو أمامة: بل ابق أنت مع أختك وظل كل منهما يريد أن يخرج مع الرسول للجهاد ، فاحتكما إلى رسول الله في ذلك ، فأمر رسول الله ( أبا أمامة أن يبقى مع أمه.
وظل - رضي الله عنه - ملازمًا النبي في جميع غزواته لا يتخلف عن غزوة ، ولا يتقاعس عن جهاد وشارك - رضي الله عنه - في جميع الحروب مع خلفاء الرسول 0

وفاته

وتوفي أبو أمامة الباهلي بحمص في الشام سنة (81هـ)، وقيل سنة (86هـ)، وكان عمره (91) سنة، وقيل: إنه آخر من مات بالشام من صحابة رسول الله

عبد الله بن رواحة

نسبه

عبد الله بن رواحة الخزرجي الأنصاري - رضي الله عنه - وكان يكنى أبا محمد 0

البيعة

كان الصحابي الجليل مع قومه في بيعتي العقبة الأولى والثانية 0
شعره
وكان أحد شعراء النبي الثلاثة ، وكان بين يدي النبي في عمرة القضاء يقول:
خَلُّوا بني الكُفَّار عَنْ سَبيلِهِ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ
ضَرْبًا يُزِيلُ الهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ وَيُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيـله
فنادى عليه عمر وقال له : في حرم الله وبين يدي رسول الله تقول هذا الشعر ؟ فقال له النبي ( خَلِّ عنه يا عمر ، فوالذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وَقْعِ النبل )
ولما نزل قول الله تعالى: { والشعراء يتبعهم الغاوون. ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون } أخذ عبد الله في البكاء لأنه كان شاعرًا يقول الشعر ، ويدافع به عن الإسلام والمسلمين ، وقال لنفسه : قد علم الله أني منهم ، وكان معه كعب بن مالك ، وحسان بن ثابت ، وهم شعراء الرسول ( الثلاثة، فنزل قول الله تعالى: { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرًا وانتصروا من بعد ما ظلموا } . ففرح عبد الله بذلك ، واستمر في نصرة المسلمين بشعره.وذات يوم أنشد عبد الله من شعره بين يدي النبي وقال:

إِنِّي تَفَرَّسْتُ فِيكَ الخَيْــــرَ أَعْرِفُـــهُ
وَاللهُ يَعْرِفُ أنْ ما خَانَنِي الخَبَــــــرُ
أَنْتَ النبي وَمَنْ يُحْــرَمْ شَفَاعَتُـــــهُ
يَوْمَ الحِسَابِ لَقَدْ أَزْرَى بِـهِ القَــــدَرُ
فَثَّبَتَ اللهُ مَا آتَـــاكَ مـِنْ حـُسْـــنٍ
تَثَبِيتَ مَــــوسَى وَنَصْرًا كَالذي نَصَروا
فدعا له الرسول (: (وإياك فثبَّتَكَ الله).

علمه

وكان عبد الله عابدًا محبًا لمجالس العلم والذِّكر، فيروى أنه كان إذا لقى رجلا من أصحابه قال له : تعال نؤمن بربنا ساعة وذات مرة سمعه أحد الصحابة يقول ذلك ، فذهب إلى النبي وقال: يا رسول الله، ألا ترى ابن رواحة، يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة ؟ فقال له النبي رحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة )
خوفه من الله وبكائه
وذات مرة ذهب عبد الله إلى المسجد والنبي يخطب ، وقبل أن يدخل سمع النبي يقول: (اجلسوا ) فجلس مكانه خارج المسجد حتى فرغ النبي من خطبتيه ، فبلغ ذلك النبي فقال له: ( زادك الله حرصًا على طواعية الله ورسوله )
وكان كثير الخوف والخشية من الله ، وكان يبكي كثيرًا ، ويقول: إن الله تعالى قال: { وإن منكم إلا واردها } ، فلا أدري أأنجو منها أم لا ؟

صيامه

وعُرفَ عبد الله بن رواحة بكثرة الصيام حتى في الأيام الشديدة الحر ، يقول أبو الدرداء - رضي الله عنه - خرجنا مع النبي في بعض أسفاره في يوم حار حتى وضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر ، وما فينا صائم إلا النبي وابن رواحة.
جهاده وعدله
كما نصر عبد الله الإسلام في ميدان الكلمة ، فقد نصره باقتدار في ميدان الحرب والجهاد بشجاعته وفروسيته وكان ابن رواحة أمينًا عادلاً ، وقد أرسله النبي إلى يهود خيبر ، ليأخذ الخراج والجزية مما في أراضيهم ، فحاولوا إعطاءه رشوة ، ليخفف عنهم الخراج ، فقال لهم : يا أعداء الله ، تطعموني السحت ؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إليَّ، ولأنتم أبغض إليَّ من القردة والخنازير ، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم (أي أتعامل معكم بالعدل) .

استشهاده

وفي شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة، علم الرسول أن الروم قد حشدوا جيوشهم استعدادًا للهجوم على المسلمين ، فأرسل النبي جيشًا إلى حدود الشام عدده ثلاثة آلاف مقاتل ، ليؤمِّن الحدود الإسلامية من أطماع الروم ، وجعل زيد بن حارثة أميرًا على الجيش ، وقال لهم: ( إن قتل زيد فجعفر ، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رَواحة ) فلما وصل جيش المسلمين إلي حدود الشام ، علموا أن عدد جيش الروم مائتا ألف فارس ، فقالوا: نكتب إلى النبي ليرسل إلينا مددًا من الرجال ، أو يأمرنا أن نرجع أو أي أمر آخر ، فقال لهم ابن رواحة: يا قوم، والله إن التي تكرهون هي التي خرجتم تطلبون ، إنها الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين ، إما ظهور (نصر) وإما شهادة.
فكبر المسلمون وواصلوا مسيرتهم حتى نزلوا قرية بالشام تسمى مؤتة ، وفيها دارت الحرب ، وقاتل المسلمون أعداءهم قتالاً شديدًا ، وأخذ زيد بن حارثة يقاتل ومعه راية المسلمين ، فاستشهد زيد ، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب ، وراح يقاتل في شجاعة حتى استشهد ، فأخذ عبد الله الراية ، فأحس في نفسه بعض التردد ، ولكنه سرعان ما تشجع ، وراح يقاتل في شجاعة ويقول :
أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّـه طَائِعَةً أَوْ لَتُكْرهِنَّـــــــه
فَطَالَمَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّـة مَالِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الجَنَّــــةْ
يَا نَفْسُ إلا تُقْتَلِى تَمُوتـي وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيـــــت
إِنْ تَفْعَلِى فَعْلَهُمَا هُدِيـتِ وَإِنْ تَأَخَّرْتِ فَقَد شُقِيــــتِ

ونال عبد الله الشهادة، ولحق بصاحبيه زيد وجعفر رضي الله عنهم .

عكرمة بن ابي جهل


نسبه
إنه الصحابي الجليل عكرمة بن عمرو بن هشام - رضي الله عنه -، أبوه عمرو بن هشام الذي سماه النبي ( أبا جهل ، لشدة عدائه للإسلام والمسلمين ، وقد أسلم عكرمة بعد فتح مكة ، وكان الرسول قد أباح قتله، بسبب ما ظهر منه من شدة العداء لله ورسوله 0

قصة اسلامه
لما فتح الرسول مكة ، فر هاربًا وترك أهله وماله، واتجه نحو اليمن يفكر في الذهاب إلى الحبشة، إلا أن الله سبحانه كان قد رزقه بزوجة وفية سبقته إلى الإسلام ، وهى أم حكيم بنت الحارث بن هشام ، وكانت تحب زوجها وتتمنى له الهداية0
ولما رأت ما كان من هروب زوجها ، ذهبت إلى الرسول تطلب منه العفو والأمان لزوجها ، فرق قلب النبي لحالها، وأعطاه الأمان ، فأسرعت أم حكيم إلى زوجها لتبشره بعفو رسول الله عنه ، وبعد أن عانت الزوجة المخلصة من سفرها في الصحراء ، وصلت إلى ساحل البحر فلحقت بزوجها ، وهو في السفينة 0
وظلت تنادي عليه حتى سمعها ، فقالت : يابن العم، جئتك من عند أوصل الناس ، وأبر الناس ، وخير الناس ، لا تهلك نفسك ، فعاد إليها ، فقالت له : إني قد استأمنت لك رسول الله فقال لها: أنت فعلت ذلك ؟ فقالت : نعم أنا كلمته فأمَّنك ، فرجع معها إلى مكة حتى لقى رسول الله وأعلن إسلامه ، فقال له الرسول ( مرحبًا بالراكب المهاجر) وقال النبي ( لأصحابه : ( يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنًا مهاجرًا ، فلا تسبُّوا أباه ، فإن سب الميت يؤذى الحي ، ولا يبلغ الميت )
ووقف عكرمة بين يدي الرسول نادمًا على ما حدث منه ، وقال : يا رسول الله ، علمني خير شيء تعلمه حتى أقوله ، فقال له النبي ( شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله )، فقال عكرمة : أنا أشهد بهذا وأشهد بذلك من حضرني ، وأسألك يا رسول الله أن تستغفر لي ، فاستغفر له رسول الله فقال عكرمة : والله لا أدع نفقة كنت أنفقتها في صد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله ، ولا قتالاً قاتلته إلا قاتلت ضعفه ، وأشهدك يا رسول الله على ذلك ، وهكذا أسلم عكرمة فحسن إسلامه 0
جهاده واستشهاده
وشارك مع جيوش المسلمين في كثير من الغزوات ، واستعمله الرسول على صدقات هوازن في عام وفاته ، وواصل عكرمة جهاده مع المسلمين في عهد أبي بكر ، واشترك في حروب الردة ، وأبلى فيها بلاء حسناً ، وسار إلى عمان فحارب المرتدين هناك ، وجعله أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - أميرًا عليها، وبقى فيها حتى وفاة أبي بكر 0
فلما تولى عمر بن الخطاب الخلافة ، واتسعت في عهده الفتوحات الإسلامية ، اشترك عكرمة فيها ، وظل يجاهد في سبيل الله ، حتى جاءت موقعة اليرموك ، وكان عكرمة أميرًا على بعض الكراديس ( مجموعة من الجنود )، فنادى في المسلمين : من يبايعني على الموت؟ فأسرع إليه ابنه عمرو وعمه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور، ومعهم فارس من المسلمين ، وانطلقوا نحو جيوش الروم يحصدون رقابهم ، وأظهر عكرمة - رضي الله عنه - في هذه المعركة فدائية وشجاعة نادرة حتى جرح وجهه وصدره ، وانتصر المسلمون انتصارًا حاسمًا ، ولكن جرح عكرمة كان عميقًا فأدى إلى استشهاده، فقد وجدوا فيه بضعة وسبعين جرحًا ما بين طعنة ورمية وضربة 0
وقبل أن يستشهد عكرمة ضرب أروع مثل في الإيثار ، فقد كان بجواره الحارث بن هشام وسهيل بن عمرو ، فدعا الحارث بن هشام بماء ليشربه ، فجيء إليه بماء فنظر إليه عكرمة ، فقال هشام : ادفعه (أعطه) إلى عكرمة، فلما أخذه عكرمة نظر إليه سهيل ، فقال عكرمة : ادفعه إلى سهيل، فلما وصل الماء إلى سهيل كان قد مات ، ثم تبعه عكرمة والحارث ، واستشهدوا جميعًا وقد آثر كل واحد منهم الآخر بشربة الماء - رضي الله عنهم أجمعين 0

عثمان بن مظعون
نسبه

إنه عثمان بن مظعون - رضي الله عنه - وأبوه مظعون بن حبيب بن وهب، وأمه سخيلة بنت العنبس، وكان يكنى أبا السائب0

نبله

عُرِف بحسن الخلق ورجاحة العقل ، وُلِدَ بمكة المكرمة ، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا ، وكان عمره آنذاك ثلاثين عامًا ، وعاش في حماية الوليد بن المغيرة ، ثم رأى ما يحدث للمسلمين من اضطهاد وتعذيب ، بينما هو يمشى آمنًا ولا يتعرض له أحد من المشركين بسوء ، فوقف مع نفسه قائلاً : والله إن غدوّي ورواحي آمنًا بجوار رجل من أهل الشرك ، وأصحابي وأهل ديني يلقون من الأذى والبلاء ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي ، ثم ذهب إلى الوليد وردَّ عليه حمايته، وقال له: يا أبا عبد شمس، قد وفت ذمتك ، فرددت إليك جوارك ، فقال له الوليد : ولِمَ يا بن أخي ؟ لعله آذاك أحد من قومي ؟ فقال : لا ، ولكني أرضي بجوار الله - عز وجل - ولا أريد أن أستجير بغيره0
فقال له الوليد : إذن فهيا أردد عليَّ جواري علانية أمام أهل مكة كما أمنتك علانية ، فانطلقا حتى وصلا إلى المسجد الحرام ، ووقف الوليد ، ونادى على الناس بصوت عال ، فرد عليه عثمان جواره وقال : قد وجدته وفيًّا كريمًا ، حافظًا للجوار ، ولكنى أحببت أن لا أستجير بغير الله ، فقد رددت عليه جواره0
وكان عثمان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية ، وكان يقول : لا أشرب شرابًا يذهب عقلي ، ويُضحك بي من هو أدنى مني ، ويحملني على أن أنكح كريمتي فلما حرمت الخمر ، قال: تبًّا لها ، قد كان بصري فيها ثاقبًا 0
تعذيبه وهجرته للحبشة
وتعرض عثمان لأذى المشركين ، وشارك إخوانه المسلمين في محنتهم، وهاجر معهم إلى الحبشة لمّا أمرهم النبي بالهجرة، وأخذ معه ابنه السائب ، وكان عثمان أمير الفوج الأول إلى الحبشة ، ثم قُدّر له أَن يعود من الحبشة إلى مكة مرة أخرى0
وذات يوم ، كان أهل مكة يجتمعون على الشاعر العربي لبيد ابن ربيعة ، لينشدهم الشعر ، فدخل عليهم عثمان، فسمعه يقول :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
فقال عثمان بن مظعون: صدقت، فقال لبيد :
وكل نعيـم لا محــالة زائـــل
فقال عثمان - رضي الله عنه -: كذبت ، نعيم الجنة لا يزول ، فغضب لبيد ، وقال : يا معشر قريش ، والله ما كان يؤذي جليسكم ، فمتى حدث فيكم هذا ؟ فقام رجل من المشركين إلى عثمان ، وضربه على إحدى عينيه ضربة شديدة أوجعته وأصابت عينه بضرٍّ شديد ، ورأى الوليد بن المغيرة ما حدث لعثمان بن مظعون ، فقال: أما والله يابن أخي إن كانت عيناك عما أصابها لغنية ، لقد كنت في ذمة ومنعة فقال عثمان : بلى والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى ما أصاب أختها في سبيل الله ، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر ، يا أبا عبد شمس فقال الوليد : هلمَّ يابن أخي فَعُدْ إلى جواري، فقال عثمان: لا 0

الهجرة الى المدينة ووفاته

وحينما أذن للمسلمين بالهجرة إلى المدينة ، هاجر معهم عثمان ، وعاش مع المسلمين حتى جاءت غزوة بدر ، فقاتل مع المسلمين ، وكان - رضي الله عنه - عابدًا زاهدًا ، يجتهد في العبادة ، وعندما أراد أن ينقطع للعبادة ، ولا يتزوج ، نهاه النبي وقال: ( يا عثمان ، إن الله لم يبعثني بالرهبانية، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة) ومكث عثمان بعد غزوة بدر عدة أيام يشارك المسلمين فرحة النصر على أعداء الله، ولكنه لم يدم طويلاً، فسرعان ما مرض مرضًا شديدًا حبسه في بيته، فزاره النبي ليطمئن عليه ، وشاء الله أن يكون مرض الموت ، فمات عثمان بن مظعون وهو سعيد بإسلامه، مستبشر بما أعده الله له من الخير والكرامة في الجنة0
وبعد موته قَبَّله الرسول وغسَّله ، وكفَّنه ، وصلى عليه ، ثم دفنه بالبقيع ، وقال له وهو في مثواه الأخير ذهبت ولم تلبس منها ( الدنيا ) بشيء فكان أول من دُفن بالبقيع ، وأول من مات من المهاجرين بالمدينة المنورة ، وكانت وفاته - رضي الله عنه - في السنة الثالثة من الهجرة0


النعمان بن مقرن

اسلامه

إنه الصحابي الجليل النعمان بن مقرن - رضي الله عنه - الذي قدم على النبي في المدينة مع أربعمائة من قومه مُزَيْنَة ، فاهتزت المدينة فرحًا بهم ، واستبشر بهم المسلمون ، وقد هداه الله للإسلام، وهدى معه أهله وإخوته السبعة 0
وقد اشتهر بنو مقرن بحب الله ورسوله ، والإنفاق في سبيل الله عز وجل ، والتضحية من أجل دين الله سبحانه ، وفيهم نزل قول الحق تبارك وتعالى: { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول إلا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم } 0
ومنذ أن أسلم النعمان بن مقرن وهو يرفع لواء قومه مجاهدًا بهم في سبيل الله شرقًا وغربًا، فنجده في فتح مكة، وفي الجهاد ضد هوازن والطائف وثقيف، ومحاربة المرتدين ومدِّعي النبوة في عهد الصديق - رضي الله عنه -، ثم يرفع لواء قومه في موقعة القادسية والتي شهدت أروع بطولاته وتضحياته. خاض النعمان بقومه كل هذه الحروب محتسبًا أجره عند الله، وطمعًا في مرضاته، متمنيًا أن ينعم الله عليه بالشهادة في سبيله0
زهده

وكان النعمان لين الجانب، زاهدًا في الدنيا ومفاتنها، لا يرضى حياة الرفاهية والإمارة، بل يفضل حياة العمل والجهاد، فحين عرض عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الإمارة على قبيلته ، رفض ذلك واعتذر لأمير المؤمنين0

جهاده

ويواصل النعمان رحلة جهاده في سبيل إعلاء كلمة الحق ، فكان على رأس الجيش الذي نجح في فتح البصرة ثم الكوفة ، وقضى بذلك على وجود الفرس في بلاد العرب ، وجمع يزدجر كسرى فارس آنذاك جيشًا عظيمًا عدده أكثر من مائتي ألف فارس ، وجعل من نهاوند قلعة يوجِّه منها سهامه إلى الإسلام ، وأصر على محاربة المسلمين والقضاء عليهم ، وأحس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بخطورة الأمر ، فحشد جيوشه الإسلامية ، وأراد أن يقود الجيش بنفسه ، إلا أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أشار عليه بأن وجوده في المدينة خير للمسلمين من خروجه ، حتى يرعى شئون الأمة الإسلامية التي امتدت أطرافها شرقًا وغربًا ، واقتنع الفاروق عمر برأى علي ، وقال لمن حوله : أشيروا عليَّ برجل أوليه قائدًا في هذه الحرب ، وليكن عراقيًّا ، وله خبرة بطرقها ومسالكها ، فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين ، أنت أعلم لجندك وقد وفدوا عليك فقال عمر : والله لأولين أمرهم رجلاً يكون أول الأسنة إذا لقيها غدًا فقالوا : ومن يكون؟ قال عمر: النعمان بن مقرن المزني قالوا : هو لها يا أمير المؤمنين ، فأمر عمر - رضي الله عنه - النعمان بن مقرن أن يتجه بالجيش إلى نهاوند ، ثم أرسل إليه عمر جيشًا آخر بقيادة حذيفة بن اليمان ليكون مددًا وعونًا له ، فأصبح عدد الجيش الإسلامي ثلاثين ألف فارس ، والتقى بجيش الفرس في حرب شديدة ، ظلت يومين لم يستطع أحد أن يحقق النصر على الآخر ، وفي اليوم الثالث نجح المسلمون في أن يبعدوا الفرس عن مواقعهم ويدخلوهم خنادقهم وحصونهم ويحاصرونهم فيها0
وطال حصار المسلمين للفرس ، ففكر النعمان وجنده في حيلة يخرجون بها الفرس من حصونهم ، فأشار طليحة بن خويلد الأسدي -رضي الله عنه - بأن يوهم بعض المسلمين الفرس أنهم قد انهزموا ، وينسحبوا من الميدان ، فينجذب نحوهم الفرس ، ويتركوا مواقعهم ، ثم ينقض عليهم الجيش الإسلامي كله مرة واحدة ، فيهزموهم بإذن الله ونفذ هذه الخطة الحربية القعقاع بن عمرو - رضي الله عنه - مع بعض جنود المسلمين ، ونجحت الحيلة ، وظن الفرس أن في جيش المسلمين ضعفًا ، فخرجوا وراءهم ليقضوا عليهم ، فانقض عليهم المسلمون ، واندفع النعمان بن مقرن في صفوف الفرس ، يقاتل قتالاً شديدًا ، طامعًا في النصر للمسلمين وفي الشهادة لنفسه ، ودعا الله قائلاً : اللهم إني أسألك أن تقرِّ عيني بفتح يكون فيه عز الإسلام ، واقبضني إليك شهيدًا 0
استشهاده
ونال النعمان أمنيته ، فسقط شهيدًا في أرض المعركة ، وقبل أن تقع الراية من يده أسرع إليه أخوه نعيم وأخذ الراية منه ليواصل المسلمون جهادهم ، ويكتم نعيم خبر استشهاد القائد ، ويقوم حذيفة بن اليمان الذي أوصى النعمان له بقيادة الجيش من بعده ، فيواصل المسيرة حتى تنتهي المعركة بنصر كبير ، أعز الله به الإسلام والمسلمين، وفي جو الفرحة تساءل المسلمون عن قائدهم ؟ فأجابهم نعيم قائلاً: هذا أميركم ، قد أقر الله عينه بالفتح وختم له بالشهادة0
ووصل الخبر إلى المدينة ، فصعد عمر المنبر ينعي للمسلمين ذلك البطل الشهيد ، ويقول وعيناه تذرفان بالدموع : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فيبكي المسلمون بالمدينة ، ويرتفع صوت عبد الله بن مسعود بالبكاء وهو يقول : إن للإيمان بيوتًا وإن بيت ابن مقرن من بيوت الإيمان0
وهكذا يسجل التاريخ يومًا من أعظم أيام الإسلام ، يوم نهاوند سنة (21هـ) ، ذلك اليوم الذي استشهد فيه أمير نهاوند ، وقائد المسلمين فيها النعمان بن مقرن0
وفي نهاوند، دفن النعمان يوم الجمعة في سهل ممتد تكسوه الأشجار العالية ، ودفن معه مَنْ استشهد في ذلك اليوم الخالد 0

عمرو بن معد يكرب
نسبه

أبو ثور عمرو بن معد يكرب الزُّبَيْدي - رضي الله عنه - الشاعر والفارس ، اشتهر بالشجاعة والفروسية حتى لُقِبَّ بفارس العرب ، وقد شارك في فتوح الشام والعراق ، ولم يتخلف عن حرب مع المسلمين ضد أعدائهم قط 0
اسلامه

يروى عن إسلامه ، أنه قال لصديقه قيس بن مكشوح حينما بلغهما أمر النبي قد ذُكر لنا أن رجلاً من قريش يقال له محمد ، قد خرج بالحجاز ، يقول : إنه نبي ، فانطلق بنا إليه حتى ننظر أمره ، فإن كان نبيًّا كما يقول ، فإنه لن يخفي عليك ، وإن كان غير ذلك ، علمنا ، فرفض قيس ذلك ، فذهب هو إلى المدينة ، ونزل على سعد بن عبادة ، فأكرمه ، وراح به إلى النبي فأسلم ، وقيل : إنه قدم المدينة في وفد من قومه زُبَيْد ، فأسلموا جميعًا 0
جهاده

وفي يوم اليرموك حارب في شجاعة واستبسال يبحث عن الشهادة ، حتى انهزم الأعداء ، وفروا أمام جند الله ، وقبيل معركة القادسية طلب قائد الجيش سعد بن أبي وقاص مددًا من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ليستعين به على حرب الفرس ، فأرسل أمير المؤمنين إلى سعد رجلين فقط ، هما: عمرو بن معد يكرب، وطليحة بن خويلد ، وقال في رسالته لسعد: إني أمددتك بألفي رجل 0

وعندما بدأ القتال ألقى عمرو بنفسه بين صفوف الأعداء يضرب فيهم يمينًا ويسارًا ، فلما رآه المسلمون ، هجموا خلفه يحصدون رءوس الفرس حصدًا ، وأثناء القتال وقف عمرو وسط الجند يشجعهم على القتال قائلاً : يا معشر المهاجرين كونوا أسودًا أشدَّاء ، فإن الفارس إذا ألقى رمحه يئس 0
فلما رآه أحد قواد الفرس يشجع أصحابه رماه بنبل ، فأصابت قوسه ولم تصبه ، فهجم عليه عمرو فطعنه ، ثم أخذه بين صفوف المسلمين ، واحتز رأسه ، وقال للمسلمين : اصنعوا هكذا وظل يقاتل حتى أتمَّ الله النصر للمسلمين 0

استشهاده

وفي موقعة نهاوند ، استعصى فتح نهاوند على المسلمين ، فأرسل عمر بن الخطاب إلى النعمان بن مقرن قائد الجيش قائلاً: اسْتَشِر واستعن في حربك بطلحة وعمرو بن معد يكرب ، وشاورهما في الحرب ، ولا تولِّهما من الأمر شيئًا ، فإن كل صانع هو أعلم بصناعته وقاتل عمرو في هذه المعركة أشدَّ قتال حتى كثرت جراحه ، وفتح الله على المسلمين نهاوند ، وظفر عمرو في تلك المعركة بالشهادة ، ودفن بقرية رُوذَة من قرى نهاوند 0

أبو دجانة الأنصاري

ابو دجانه وسيف الرسول (ص)

اسمه سِمَاك بن أوس بن خرشة ، أسلم وآمن بالله ورسوله وقد آخى الرسول ( بينه وبين عتبة بن غزوان، وكان شديد الحب لله ولرسوله كثير العبادة ، اشترك في غزوة بدر وحضر المعارك مع رسول الله وأبلى فيها بلاء حسنًا 0
وقف يوم أحد إلى جانب فرسان المسلمين ، يستمع إلى رسول الله ( وهو يعرض عليهم سيفه ، قائلا: (من يأخذ مني هذا ؟) فبسطوا أيديهم ، كل إنسان منهم يقول: أنا ..أنا، فقال رسول الله (: (فمن يأخذه بحقه ؟) ، فأحجم القوم ، فقال أبو دجانة : أنا آخذه بحقه ، فأخذه أبو دجانة ، ففلق به هام المشركين (أي شق رءوسهم)

ابودجانه والعصابة الحمراء
وأخذ أبو دجانة عصابته الحمراء وتعصب بها ، فقال الأنصار من قومه : أخرج أبو دجانة عصابة الموت ، ثم نزل ساحة المعركة، وهو ينشد:
أَنَا الذي عَاهَدَنِي خَلِيــلِي وَنَحْنُ بِالسَّفْحِ لَدَى النَّخِيــلِ
أَنْ لا أُقِيمَ الدَّهرَ في الكبُولِ أَضــْرِبُ بِسَيْفِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ
وأخذ يقتل المشركين ، ويفلق رءوسهم بسيف الرسول حتى بدأ النصر يلوح للمسلمين ، فلما ترك الرماة أماكنهم ، وانشغلوا بجمع الغنائم ، عاود المشركون هجومهم مرة أخرى ، ففر كثير من المسلمين ، وثبت بعضهم يقاتل حول رسول الله منهم أبو دجانة الذي كان يدفع السهام عن رسول الله بعدما رأى كتائب المشركين تريد الوصول إليه ، فتصدى لهم بكل ما أوتى من قوة ، أملا في الحصول على الشهادة ،ومات الرسول وهو راض عنه0

استشهاده
فواصل جهاده مع خليفته ، أبي بكر الصديق ، وشارك في حروب الردة ، وكان في مقدمة جيش المسلمين الذاهب إلى اليمامة لمحاربة مدعى النبوة مسيلمة الكذاب وقومه بني حنيفة ، وقاتل قتال الأسد حتى انكشف المرتدون ، وفروا إلى حديقة مسيلمة ، واختفوا خلف أسوارها وحصونها المنيعة ، فألقى المسلمون بأنفسهم داخل الحديقة وفي مقدمتهم أبو دجانة ، ففتح الحصن ، وحمى القتال ، فكسرت قدمه ، ولكنه لم يهتم ، وواصل جهاده حتى امتلأ جسده بالجراح ، فسقط شهيدًا على أرض المعركة ، وانتصر المسلمون، وفرحوا بنصر الله ، وشكروا لأبي دجانة صنيعه من تضحية وجهاد لإعلاء كلمة الله 0

أسعد بن زرارة


نسبه

إنه أبو أمامة أسعد بن زرارة الأنصاري الخزرجي - رضي الله عنه -

اسلامه

كان قد خرج مع صاحب له يدعى ذكوان بن عبد القيس إلى مكة يتحاكمان إلى عتبة بن ربيعة وكانا قد اختلفا فيما بينهما ، فلما وصلا إلى مكة ، وسمعا برسول الله ذهبا إليه ، فعرض عليهما الإسلام ، وتلا آيات من القرآن الكريم ، فأسلما ، ولم يقربا عتبة بن ربيعة ، ثم رجعا إلى المدينة فكانا أول من قدم بالإسلام إلى المدينة ويروى أنه أول من صلى الجمعة بها مع أربعين من أصحابه 0

بيعتي العقبة

شهد بيعة العقبة الأولى والثانية ، وكان أول من بايع النبي واختاره رسول الله نقيبًا على قبيلته، ولم يكن في النقباء أصغر سنًّا منه.
وعن أم زيد بن ثابت أنها رأت أسعد بن زرارة - قبل مقدم النبي - يصلي بالناس الصلوات الخمس ، يجمع بهم في مسجد بناه في مربد سهل وسهيل ابني رافع قالت : فانظر إلى رسول الله لما قدم في ذلك المسجد وبناه ، فهو مسجده اليوم أي مسجد الرسول 0
فضائله

وكان - رضي الله عنه- كريمًا ، وقد استضاف مصعب بن عمير - رضي الله عنه - عندما بعثه الرسول إلى المدينة ، ليعلم أهلها الإسلام ، وجلس مصعب وأسعد في أحد بساتين بني عبد الأشهل ، فالتفَّ حولهما الناس ، وأخذا يدعوان الناس إلى الإسلام فأسلم على يديهما جمع كبير من بني عبد الأشهل ووقف أسعد ابن زرارة - رضي الله عنه - مواقف بطولية تدل على نبل أخلاقه ، وصدق إيمانه، وعظمة حبه لله ورسوله 0
وفاته

وعندما مرض أسعد بن زرارة، وعلم النبي بمرضه ، ذهب يزوره ، فوجده مريضًا بالذبحة (وجع في الحلق) ، ثم مات -رضي الله عنه - في السنة الأولى للهجرة ، والرسول يبني مسجده، وصلى عليه الرسول وصحابته ، ودفن بالبقيع ، فكان - رضي الله عنه - أول صحابي من الأنصار يدفن بالبقيع ، وقد أوصى أسعد ببناته إلى رسول الله ، وكن ثلاثًا ، فكن في رعاية رسول الله وكفالته 0

أنس بن النضر

إنه عم أنس بن مالك خادم رسول الله وعلى اسمه يسمَّى ، وينسب إلى بني النجَّار في المدينة 0
حبه للرسول ( ص )
أحب أنس رسوله وظل مدافعًا عنه حتى آخر قطرة دم في جسده ، ولم يعلم بخروج النبي لقتال المشركين يوم بدر ، فحزن حزنًا شديدًا ، ونذر نفسه للشهادة في سبيل الله ليعوض ما فاته من يوم بدر 0
استشهاده

وذهب إلى الرسول نادمًا أن فاتته غزوة بدر ، فقال للنبي يا رسول الله ، غبت عن قتال بدر ، غبت عن أول قتال قاتلتَ المشركين ، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين اللهُ ما أصنع ، فلما كان يوم أحد ، خرج أنس بن النضر مع المسلمين، وهو يتمنى أن يلقى الله شهيدًا في هذه الغزوة 0
وبدأت المعركة وكان النصر حليف المسلمين إلى أن خالف الرماة أمر رسول الله وتحول النصر إلى هزيمة ، وفر عدد كبير من المسلمين ، ولم يثبت مع النبي ( سوى نفر قليل، فلما رأى أنس بن النضر - رضي الله عنه - ذلك المشهد تذكَّر على الفور وعده لله تعالى ، وقوله للرسول لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع ، فانطلق يشق صفوف المشركين قائلاً : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ( يعنى أصحابه ) وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء (يعنى المشركين )، ثم تقدم شاهرًا سيفه ، فاستقبله سعد بن معاذ - رضي الله عنه - فقال: يا سعد بن معاذ ، الجنة ورب النضر ، إني أجد ريحها من دون أحد وأخذ يقاتل ويضرب بسيفه يمينًا وشمالاً ، حتى سقط شهيدًا على أرض المعركة ، وبعد انتهاء القتال حكى سعد بن معاذ - رضي الله عن ه- للنبي ما صنعه أنس بن النضر ، وقال : فما استطعت يا رسول الله ما صنع 0
وقام الرسول وأصحابه ليتفقدوا شهداء أحد ، ويتعرفوا عليهم ، فوجدوا أنس بن النضر وبه بضعة وثمانون جرحًا ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم ، وقد مثل به المشركون فلم يعرفه أحد إلا أخته الربيع بنت النضر بعلامة في أصابعه وروى أن هذه الآية الكريمة { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} نزلت في أنس بين النضر ومن معه من الصحابة رضوان الله عليهم

البراء بن مالك


إنه البراء بن مالك بن النضر - رضي الله عنه - أخو أنس بن مالك خادم رسول الله وأحد الأبطال الأقوياء ، بايع تحت الشجرة ، وشهد أحدًا وما بعدها من الغزوات مع رسول الله عاش حياته مجاهدًا في سبيل الله 0
وكانت كل أمانيه أن يموت شهيدًا ، وقتل بمفرده مائة رجل في المعارك التي شارك فيها ، فقد دخل عليه أخوه أنس مرة وهو يتغنى بالشعر ، فقد منحه الله صوتًا جميلا، فقال له : يا أخي ، تتغنى بالشعر ، وقد أبدلك الله به ما هو خير منه القرآن ؟ فقال له : أتخاف عليَّ أن أموت على فراشي ، لا والله ، ما كان الله ليحرمني الشهادة في سبيله، وقد قتلت مائة بمفردي سوى من شاركت في قتله 0
جهاده

وشارك في حروب الردة ، وأظهر فيها بطولة فائقة ، أبهرت عقول من رآه ، وها هو ذا يوم اليمامة يقف منتظرًا أن يصدر القائد خالد بن الوليد أمره بالزحف لملاقاة المرتدين ، ونادى خالد : الله أكبر. فانطلقت جيوش المسلمين مكبرة ، وانطلق معها عاشق الموت البراء بن مالك0
وراح يقاتل أتباع مسيلمة الكذاب بسيفه ، وهم يتساقطون أمامه قتلى الواحد تلو الآخر ، ولم يكن جيش مسيلمة ضعيفًا ، ولا قليلا ، بل كان أخطر جيوش الردة ، وقد تصدوا لهجوم المسلمين بكل عنف حتى كادوا يأخذون زمام المعركة ، وتحولت مقاومتهم إلى هجوم ، فبدأ الخوف يتسرب إلى صفوف المسلمين ، فأسرع خالد بن الوليد إلى البراء بن مالك قائلا له : تكلم يا براء ، فقام البراء ، وصاح في المسلمين مشجعًا ، ومحفزًا لهم على القتال ، فقال: يا أهل المدينة ، لا مدينة لكم اليوم ، إنما هو الله وحده والجنة وركب فرسه واندفع نحو الأعداء ، ومعه المسلمون يقاتلون قتالا شديدًا حتى رجحت كفة المسلمين ، واندفع المرتدون إلى الوراء هاربين ، واحتموا بحديقة لمسيلمة ذات أسوار عالية 0
ووقف المسلمون أمام الحديقة يفكرون في حيلة يقتحمون بها الحصن ، فإذا بالبراء بن مالك ، يقول : يا معشر المسلمين، ألقوني إليهم فاحتمله المسلمون وألقوه في الحديقة ، فقاتلهم حتى فتحها على المسلمين ، ودخل المسلمون الحديقة ، وأخذوا يقتلون أصحاب مسيلمة ، وانتصر المسلمون إلا أن حلم البراء لم يتحقق ، لقد ألقى بنفسه داخل الحديقة آملا أن يرزقه الله الشهادة، ولكن لم يشأ الله بعد0
ورجع البراء بن مالك وبه بضعة وثمانون جرحًا ما بين ضربة بسيف أو رمية بسهم ، وحمل إلى خيمته ليداوى ، وقام خالد بن الوليد على علاجه بنفسه شهرًا كاملا 0
وعندما شُفي البراء من جراحات يوم اليمامة ، انطلق مع جيوش المسلمين التي ذهبت لقتال الفرس ، وفي إحدى حروب المسلمين مع الفرس لجأ الفرس إلى وسيلة وحشية حيث استخدموا كلاليب من حديد معلقة في أطراف سلاسل ملتهبة محماة بالنار ، يلقونها من حصونهم ، فترفع من تناله من المسلمين ، وسقطت إحدى هذه الكلاليب على أنس بن مالك ، فلم يستطع أنس أن يخلص نفسه ، فرآه البراء ، فأسرع نحوه ، وقبض على السلسلة بيديه ، وأخذ يجرها إلى أسفل حتى قطعت ، ثم نظر إلى يديه فإذا عظامها قد ظهرت وذاب اللحم من عليها ، وأنجى الله أنس بن مالك بذلك 0
قسمه على الله
ظل البراء - رضي الله عنه - يقاتل في سبيل الله معركة بعد أخرى متمنيًا أن يحقق الله له غايته ، وها هى ذي موقعة تُسْتُر تأتى ليلاقي المسلمون فيها جيوش الفرس، وتتحقق فيها أمنية البراء 0
لقد تجمع الفرس واحتشدوا في جيش كثيف ، وجاءوا من كل مكان للقاء المسلمين ، وكتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أميريه على الكوفة والبصرة أن يرسل كل منهما جيشاً إلى الأهواز ، والتقى الجيشان القادمان من الكوفة والبصرة بجيش الفرس في معركة رهيبة ، وكان البراء أحد جنود المسلمين في تلك المعركة ، وبدأت المعركة بالمبارزة كالعادة ، فخرج البراء للمبارزة ، والتحم الجيشان وتساقط القتلى من الفريقين ، وكاد المسلمون أن ينهزموا 0
فاقترب بعض الصحابة من البراء قائلين له: يا براء ، أتذكر يوم أن قال الرسول عنك كم من أشعث أغبر ذى طمرين ( ثوبين قديمين ) ، لا يؤبه له ( لا يهتم به أحد ) لو أقسم على الله لأبره ، منهم البراء بن مالك ؟ ) ثم طلب الصحابة منه أن يدعو الله لهم ، فرفع البراء يده إلى السماء داعيًا : اللهم امنحنا أكتافهم ، اللهم اهزمهم ، وانصرنا عليهم ، اللهم ألحقني بنبيك 0
استشهاده

ثم انطلق فركب فرسه، وهجم على الفرس ، وقتل أحد كبارهم ، وفتح الله على المسلمين وانتصروا على الفرس ، واستشهد البراء بن مالك في هذه المعركة بعد رحلة جهاد طويلة ، قدم فيها البراء كل ما يملك في سبيل دينه ، وكانت وفاته في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سنة ( 20هـ ) رضي الله عنه وأرضاه

زيد بن الخطاب
إنه زيد بن الخطاب - رضي الله عنه - أخو عمر بن الخطاب لأبيه ، وكان أكبر منه سنًا ، وأسلم قبله واستشهد قبله ، وقد آخى النبي بينه وبين معن بن عدي العجلاني ، وظلا معًا حتى استشهدا في اليمامة ، وكان إيمانه بالله وبرسوله إيمانًا قويًّا ، فلم يتخلف عن رسول الله في غزوة أو معركة ، شهد بدرًا وأحدًا والخندق وشهد بيعة الرضوان بالحديبية ، وفي كل مرة يقابل فيها أعداء الإسلام كان يبحث عن الشهادة 0

حوار في المعركة بين زيد وعمر
رآه أخوه عمر يوم أحد ، وقد سقط الدِّرع عنه ، وأصبح قريبًا من الأعداء ، فصاح قائلا : خذ درعي يا زيد فقاتل به ، فردَّ عليه زيد : إني أريد من الشهادة ما تريده ، يا عمر ، وظل يقاتل بغير درع في فدائية، ولكن الله لم يكتب له الشهادة في تلك الغزوة 0
جهاده واستشهاده
وبعد وفاة الرسول ارتدت كثير من قبائل العرب ، فرفع الصديق لواء الجهاد في وجوه المرتدين حتى يعودوا إلى الإسلام ، وكانت حرب اليمامة من أشد حروب الردة ، ودارت رحاها بين المسلمين وبين جيوش مسيلمة الكذاب ، وكاد المسلمون أن ينهزموا بعد أن سقط منهم شهداء كثيرون ، فلما رأى زيد ذلك ، صعد على ربوة وصاح في إخوانه : يا أيها الناس ، عضوا على أضراسكم ، واضربوا عدوكم ، وامضوا قدمًا ، ثم رفع بصره إلى السماء وقال: اللهم إني أعتذر إليك من فرار أصحابي ، وأبرأ إليك مما جاء به مسيلمة وأصحابه ثم نذر ألا يكلم أحدًا حتى يقضي الله بين المسلمين وأعدائهم فيما هم فيه مختلفون ، ثم قال : والله لا أتكلم اليوم حتى يهزمهم الله أو ألقى الله ، فأكلمه بحجتي ، ثم أخذ سيفه، وقاتل قتالا شديدًا ، وعمد إلى الرجَّال بن عنفوة قائد جيوش مسيلمة وقتله ، وكانت أمنيته أن يقتل هذا المرتد، وظل يضرب في أعداء الله حتى رزقه الله الشهادة 0
حزن عمر عليه
فحزن المسلمون لموت زيد حزنًا شديدًا ، وكان أشدهم حزنًا عليه أخوه عمر الذي قال حينما علم بموته : رحم الله زيدًا سبقني إلى الحسنيين ، أسلم قبلي ، واستشهد قبلي وكان دائمًا يقول : ما هبت الصبا إلا وجدت منها ريح زيد، وها هو ذا يقول لمتمم بن نويرة : لو كنت أحسن الشعر لقلت في أخي زيد مثل ما قلت في أخيك مالك ، وكان متمم قد رثى أخاه مالكًا بأبيات كثيرة ، فقال متمم ، ولو أن أخي ذهب على ما ذهب عليه أخوك ما حزنت عليه ، فقال عمر: ما عزاني أحد بأحسن مما عزيتني به 0


صفوان بن أمية

أحد فصحاء العرب ، وواحد من أشراف قريش في الجاهلية ، قُتل أبوه أمية بن خلف يوم بدر كافرًا ، وقُتل عمه أبي بن خلف يوم أحد كافرًا بعد أن صرعه النبي وكان صفوان واحدًا من المشهورين في إطعام الناس في قريش حتى قيل : إنه لم يجتمع لقوم أن يكون منهم مطعمون خمسة إلا لعمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف 0

وكان صفوان من أشد الناس عداوة وكرهًا للنبي وأصحابه قبل أن يدخل في الإسلام ، أسلمت زوجته ناجية بنت الوليد بن المغيرة يوم فتح مكة، وظل هو على كفره وعداوته للإسلام حتى منَّ الله عليه بالإسلام ، فأسلم وحسن إسلامه0

وقد جلس صفوان يوماً في حجر الكعبة بعد غزوة بدر، وأخذ يتحدث مع عمير بن وهب عما حدث لقريش في بدر ، ورأى صفوان أن صديقه عميرًا يريد الذهاب لقتل الرسول ولكنه لا يملك ، فساعده في تحقيق ذلك وذهب عمير إلى المدينة مصممًا على قتل محمد ولكن شاء الله أن يسلم عمير ، وخاب ظن صفوان وجاء فتح مكة ، فهرب صفوان في شعب من شعاب مكة ، فعلم بذلك عمير بن وهب الذي ظل محافظًا على صداقته لصفوان ، فذهب إلى النبي وقال: يا رسول الله ، إن صفوان بن أمية سيد قومه ، خرج هاربًا ليقذف نفسه في البحر ، خوفًا منك فأمنه (أي أعطيه الأمان) فداك أبي وأمي، فقال الرسول قد أمِّنته ، فخرج عمير من عند رسول الله مسرعًا إلى الشعب الذي اختبأ فيه صفوان 0
فلما رآه صفوان قال له: يا عمير ما كفاك ما صنعت بي ، قضيت عنك دينك ، وراعيت عيالك على أن تقتل محمدًا فما فعلت ، ثم تريد قتلي الآن ، فقال عمير: يا أبا وهب ، جعلت فداك ، جئتك من عند أبر الناس ، وأوصل الناس ، قد أمّنك رسول الله فقال صفوان : لا أرجع معك حتى تأتيني بعلامة أعرفها ، فرجع عمير إلى النبي وقال له ما يريده صفوان ، فأعطاه الرسول عمامته ، فأخذها عمير وخرج إلى صفوان ، وقال له: هذه عمامة رسول الله يا صفوان ، فعرفها صفوان ، وعلم أن النبي قد أمّنه ثم قال له عمير : إن رسول الله يدعوك أن تدخل في الإسلام ، فإن لم ترض تركك شهرين أنت فيهما آمن على نفسك لا يتعرض لك أحد وخرج صفوان مع عمير حتى وصلا إلى المسجد ، وإذا برسول الله وصحابته يصلون العصر ، فوقف صفوان بفرسه بجانبهم ، وقال لعمير: كم يصلون في اليوم والليلة ؟، فقال عمير: خمس صلوات، فقال صفوان: يصلى بهم محمد ؟ قال عمير : نعم وبعد أن انتهت الصلاة وقف صفوان أمام الرسول وناداه في جماعة من الناس ، وقال: يا محمد، إن عمير بن وهب جاءني ببردك ، وزعم أنك دعوتني إلى القدوم عليك فإن رضيت أمرًا ، وإلا سيرتني شهرين ، فقال له رسول الله ( أنزل أبا وهب )، فقال صفوان : لا والله حتى تبين لي ، قال:
( انزل ، بل لك تسير أربعة أشهر ) ، فنزل صفوان ، وأخذ يروح ويعود بين المسلمين وهو مشرك 0

ويوم حنين، طلب منه الرسول أن يعيره سلاحًا ، فقال له صفوان: طوعًا أم كرهًا يا محمد ؟ فقال له النبي ( بل طوعًا ، عارية مضمونة أردها إليك ) ، فأعاره صفوان مائة درع وسيف ، وأخذها المسلمون وخرجوا إلى الحرب وهو معهم ابن عمة رسول الله وأخو السيدة زينب بنت جحش زوج رسول الله كان من السابقين إلى الإسلام ، حيث أسلم قبل دخول النبي دار الأرقم بن أبي الأرقم 0

عبد الله بن جحش

تعذيبه والهجرة الى الحبشة
عذب عبد الله في سبيل الله ، إلى أن خرج مهاجرًا إلى الحبشة مع المسلمين المهاجرين إليها فرارًا بدينه ، ثم دعاه الحنين إلى مكة فعاد إليها مع العائدين من الحبشة ، وظل بها صابرًا على ما يلاقيه من أذى0
الهجرة الى المدينة
حين أذن الله للمسلمين بالهجرة إلى المدينة ، فسارع بالهجرة تاركًا في مكة دارًا عظيمة البنيان ، تطل على الكعبة ، فهجم المشركون على داره وباعوها وقبضوا ثمنها ، ولما علم قومه بذلك تأثرت نفوسهم ، وغضبوا غضبًا شديدًا ، فطمأنهم النبي ودعا الله أن يعوضهم دارًا خيرًا منها في الجنة ففرحوا بذلك 0
قائد اول سرية جهادية
وبعد أن استقر المقام بالنبي في المدينة ، بعث سرية من المسلمين لترصُّد عير قريش القادمة من الشام وتعرف أخبارها ، وقال للصحابة الذين تجهزوا لهذه السرية: (لأبعثن عليكم رجلا أصبركم على الجوع والعطش )، ثم اختار الرسول عبد الله بن جحش ، وجعله أميرًا على أول سرية يبعثها ، وأعطاه كتابًا ، وطلب منه ألا يفتحه إلا بعد أن يسير بأصحابه يومين ، وسار عبد الله بالسرية وبعد يومين فتح الرسالة فإذا مكتوب فيها : ( إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف ، فترصد بها قريشًا وتعلم لنا أخبارهم ) وعندما قرأ عبد الله الرسالة تهلل وجهه بالفرح ، وقال: سمعنا وأطعنا ، والتفت إلى أصحابه وأخبرهم الخبر ، وقال لهم : نهاني رسول الله أن استكره أحدًا منكم ، فمن كان يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق معي ، ومن كره ذلك فليرجع 0
ولما وصلوا إلى المكان الذي وصفه لهم رسول الله ترصدوا لعير قريش حتى قدمت وفيها أربعة من الكفار ، فاستشار عبد الله بن جحش أصحابه في قتالهم ، فوافقوا على ذلك ، فهجموا على المشركين ، وقتلوا واحدًا ، وأسروا اثنين ، و فرَّ الرابع ، وكان ذلك في آخر يوم من شهر جمادى الآخرة ، وأول ليلة من شهر رجب ( أحد الأشهر الحرم ) 0
وأشاعت قريش أن رسول الله يأمر أصحابه بالحرب في الأشهر الحرم ، فحزن الرسول لذلك، وعاتب عبد الله بن جحش وأصحابه ، لكن الله سبحانه أنزل في ذلك قرآنًا ، قال تعالى: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل } 0
اول من خمس الغنائم
ففرح عبد الله وأصحابه ببراءة الله لهم ، وكان عبد الله قد غنم في هذه السرية ، فقسم الغنائم ، وأعطى للرسول خمس الغنيمة ، ولم تكن آية الأنفال قد نزلت ، فكان عبد الله أول من أعطى الخمس لرسول الله في الإسلام، ثم أنزل الله بعدها قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول} ، ثم جاءت غزوة بدر فأبلى فيها عبد الله بلاء حسنًا، وأظهر شجاعة وفروسية، حتى تحقق نصر الله للمسلمين0

دعائه واستشهاده
وفي غزوة أحد، وقف عبد الله بن جحش مع سعد بن أبي وقاص يستعدان للمعركة ، وكل منهما يدعو ربه ، فدعا سعد ربه أن يرزقه رجلاً شديدًا يقتله في سبيل الله ، ويأخذ غنيمته ، فأمن عبد الله على دعاء سعد ، وتوجَّه هو إلى ربه في دعاء خاشع قال فيه : اللهم ارزقْني رجلاً شديدًا حرده ( بأسه )، أقاتله فيك ويقاتلني ، ثم يأخذني ( يقتلني ) فيجدع (يقطع) أنفي وأذني ، فإذا لقيتك غدًا ( يوم القيامة ) قلت: من جَدَعَ أنفك وأذنك ؟ فأقول: فيك وفي رسولك فتقول: صدقت 0 وأمن سعد على دعائه، ثم انطلقا إلى ساحة القتال ، وعلم الله فيه صدق النية وإخلاص القلب والرغبة الحقيقية في الاستشهاد في سبيل الله ، فاستجاب دعاءه ، فقاتل في سبيل الله، وأظهر الشجاعة والبسالة، حتى إن سيفه كسر من كثرة قتله للمشركين ، فأعطاه الرسول عرجون نخلة العرجون أصل الأقرع التي تجمع البلح فتحول هذا العرجون الضعيف في يده سيفًا صارمًا يقاتل به الأعداء ، وبعد طول قتال رزقه الله الشهادة في سبيله حيث هجم عليه أحد المشركين ، وضربه بسيفه ضربة شديدة فاضت بعدها روحه إلى بارئها ، ثم قام هذا المشرك بقطع أنفه وأذنه، فسُميَّ المجدَّع في الله (أي المقطوع الأنف والأذن) ولما رآه سعد بن أبي وقاص على تلك الهيئة قال : كانت دعوته خيرًا من دعوتي وكان عمره آنذاك بضعًا وأربعين سنة ، ودفن - رضي الله عنه - بجوار أسد الله حمزة في قبر واحد ، بعد أن صلَّى عليه رسول الله

عبد الله بن الزبير



نسبه

هو أبن الزبير بن العوام - رضي الله عنه -، وابن ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر ، وخالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، وجده ابي بكر الصديق ( رضي الله عنه )0
ميلاده

وقد وضعته أمه حين وصلت قُباء ، فكان أول مولود للمهاجرين بعد الهجرة ، ثم أتت به أمه الرسول فوضعه في حجره ، ثم دعا بتمرة فمضغها ثم وضعها في فمه ، فكان أول شيء دخل بطنه ريق النبي ثم دعا له بالبركة ، وسماه عبد الله على اسم جده أبي بكر وكناه بكنيته.، وكان ميلاده حدثًا عظيمًا أبطل مزاعم اليهود الذين زعموا أنهم سحروا المسلمين فلن يولد لهم بالمدينة ولد ، وكبَّر الصحابة حين ولد تكبيرة اهتزت المدينة منها0

مبايعتة للرسول ( ص )

ونشأ عبد الله في بيت النبوة حيث تربى في حجر خالته عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - وظهرت عليه علامات الشجاعة منذ طفولته.وذات يوم تحدث بعض الصحابة مع النبي في أمر أبناء المهاجرين والأنصار الذين ولدوا في الإسلام حتى ترعرعوا من أمثال عبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن جعفر ، وعمر بن أبي سلمة ، وقالوا له : لو بايعتهم فتصيبهم بركتك ، ويكون لهم ذكر ؟، وجاءوا بهم إلى النبي فخافوا ووجلوا من النبي إلا عبد الله بن الزبير الذي اقتحم أولهم ، فرآه النبي فتبسَّم ، وقال: ( إنه ابن أبيه ) وبايعه النبي ( وهو ابن سبع سنين.0

جهاده

وكان عبد الله فارسًا شجاعًا يحب الجهاد ، ويذهب مع أبيه ليتدرب على ركوب الخيل والمبارزة ، وشهد معه معارك عديدة منها اليرموك ، واشترك في فتح إفريقية، وهو الذي حمل البشرى إلى الخليفة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - بفتحها 0

عبادته

كان - رضي الله عنه - عابدًا لله، قارئًا لكتاب الله ، قوامًا لليل ، صوامًا للنهار ، قال عنه عمرو بن دينار : ما رأيت مصليًا أحسن صلاة من ابن الزبير وقال ثابت البناني: كنت أمرُّ بابن الزبير وهو خلف المقام يصلي، كأنه خشبة منصوبة لا تتحرك. وكان أحد الذين أمرهم عثمان - رضي الله عنه - بنسخ المصاحف 0
قال عمر بن عبد العزيز يومًا لابن أبي مليكة: صف لنا عبد الله بن الزبير فقال : والله ما رأيت نفسًا رُكبت بين جنبين مثل نفسه ، ولقد كان يدخل في الصلاة ، فيخرج من كل شيء إليها ، وكان يركع أو يسجد فتقف العصافير فوق ظهره وكاهله لا تحسبه من طول ركوعه وسجوده إلا جدارًا 0
واشترك - رضي الله عنه - مع أبيه في موقعة الجمل، وبعد أن أصبح الحكم في يد بني أمية ظل عبد الله على خلاف معهم ، فاعترض على ولاية يزيد بن معاوية ولما توفي يزيد بايعت جميع الولايات الإسلامية عبدالله بن الزبير أميرًا للمؤمنين، واتخذ عبدالله من مكة عاصمة لدولته ، وبسط يده على الحجاز واليمن والبصرة والكوفة والشام كلها ما عدا دمشق ، وظل عبدالله باسطًا يده على هذه البلاد حتى استطاع مروان بن الحكم أن ينتزع منه هذه الولايات عدا الحجاز التي ظلت تحت سيطرة عبدالله 0
ورغم ذلك لم يهدأ الأمويون، فأخذوا يشنون حروبًا متصلة ضد ابن الزبير ، انهزموا في أكثرها حتى جاء عهد عبد الملك بن مروان الذي أرسل الحجاج بن يوسف الثقفي على رأس جيش كبير لغزو مكة عاصمة ابن الزبير ، فحاصرها ستة أشهر مانعًا عن الناس الماء والطعام كي يحملهم على ترك عبد الله بن الزبير ، وتحت وطأة الجوع استسلم الكثير من جنوده ، ووجد عبد الله نفسه وحيدًا ، فقرر أن يتحمل مسئوليته حتى النهاية ، وراح يقاتل جيش الحجاج في شجاعة فائقة وكان عمره يومئذ سبعين سنة 0
وأثناء ذلك ذهب عبد الله إلى أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنها -، وأخذ يشرح لها موقفه ، فقالت له: يا بني، إنك أعلم بنفسك ، إن كنت تعلم أنك على حق ، وتدعو إلى حق ، فاصبر عليه حتى تموت في سبيله، ولا تملك من رقبتك غلمان بني أمية، وإن كنت تعلم أنك أردت الدنيا فلبئس العبد أنت أهلكت نفسك، وأهلكت من قتل معك فقال عبد الله : والله يا أماه، ما أردت الدنيا ، ولا ركنت إليها ، وما جُرْتُ في حكم الله أبدًا ، ولا ظلمت ، ولا غدرت0
فقالت أمه أسماء : أني لأرجو الله أن يكون عزائي فيك حسنًا ، إن سبقتني إلى الله أو سبقتك، اللهم ارحم طول قيامه في الليل، وظمأه في الهواجر ( الأيام الشديدة الحر )، وبرَّه بأبيه وبي ، اللهم أني أسلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين0
استشهاده

وانطلق عبد الله يقاتل الحجاج مع مَنْ تبقَّى معه من المسلمين حتى استشهد ومعه كثير من المسلمين وكان ذلك عام (37هـ). ولما قتل عبد الله كبر أصحاب الحجاج فسمعهم ابن عمر، فقال: أما والله للذين كبروا عند مولده خير من هؤلاء الذين كبروا عند قتله. ثم صلبه الحجاج على إحدى الطرق ، فمرَّ به ابن عمر وهو مصلوب فقال: السلام عليك يا أبا خبيب ، قالها ثلاث مرات، أما والله، لقد كنت أنهاك عن هذا ( يقصد قتال بني أمية ) ثم أخذ يثني عليه ويذكر صيامه وقيامه ومكانته. وجاءت أمه أسماء بنت أبي بكر وكانت عجوزًا مكفوفة البصر، فقالت للحجاج : أما آن لهذا الراكب أن ينـزل ( تقصد عبد الله المصلوب )؟ فأنزله، فغسله المسلمون ودفنوه - رضي الله عنه

يتبع[/align:b5b33912d8]

الساهر
09-09-2007, 07:24 PM
[align=center:7991f9c279]عبد الله بن عمر بن الخطاب

ميلاده

ولد بعد البعثة النبوية الشريفة بثلاث سنوات ، وعندما هاجر كان عمره إحدى عشرة سنة 0
جهاده منذ الصغر

وفي غزوة أحد أراد أن يخرج للجهاد ، فعرض نفسه على النبي فردَّه لصغر سنه، وفي غزوة الخندق ظل يلح على النبي حتى وافق على خروجه، وكان عمره خمس عشرة سنة، واستمر بعد ذلك يجاهد في جميع الغزوات والمواقع 0
تتبعه اثار الرسول ( ص )

وكان - رضي الله عنه - يتبع آثار النبي ويقتدي به في جميع أموره لدرجة أنه كان يتحرى أن يصلي في كل مكان صلى فيه النبي ويسير في كل طريق سار فيه، رجاء أن توافق صلاته أو مشيته مكانًا صلى فيه الرسول أو سار فيه ، وعلم أن النبي نزل تحت شجرة يستظل بها ، فكان عبدالله ينزل عندها ، ويتعهدها بالسقي فيصب في جذرها حتى لا تيبس 0
رؤياه وعبادته

يقول عبد الله : كان الرجل في حياة النبي إذا رأى رؤيا قصها على النبي فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي وكنت غلامًا شابًا ، وكنت أنام في المسجد على عهد النبي فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار ، فإذا هي مطوية كطي البئر ، وإذا لها قرنان ، وإذا فيها أناس قد عرفتهم فجعلت أقول : أعوذ بالله من النار، فلقينا ملك آخر ، فقال لي : لم ترع ( لا تخف )، فقصصتها على حفصة ( أخته وزوج النبي ) ، فقصتها حفصة على النبي فقال : ( نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل ) قال سالم: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً وكان إذا فاتته العشاء في جماعة ، أحيي بقية ليلته ، وكان لعبد الله مهراس ( حجر مجوف ) يوضع فيه الماء للوضوء فيصلي ما قدر له ، ثم يصير إلى الفراش فيغض إغفاء الطائر ( ينام نومًا قصيرًا ) ، ثم يقوم فيتوضأ ويصلي ، يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمسًا
وكان قارئًا للقرآن ، خاشعًا لله، وكلما قرأ أو سمع آية فيها ذكر القيامة بكى حتى تبتل لحيته من كثرة الدموع، فعن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} بكى حتى يغلبه البكاء 0

ورعه

وكان عبد الله من أهل التقوى والورع والعلم، وكان مع علمه الشديد يتحرى في فتواه، ويخاف أن يفتي بدون علم، وقد جاءه يومًا رجل يستفتيه في شيء ، فأجابه معتذرًا: لا علم لي بما تسأل عنه ، ثم فرح وقال: سئل ابن عمر عما لا يعلم فقال : لا أعلم وقال عنه ميمون بن مهران : ما رأيت أتقى من ابن عمر 0
وكان عبد الله يحب الحق ويكره النفاق ، وقد جاء إليه عروة بن الزبير بن العوام وقال له : يا أبا عبد الرحمن ، إنا نجلس إلى أئمتنا هؤلاء فيتكلمون بالكلام ، ونحن نعلم أن الحق غيره فنصدقهم ، ويقضون بالجور ( أي يحكمون بين الناس بغير الحق ) فنقويهم ونحسنه لهم ، فكيف ترى في ذلك ؟فقال ابن عمر لعروة: يابن أخي، كنا مع رسول الله ( نعدَّ هذا النفاق ، فلا أدرى كيف هو عندكم؟
وذات يوم رأى رجلاً يمدح رجلاً آخر ، فأخذ ابن عمر ترابًا ورمى به في وجهه وقال له: إن رسول الله قال: (إذا رأيتم المدَّاحين فاحثوا ( ألقوا ) في وجوههم التراب) وكان رقيق القلب ، حسن الطباع ، لا يسمع ذكر النبي إلا بكى، وما كان يمر بمسجده وقبره إلا بكى حبًّا وشوقًا إليه0
زهده

وكان كارهًا لمناصب الدنيا ، خائفًا من تحمل أعبائها ، وقد أرسل إليه عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، وعرض عليه منصب القضاء فرفض ابن عمر 0

خلقه

وكان حسن الخلق لم يلعن خادمه قط ، ولم يسَبَّ أحدًا طوال حياته ، وقد ارتكب خادمه خطأ ذات مرة فهمَّ أن يشتمه ، فلم يطاوعه لسانه ، وندم على ما همَّ به فأعتقه لوجه الله تعالى 0
تعظيمه للصحابه وللمسلمين

وكان يعظم صحابة النبي ويعرف قدرهم ، وكان يخرج إلى السوق من أجل السلام على المسلمين فقط 0
فضائله

وكان كثير التصدق وجوادًا كريمًا يكثر الإنفاق في سبيل الله، وكان إذا أحب شيئًا أو أعجب به أنفقه في سبيل
الله، وكان من أشد الناس زهدًا في نعيم الدنيا، ومن أحسن الناس حبا لفعل الخير، فيحكى أنه كان مريضًا فقال لأهله : أني أشتهي أن آكل سمكًا فأخذ الناس يبحثون له عن سمك فلم يجدوا إلا سمكة واحدة بعد تعب شديد، فأخذتها زوجته صفية بنت أبي عبيدة فأعدتها ، ثم وضعتها أمامه فإذا بمسكين يطرق الباب ، فقال له ابن عمر : خذ هذه السمكة، فقال أهله : سبحان الله! قد أتْعَبتنا حتى حصلنا عليها ، وتريد أن تعطيها للمسكين ؟ كلْ أنت السمكة وسنعطي له درهما فهو أنفع له يشتري به ما يريد 0
فقال ابن عمر : لا أريد أن أحقق رغبتي وأقضي شهوتي ، إنني أحببت هذه السمكة فأنا أعطيها المسكين إنفاقًا لِمَا أُحِبُّ في سبيل الله 0
وفاته

وبينما كان عبد الله - رضي الله عنه - يؤدي فريضة الحج أصابه سن رمح كان مع أحد الرجال في منى فجرحه، فأدى هذا الجرح إلى وفاته ، ودفن بمكة في سنة (73هـ) ، وقد روى كثيرًا من أحاديث الرسول ، حيث روى ألفين وست مئة وثلاثين حديثًا0

عبد الله بن عباس



ميلاده

ولد - رضي الله عنه - قبل الهجرة بثلاث سنين ، وبايع رسول الله وهو صغير لم يبلغ الحلم ، وهاجر إلى المدينة مع أبويه قبل فتح مكة وهو ابن عم النبي (ص ) ووالد خلفاء الدولة العباسية 0

علمه

وكان ابن عباس - رضي الله عنه - محبًا للعلم منذ صغره ، يقبل عليه ، ويهتم به حفظًا وفهمًا ودراسة ، وما إن اشتد عوده حتى أصبح أعلم الناس بتفسير القرآن وأحكام السنة المطهرة ، يأتي إليه الناس من كل مكان يتعلمون منه أحكام الدين على يديه دعا له رسول الله قائلاً: ( اللهم فقهه في الدين ) ، وكان يسمى بـترجمان القرآن ولقِّب بالحَبْر لكثرة علمه بكتاب الله وسنة رسوله 0
حبه لقضاء حاجات المسلمين

يروى أنه كان معتكفًا في مسجد الرسول فأتاه رجل على وجهه علامات الحزن والأسى ، فسأله عن سبب حزنه فقال له : يا ابن عم رسول الله ، لفلان علي حق ولاء ، وحرمة صاحب هذا القبر (أي قبر الرسول ) ما أقدر عليه فقال له : أفلا أكلمه فيك ؟ فقال الرجل : إن أحببت فقام ابن عباس ، فلبس نعله، ثم خرج من المسجد ، فقال له الرجل: أنسيت ما كنت فيه ؟‍ ( أي أنك معتكف ولا يصح لك الخروج من المسجد ) فرد عليه قائلاً : لا ، ولكن سمعت صاحب هذا القبر والعهد به قريب - فدمعت عيناه - وهو يقول: ( من مشى في حاجة أخيه ، وبلغ فيها كان خيرًا له من اعتكاف عشر سنين ، ومن اعتكف يومًا ابتغاء وجه الله تعالى ، جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق أبعد مما بين الخافقين ( المشرق والمغرب )
وكان يحب إخوانه المسلمين ، ويسعى في قضاء حوائجهم ، وكان يقول: لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهرًا أو جمعة أو ما شاء الله أحب إلي من حجة بعد حجة ، ولهدية أهديها إلى أخ لي في الله أحب إلي من دينار أنفقه في سبيل الله 0
احتجاج عمر به

وكان عمر - رضي الله عنه - يحب عبد الله بن عباس ويقربه من مجلسه ويستشيره في جميع أموره ، ويأخذ برأيه رغم صغر سنه ، فعاب ناس من المهاجرين ذلك على عمر، فقال لهم عمر: أما أني سأريكم اليوم منه ما تعرفون فضله، فسألهم عمر عن تفسير سورة { إذا جاء نصر الله والفتح }، فقال بعضهم: أمر الله نبيَّه إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجًا أن يحمده ويستغفره ، فقال عمر: يا ابن عباس، تكلم فقال عبدالله: أعلم الله رسوله متى يموت ، أي: فهي علامة موتك فاستعد ، فسبح بحمد ربك واستغفره 0
وكان سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - يقول عن ابن عباس : ما رأيت أحدًا أحضر فهمًا ، ولا ألب لبًّا (عقلاً)، ولا أكثر علمًا ، ولا أوسع حلمًا من ابن عباس ، لقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات فيقول : قد جاءت معضلة، ثم لا يجاوز قوله وإن حوله لأهل بدر وكانت السيدة عائشة - رضي الله عنها - تقول: أعلم مَن بقي بالحجِّ ابن عباس 0

عبادته

وكان ابن عباس يقيم الليل ، ويقرأ القرآن ، ويكثر من البكاء من خشية الله 0

تعظيمه للصحابه

وكان متواضعًا يعرف لأصحاب النبي قدرهم ، ويعظمهم ويحترمهم ، فذات يوم أراد زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أن يركب ناقته فأسرع ابن عباس إليه لينيخ له الناقة ، فقال له زيد: تنيخ لي الناقة يا ابن عم رسول الله؟! فرد عليه ابن عباس قائلاً: هكذا أمرنا أن نأخذ بركاب كبرائنا 0
وكان ابن عباس كريمًا جوادًا، وذات مرة نزل أبو أيوب الأنصاري البصرة حينما كان ابن عباس أميرًا عليها ، فأخذه ابن عباس إلى داره وقال له : لأصنعن بك كما صنعت مع رسول الله فاستضافه ابن عباس خير ضيافة 0
وفاته

وأقبل ابن عباس على العلم والعبادة حتى أتاه الموت سنة (67 هـ) حينما خرج من المدينة قاصدًا الطائف ، وكان عمره آنذاك (70) سنة ، وصلى عليه الإمام محمد بن الحنفية، ودفنه بالطائف وهو يقول: اليوم مات رَبَّاني هذه الأمة 0

روايته للحديث

وكان ابن عباس - رضي الله عنه - من أكثر الصحابة رواية عن النبي فبلغ مسنده (1660) حديثًا ، كما كان من أكثر الصحابة فقهًا ، وله اجتهادات فقهية تميزه عن غيره من الصحابة 0


عبد الله بن عمرو بن العاص

تسميته

كان اسمه قبل إسلامه العاص ، فلما أسلم سماه النبي عبد الله وكان النبي يقول نعم أهل البيت أبو عبد الله وأم عبد الله وعبد الله) 0
اسلامه

أسلم عبد الله قبل أبيه ، وكان شديد الحب لله ورسوله وكان يكثر من العبادة ، وقراءة القرآن ، وكتابة أحاديث الرسول وكان يحافظ على حضور مجالس الرسول واستماع حديثه وتدوينه ، حتى أنه سأل الرسول يومًا : يا رسول الله، أأكتب كل ما أسمع منك ؟ فقال ( نعم ) فقال عبد الله : في الرضا والغضب ؟ فقال ( نعم، فإني لا أقول إلا حقًا )

صومه

وعلم النبي ( أنه يصوم كل يوم ولا يفطر ، فقال له: ( كيف تصوم ؟) قال: أصوم كل يوم. فقال وكيف تختم ؟ قال : كل ليلة ، فقال ( صم في كل شهر ثلاثة ، واقرأ القرآن في كل شهر ) ، فقال عبد الله : أطيق أكثر من ذلك ؟ فقال ( صم ثلاثة أيام في الجمعة ) ، فقال عبد الله: أطيق أكثر من ذلك، قال: ( أفطر يومين، وصم يومًا ) ، قال عبد الله : أطيق أكثر من ذلك ، فقال ( صم ، أفضل الصوم صوم داود ، صيام يوم وإفطار يوم ، واقرأ في كل سبع ليالٍ مرة ) وفي رواية : فاقرأه في كل سبع ولا تزد على ذلك ، فإن لزوجك عليك حقًّا ، ولزورك ( ضيوفك ) عليك حقًّا ، ولجسدك عليك حقًّا )، ثم قال له النبي ( فإنك لا تدري لعلك يطول بك عمرٌ ) ولما كبر سنه كان يقول : ليتني قبلت رخصة رسول الله 0

روايته للحديث
روى عبد الله عن النبي أحاديث كثيرة ، وروى أنه قال : حفظت عن رسول الله ألف مثل ، وكان أبو هريرة - رضي الله عنه - يقول: ما كان أحد من أصحاب رسول الله أكثر حديثًا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ولا أكتب 0
فضائله

وكان عبد الله جوادًا كريمًا يحب الإنفاق في سبيل الله ، فكان يملك ثلاثمائة راحلة بمكة ، فجعل منها مائة للمسلمين يركبونها ، ويحملون عليها أمتعتهم ، ومائتين لأهل البلدان البعيدة يذبح لهم منها في موسم الحج ، ويتصدق بها عليهم وكان محبًّا لأبيه عمرو وبارًا به، لقول الرسول له: (أطع أباك ما دام حيًّا)

وفاته

وتوفي عبد الله سنة (65 هـ) في مصر ، وعمره آنذاك (72) سنة


سهيل بن عمرو


أول من رأى الملائكة من المشركين
كان من أشراف قريش وسادتها ، وكان خطيبًا مفوهًا ، يخطب في أهل مكة ليحرضهم على عداوة النبي وأصحابه ، وحارب سهيل في صفوف الشرك في غزوة بدر الكبرى ، وهو الذي قال : لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضًا على خيل بلق ( أي بها سواد وبياض ) بين السماء والأرض ، معلمين ، يقاتلون ، ويأسرون ، يقصد الملائكة التي أنزلها الله لتقاتل مع المسلمين مشركي قريش 0

عاقد صلح الحديبية
وظل سهيل بن عمرو على عناده وكفره حتى خرج النبي وأصحابه قاصدين الحج إلى بيت الله الحرام ، وعندما علمت قريش انتدبت بعض رجالها ليفاوضوا النبي وكان آخرهم سهيل بن عمرو ، وتم صلح الحديبية الذي كان فيه سهيل بن عمرو نائبًا وخطيبًا عن قريش ، فلما رآه رسول الله (قال للمسلمين قد سهل لكم من أمركم )
وقال سهيل للنبي هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا فنادى رسول الله ( علي بن أبي طالب وقال له اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل : أما الرحمن ، فوالله ما أدرى ما هي ولكن اكتب : باسمك اللهم ، كما كنت تكتب فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فقال النبي ( اكتب باسمك اللهم ) فكتبها عليُّ ، ثم قال رسول الله ( اكتب : هذا ما قاض عليه محمد رسول الله ) فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب محمد بن عبد الله ، فقال رسول الله (والله إني لرسول الله وإن كذبتموني ) وقال للكاتب (اكتب محمد بن عبد الله) 0
طلبه الامان
وروى أنه لما فتح رسول الله مكة دخل سهيل داره وأغلق عليه بابه ، ثم أرسل ابنه عبد الله بن سهيل - وكان مسلمًا - إلى النبي يطلب منه الأمان لأبيه ، فذهب عبد الله إلى النبي وقال له : يا رسول الله : أبي تؤمنه ؟ فقال رسول الله ( نعم هو آمن بأمان الله، فليظهر ) ، ثم قال النبي لمن حوله من المسلمين : ( من لقى منكم سهيلا فلا يشدُّ إليه النظر ، فليخرج، فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف ، وما مثل سهيل جهل الإسلام ) 0
ففرح بذلك عبد الله وأسرع عائدًا إلى أبيه يخبره بما قاله رسول الله ( فسرَّ سهيل بما سمع ، وقال : كان والله برًّا صغيرًا وكبيرًا ( يقصد النبي ) ، ثم خرج من بيته يغدو ويروح لا يتعرض له أحد 0
اسلامه

وخرج سهيل مع رسول الله والمسلمين إلى حنين وهو مازال على شركه ، واشترك معهم في القتال ، وانتصر المسلمون ، فلما عاد المسلمون أعلن إسلامه ، فسعد بذلك الرسول والمسلمون ، وأعطاه من غنائم حنين مائة من الإبل 0
وقد حسن إسلامه ، وأصبح كثير العبادة ، وأصبح محبًا لله ورسوله، ومكث بمكة يقيم فيها شعائر ربه ، ويرفع فيها راية الإسلام خفاقة عالية 0

موقفه بعد وفاة الرسول (ص)
حين جاء نبأ وفاة النبي هاج المسلمون في مكة ، وهم بعضهم أن يرتد عن الإسلام ، فتدارك سهيل بن عمرو الموقف ، ووقف خطيبًا في أهل مكة ، فتلا قوله تعالى (: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم علي أعقابكم ومن ينقلب علي عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين) . ثم قال: من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، والله إني أعلم أن هذا الدين سيمتد امتداد الشمس من طلوعها إلى غروبها ، فلا يغرنكم هذا من أنفسكم ، إن موت النبي حق ، والله موجود حيٌّ لا يموت ، والإسلام باقٍ ما بقِيَت السماء والأرض فعاد أهل مكة إلى صوابهم ، وتمسكوا بإسلامهم0

من دلائل النبوة فيه
وتحققت نبوءة النبي حين قال له عمر عن سهيل حين أسر في غزوة بدر : دعني أنزع ثنتيه ، فلا يقوم علينا خطيبًا ، فقال (دعها فلعلها أن تسرك يومًا ) وذات يوم أذن عمر بن الخطاب لأهل بدر في الدخول عليه ، فأذن لبلال وعمار، بينما لم يأذن لمن حضر من سادة قريش ، فكره أبو سفيان ذلك ، وقال غاضبًا : ما رأيت كاليوم قط ، إنه يأذن لهؤلاء العبيد ، ونحن جلوس لا يلتفت إلينا ولا يأذن لنا ، فقال سهيل : أيها القوم ، إني والله قد أرى الذي في وجوهكم ، فإن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم ، فقد دعي القوم ( يقصد البدريين ) ودعيتم إلى الإسلام، فأسرعوا وأبطأتم ، أما والله لما سبقوكم به من الفضل فيما يرون أشد عليكم فوتًا من بابكم هذا الذي تنافسون عليه 0

جهاده واستشهاده
وكان سهيل - رضي الله عنه - شجاعًا ، محبًّا للجهاد في سبيل الله ، وكان يقول : والله لا أدع موقفًا وقفته مع المشركين إلا وقفت مع المسلمين مثله ، ولا نفقة أنفقتها مع المشركين إلا أنفقت على المسلمين مثلها ، لعل أمري أن يتلو بعضه بعضًا 0
وقد دخل سهيل على أمير المؤمنين عمر يسأله عن أمر يستدرك به ما فاته وما سبقه به إخوانه المسلمون، فأشار عليه عمر بالجهاد في سبيل الله على حدود الروم ، فلم يتوان سهيل عن ذلك ، وعزم على أن يقضى باقي عمره مجاهدًا لله ورسوله ، ووقف سهيل يخطب في أشراف مكة ، ويحثهم على الجهاد في سبيل الله ، فقال لهم : والله إني لمرابط في سبيل الله حتى أموت ولن أرجع إلى مكة وخرج سهيل بأهله إلى الشام ، وظل مجاهدًا في سبيل الله عز وجل ، حتى رزقه الله بالشهادة في معركة اليرموك0

أبو سفيان بن حرب

شرفه

والد أم حبيبة زوجة النبي ، ووالد أمير المؤمنين معاوية - رضي الله عنه -، وواحد من أشراف العرب وسادتهم وحكمائهم ، وكان يكبر النبي ( بعشر سنين ، أسلم يوم الفتح ، وشهد مع النبي غزوة حنين ، وأعطاه من غنائمها مائة بعير وأربعين أوقية ، فقال للرسول والله إنك لكريم ، فداك أبي وأمي ، والله لقد حاربتك فنعم المحارب كنت ، ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت ، جزاك الله خيرًا 0
قصة اسلامه

وروى ابن عباس قصة إسلامه فقال: لما أتى به العباسُ يوم الفتح إلى رسول الله وطلب منه أن يأمنه ، قال له الرسول( ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله )، فقال بأبي أنت وأمي ، ما أوصلك وأحلمك وأكرمك ، والله لقد ظننت أنه لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئًا بعد ، فقال : ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ، فقال : بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئًا0
فقال له العباس : ويحك ، أسلم وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله قبل أن تضرب عنقك ، فشهد وأسلم ، فقال العباس : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر والذكر ، فأكرمه الرسول بكرامة عظيمة ، وقال : ( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن دخل الكعبة فهو آمن ، ومن ألقى السلاح فهو آمن ، ومن أغلق بابه على نفسه فهو آمن ) 0
وفي يوم الطائف أصيبت عينه ، فأتى النبي وقال : هذه عيني أصيبت في سبيل الله ، فقال له النبي : ( إن شئت دعوت فردت عليك ، وإن شئت فالجنة ) ، فقال أبو سفيان : الجنة 0
جهاده

وقاتل أبو سفيان يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد ، وسمعه أحد الصحابة وهو يقول : يا نصر الله اقترب ، ثم وقف خطيبًا في الناس ويقول : أيها الناس الله الله إنكم ذادة ( سادة ) العرب وأنصار الإسلام ، وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك، اللهم هذا يوم من أيامك ، اللهم أنزل نصرك على عبادك 0
صدقه ووفاته

وكان أبو سفيان صادقًا حتى مع خصومه ، فلم تمنعه خصومته للنبي قبل إسلامه من قول الصدق أمام هرقل وهو يسأله عن محمد ومات - رضي الله عنه - في خلافة عثمان بن عفان 0

أبو طلحة الأنصاري


عبادته للشجر وقصة اسلامه

إنه أبو طلحة زيد بن سهل الخزرجي الأنصاري - رضي الله عنه - أحد النقباء الاثني عشر الذين حضروا بيعة العقبة ، وكان أبو طلحة يعبد شجرة قبل أن يسلم ، فأراد أن يتزوج أم سليم - رضي الله عنها - ، وكانت مسلمة ، فقالت له : ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد نبت من الأرض ؟ قال : بلى ، قالت: أفلا تستحي أن تعبد شجرة ؟ إن أسلمت فإني لا أريد منك صداقًا ( مهرً ا ) غيره قال : حتى أنظر في أمري، فذهب ، ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، فقالت لولدها أنس : يا أنس زَوِّج أبا طلحة، فزوجه 0

دفاعه للرسول ( ص )

وحضر أبو طلحة مع الرسول كل الغزوات ، وكان في غزوة أحد إذا رمى أبو طلحة سهمًا يرفع بصره ينظر إلى أين يقع السهم ، وكان يدفع صدر الرسول بيده لخوفه عليه ، ويقول : يا رسول الله هكذا لا يصيبك سهم 0
وكان يقول له : نفسي لنفسك الفداء ، ووجهي لوجهك الوقاء وفي غزوة حنين قتل أبو طلحة عشرين رجلاً وأخذ أسلابهم0

تصدقه بأحب ماله

وكان أبو طلحة أكثر الأنصار مالاً ، وكان أحب أمواله إليه ( بيرحاء ) وهى أرض بها نخيل ، وكانت أمام المسجد ، فكان النبي يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ، فلما نزل قوله تعالى : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ، ذهب إلى النبي ( وقال له: إن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله ، فضعها يا رسول الله حيث شئت ، فقال ( بخٍ ، ذلك مال رابح ، ذلك مال رابح ، وقد سمعت ما قلت فيها ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين ) ، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه 0

جهاده

وكان أبو طلحة كثير الصيام ، وكان حريصًا على الجهاد رغم كبر سنه لقوله تعالى: { انفروا خفافًا وثقالا }، فكان يقول لأبنائه: لا أرى ربنا إلا يستنفرنا شبابا وشيوخًا ، يا بني جهزوني ، فإني خارج معكم إلى الغزو ، فيقول أبناؤه: يرحمك الله يا أبانا ، قد غزوت مع الرسول حتى مات ، وغزوت مع أبي بكر حتى مات ، وغزوت مع عمر حتى مات ، فدعنا نغزو عنك ، ولكنه صمم على رأيه ، ولبس ثياب الحرب ، وخرج معهم 0
قصة وفاته

ومات أثناء غزوة في البحر ، ولم يجد الصحابة جزيرة قريبة ليدفنوه فيها إلا بعد سبعة أيام ، ولم تتغير رائحة جسده 0
وكان موته -رضي الله عنه- سنة (20 هـ ) 0


حسان بن ثابت

نسبه

حسان بن ثابت بن المنذر الأنصاري - رضي الله عنه -، وكان يكنى أبا عبد الرحمن ، وأبا الوليد ، وأبا الحسام، ويقال له : شاعر رسول الله وهو أحد فحول الشعراء ، وكان شعره في الجاهلية من أجود الشعر ، قال عنه أبو عبيدة : فُضِّل حسان على الشعراء بثلاث : كان شاعر الأنصار في الجاهلية ، وشاعر النبي في أيام النبوة ، وشاعر اليمن كلها في الإسلام 0
شاعر الرسول (ص)
وكان يضع له منبرًا في المسجد وهو ينشد الشعر ، ويقول: ( إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما ينافح ( يدافع ) عن رسول الله ) وقال له النبي ( اهج - يعنى المشركين - وجبريل معك ) وقال له (اهج قريشًا ، فإنه أشد عليهم من رشق النبل ) 0
وعندما استأذن حسان النبي ( في هجاء قريش ، قال له ( فكيف بنسبي ؟ ) فقال : والله لأسلنَّك ( أنزعك ) منهم كما تُسلُّ الشعرة من العجين فقال له ( إيت أبا بكر ، فإنه أعلم بأنساب القوم منك ) ، فكان حسان يذهب إلى أبي بكر ليعرف منه أنسابهم فلما سمعت قريش هجاء حسان لهم ، قالوا : إن هذا الشعر ما غاب عنه ابن أبي قحافة ( أي: أبا بكر ). وقد هجا حسان أبا سفيان، قائلاً :

هَجَوْتَ مُحَمّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ وَعَنْدَ اللَّهِ في ذَاكَ الجــَزَاءُ
هَجَوْتَ مُطَهرًا بـــرَّا حَنِيفًا أمين الله شِيمتُه الوفــاءُ
فإنَّ أبي وَوَالِدَتِي وَعِرضي لِعِرْضِ مُحَمّدٍ مِنْكُم وِقَاءُ

وقد أعطاه النبي ( جارية اسمها سيرين ، وهى التي أرسلها المقوقس حاكم مصر هدية له ( مع أختها مارية، فتزوجها حسان ، وأنجبت له عبد الرحمن. وقال حسان في وصف النبي

مَتَى يَبْدُ في الدَّاجِي البَهيمِ جَبِينـُه يَلُحْ مثلَ مِصْبَاحِ الدُّجى المتوقدّ
فَمَنْ كَانَ أوْ مَنْ قَدْ يَكُونُ كأَحْمَدٍ نِظَام لحقِّ أوْ نِكَال لِملْحِــدِ

حسان وعمر
ومرَّ به عمر وهو ينشد الشعر في المسجد ، فقال : أتنشد مثل هذا الشعر في مسجد رسول الله فقال حسان : لقد كنت أنشد وفيه من هو خير منك ( أي: النبي ) ، فسكت عمر 0

وقيل لحسان : ضعف شعرك في الإسلام يا أبا الحسام فقال : إن الإسلام يمنع من الكذب ، وإن الشعر يزينه الكذب ، والشعر الجيد يقوم على المبالغة في الوصف ، والتزيين بغير الحق ، وذلك كله كذب

وفاته

وتوفي حسان في خلافة عليّ ، وعمره مائة وعشرون عامًا ، ستون منها في الجاهلية ، وستون في الإسلام 0

خالد بن سعيد


اسلامه

خالد بن سعيد بن العاص - رضي الله عنه -، أسلم مبكرًا ، فلم يكن قد سبقه إلى الإسلام سوى ثلاثة أو أربعة ، وقيل إنه أسلم مع أبي بكر الصديق -رضي الله عنه - 0
ويروى في إسلامه أنه قام مفزوعًا من نومه ذات يوم ، وهو يقول : أحلف بالله إنها لرؤيا حق فلقى أبا بكر الصديق -رضي الله عنه - فقال: إني رأيت في منامي أني واقف على شفير نار عظيمة ، وأبي يدفعني نحوها ، ورسول الله يمنعني من أن أقع فيها ، ويجذبني من ملابسي بيده اليمنى المباركة 0
فقال له أبو بكر - رضي الله عنه - : إنه لخير أريد لك ، هذا رسول الله فاتبعه ، وإنك ستتبعه في الإسلام الذي يحجزك من أن تقع فيها ، وأبوك واقع فيها 0
وانطلق خالد يبحث عن الرسول حتى وجده عند جبل بمكة يسمى أجياد ، ثم سأله : يا محمد ، إلى من تدعو ؟ فقال الرسول ( أدعوك إلى الله وحده لا شريك له ، وأن محمدًا عبده ورسوله ، وتخلع ( تترك ) ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر ، ولا يضر ولا ينفع ، ولا يدرى من عَبَده ممن لم يعبده 0
فقال خالد : فإني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنك رسول الله ، ففرح الرسول بإسلامه 0
ولما علم أبوه سعيد بن العاص بإسلامه ، أرسل إليه أحد إخوته ، ولم يكونوا أسلموا بعد ، فجاء خالد ووقف أمام والده ، فأخذ أبوه يشتمه ، ويسبه ، ويضربه بمقرعة كانت في يده حتى كسرها على رأسه ، ثم قال : اتبعت محمدًا وأصحابه ، وأنت ترى خلافه مع قومه ، وما جاء به من عيب آلهتهم ، وعيب من مضى من آبائهم فقال خالد : نعم تبعته على ما جاء به ، فصاح أبوه فيه قائلا : اذهب يا أحمق حيث شئت ، فوالله لأمنعنك القوت ( أي الطعام ) ، فقال خالد: إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به ، ثم طرده من بيته ، وقال لإخوته : لا يكلمه أحد منكم إلا صنعت به ما صنعت بهذا اللئيم وغادر خالد دار أبيه بكل ما فيها من نعيم ، وذهب إلى الرسول ، وظل معه، يعيش بجواره، وينهل من علمه وفضله 0
هجرته

وعندما أمر رسول الله أصحابه بالهجرة الثانية إلى الحبشة ، كان خالد من أوائل من خرج إليها ، ومكث هناك ما شاء الله له أن يمكث ، ورزقه الله بابنه سعيد وابنته أم خالد ثم يعود خالد مع إخوانه إلى المدينة بعد فتح خيبر 0
جهاده

ويقيم بجوار رسول الله ويشاركه في فتح مكة وحنين والطائف ، وتبوك، لا يتخلف عن غزوة، ولا يتقاعس عن جهاد، ثم بعثه الرسول واليًا على اليمن 0

اسلام اخوته وجاهدهم
شاء الله تعالى أن يهدى إخوته إلى الإسلام ، فأسلموا جميعًا ، وشاركوا الرسول غزواته ، ثم جعلهم أمراء على بعض الإمارات 0
ولما توفي الرسول ترك خالد وإخوته الإمارات ، ورجعوا إلى المدينة ، فقال لهم أبو بكر: ما لكم رجعت عن عمالتكم ، ما أحد أحق بالعمل من عمال رسول الله ارجعوا إلى أعمالكم فقالوا: نحن بنو أبي أحيحة ( لقب لأبيهم ) لا نعمل لأحد بعد رسول الله أبدًا. ثم ذهبوا إلى الشام يجاهدون في سبيل الله حتى قتلوا جميعًا هناك 0
وقد قيل: ما فتحت بالشام بلدة إلا وجد فيها رجل من بني سعيد بن العاص ميتًا وكان خالد - رضي الله عنه - شديد الحب لله ولرسوله حتى إن أباه سعيد بن العاص مرض ذات يوم ، فقال: لئن رفعني الله من مرضي هذا ، لا يعبد إله ابن أبي كبشة بمكة أبدًا ( يقصد بابن أبي كبشة رسول الله ) فلما سمع خالد ما يقوله أبوه قال: اللهم لا ترفعه فمات أبوه في مرضه ذلك 0
وفاته

واستشهد خالد بن سعيد - رضي الله عنه - في معركة أجنادين في جمادى الأولى سنة (13 هـ) قبل وفاة أبي بكر، وقيل : استشهد في معركة مرج الصفر سنة (14هـ) في بداية خلافة عمر -رضي الله عنه - 0


خبيب بن عدي


نسبه

أحد الأنصار الصادقين ، من قبيلة الأوس ، لازم النبي منذ أن هاجر إليهم ، وكان عَذْبَ الروح ، قوي الإيمان ، وصفه شاعر الإسلام حسان بن ثابت فقال :
صقرًا توسَّط في الأنصار منصـبُه
سَمْحَ السَّجِيَّةَ مَحْضًا غير مُؤْتَشَب
شارك في غزوة بدر، فكان جنديًّا باسلاً، ومقاتلاً شجاعًا ، قتل عددًا كبيرًا من المشركين من بينهم الحارث بن عامر بن نوفل 0
اسره وبيعه لقتله
وذات يوم أراد النبي أن يعرف نوايا قريش ، ومدى استعدادها لغزو جديد ، فاختار عشرة من أصحابه من بينهم خُبيب بن عدي، وجعل عاصم بن ثابت أميرًا عليهم ، وانطلق الركب ناحية مكة حتى اقتربوا منها ، فوصل خبرهم إلى قوم من بني لحيان فأخذوا يتتبعونهم ، وأحسَّ عاصم أنهم يطاردونهم ، فدعا أصحابه إلى صعود قمة عالية على رأس جبل ، فاقترب منهم مائة رجل من المشركين وحاصروهم ، ودعوهم إلى تسليم أنفسهم بعد أن أعطوهم الأمان ، فنظر الصحابة إلى أميرهم عاصم فإذا هو يقول : أما أنا فوالله لا أنزل في ذمة مشرك ، اللهم أخبر عنا نبيك ، فلما رأى المشركون أن المسلمين لا يريدون الاستسلام رموهم بالنبال ، فاستشهد عاصم ومعه ستة آخرون ، ولم يبق إلا خبيب واثنان معه ، هما زيد بن الدثنة ومرثد بن أبي مرثد ، ولما رأى مرثد بداية الغدر حاول الهرب فقتله البغاة ، ثم ربطوا خبيبًا وزيدًا وساروا بهما إلى مكة حيث باعوهما هناك وعندما سمع بنو حارث بوجود خبيب أسرعوا بشرائه ليأخذوا بثأر أبيهم الذي قتله خبيب يوم بدر ، وظل خبيب في بيت عقبة بن الحارث أسيرًا مقيدًا بالحديد 0
إطعام الله له
وذات يوم دخلت عليه إحدى بنات الحارث فوجدت عنده شيئًا عجيبًا، فخرجت وهي تناديهم وتقول: والله لقد رأيته يحمل قطفًا (عنقودًا ) كبيرًا من عنب يأكل منه ، وإنه لموثق ( مقيد ) في الحديد، وما بمكة كلها ثمرة عنب واحدة ، ما أظنه إلا رزقًا رزقه الله خبيبًا 0
ولما أجمع المشركون على قتل خبيب استعار موسيًا من إحدى بنات الحارث ليستحد بها ( يزيل شعر العانة ) فأعارته ، وكان لهذه المرأة صبي صغير ، غفلت عنه قليلا ، فذهب الصبي إلى خبيب فوضعه على فخذه ، وفي يده الموسى ، فلما رأته المرأة فزعت وخافت على صبيها ، فقال لها خبيب أَتَخْشِينَ أَنْ أَقْتُلَهُ ؟ ما كنت لأفعل إن شاء الله ، فقالت المرأة: ما رأيت أسيرًا خيرًا من خبيب 0

اول من سن الركعتين عند القتل
وأراد المشركون أن يدخلوا الرعب في قلب خبيب ، فحملوا إليه نبأ مقتل زيد بن الدثِنَّة ، وراحوا يساومونه على إيمانه ، ويعدونه بالنجاة إن هو ترك دين محمد ، وعاد إلى آلهتهم ، ولكن خبيبًا ظل متمسكًا بدينه إلى آخر لحظة في حياته ، فلما يئسوا منه أخرجوه إلى مكان يسمى التنعيم ، وأرادوا صلبه ( تعليقه )، فاستأذن منهم أن يصلي ركعتين ، فأذنوا له ، فصلى خبيب ركعتين في خشوع ، فكان بذلك أول من سنَّ صلاة ركعتين عند القتل وبعد أن فرغ من صلاته نظر إليهم قائلاً: والله لولا أَنْ تَحْسَبُوا أَنَّ بي جزعًا ( خوفًا ) من الموت لازْددت صلاة ثم رفع يده إلى السماء ودعا عليهم : ( اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا )، ثم أنشد يقول :

وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًــا
عَلَى أي جَنْبٍ كَانَ في اللهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ في ذَاتِ الإلهِ وإنْ يَشَـــأ
يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شَلْوٍ ممَـــزَّع

استشهاده وصلبه
ثم قاموا إلى صلبه ، وقبل أن تقترب منه سيوفهم ، قام إليه أحد زعماء قريش وقال له : أتحب أن محمدًا مكانك ، وأنت سليم معافى في أهلك ، فيصيح خبيب فيهم قائلاً : والله ما أحب أني في أهلي وولدي ، معي عافية الدنيا ونعيمها ، ويصاب رسول الله بشوكة 0
إنها الكلمات التي قالها زيد بن الدثنة بالأمس يقولها خبيب اليوم ، مما جعل أبا سفيان - ولم يكن قد أسلم - يضرب كفًا بكف ويقول : والله ما رأيت أحدًا يحب أحدًا كما يحب أصحاب محمدٍ محمدًا 0
وما كاد خبيب ينتهي من كلماته هذه حتى تقدم إليه أحد المشركين ، وضربه بسيفه ، فسقط شهيدًا ، وكانوا كلما جعلوا وجهه إلى غير القبلة يجدوه مستقبلها ، فلما عجزوا تركوه وعادوا إلى مكة 0
بلع الارض له
وبقى جثمان الشهيد على الخشب الذي صلب عليه حتى علم النبي ( بأمره، فأرسل الزبير بن العوام والمقداد بن عمرو فأنزلاه ، ثم حمله الزبير على فرسه ، وهو رطب لم يتغير منه شيء ، وسار به ، فلما لحقهما المشركون قذفه الزبير ، فابتلعته الأرض ، فَسُمِّيَ بَلِيع الأرض 0

سعيد بن عامر



زهده

أحد كبار الصحابة ، أسلم قبل فتح خيبر ، ولازم رسول الله في جميع غزواته ، وكان تقيًّا ورعًا زاهدًا ، فذات يوم أخذ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يبحث عن صحابي يوليه على الشام ، وكانت الشام في ذلك الحين بلدًا كبيرًا، ومركزًا هامًا للتجارة ، ودار إغراء لكثرة ثرواتها ، ولا يصح لها في نظر عمر إلا زاهد تفر أمام زهده كل شياطين الإغراء وبعد قليل صاح عمر قائلاً : ائتوني بسعيد بن عامر ، فجاء سعيد إلى أمير المؤمنين ، فعرض عليه ولاية حمص ، فاعتذر سعيد قائلاً : لا تفتني يا أمير المؤمنين ، ولكن عمر أصر على رأيه وقال : والله لا أدعك ، أتضعون أمانتكم وخلافتكم في عنقي ، ثم تتركونني فوافق سعيد سمعًا وطاعة لأمير المؤمنين ، وخرج إلى حمص ومعه زوجته ، وكانا عروسين جديدين ، وزوده عمر بقدر من المال ولما وصلا إلى حمص أرادت زوجته أن تستفيد من المال الذي أعطاه عمر لهما ، فأشارت على زوجها سعيد أن يشتري لها ما يلزمها من الثياب والمتاع ، ثم يدخر الباقي ، فقال لها سعيد : ألا أدلك على خير من هذا ؟ نحن في بلاد تجارتها رابحة ، وسوقها رائجة ، فلنعط هذا المال لمن يتاجر لنا فيه ويزيده فقالت : فإن خسرت تجارته ؟ قال سعيد : سأجعل ضمانها عليه ، فقالت : نعم، وخرج سعيد فاشترى بعض ضرورات حياته ، ثم تصدق بجميع ماله على الفقراء والمحتاجين ، وكانت زوجته كلما سألته عن التجارة ، يقول لها: إنها تجارة موفقة ، وإن الأرباح تزيد كل يوم ، وذات يوم أعادت سؤالها عليه أمام قريب لهما يعرف حقيقة الأمر ، ويعلم ما صنعه سعيد ، فضحك ضحكة فهمت منها الزوجة شيئًا ، فألحت عليه أن يصارحها بالحقيقة ، فقال لها : إنه تصدق بالمال كله في ذلك اليوم البعيد ، فبكت زوجته ، وحزنت على المال الذي لم تنتفع منه بشيء ، فنظر إليها سعيد ، وقال: لقد كان لي أصحاب سبقوني إلى الله ، وما أحب أن أنحرف عن طريقهم ، ولو كانت لي الدنيا بما فيها ثم قال : تعلمين أن في الجنة من الحور العين ، والخيرات الحسان ، ما لو أطلت واحدة منهن على الأرض لأضاءتها جميعًا ، ولقهر نورها نور الشمس والقمر معًا ، فلأن أضحي بك من أجلهن أحرى وأولى من أن أضحى بهن من أجلك فاقتنعت زوجته ، وعلمت أن ما فعله زوجها هو الصواب 0

حب اهل الشام له
وكان أهل الشام يحبون سعيد بن عامر حبًّا شديدًا ، ويفرحون بإمارته وولايته عليهم ، حتى إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال له يومًا : إن أهل الشام يحبونك ، فقال له سعيد : لأني أعاونهم ، وأواسيهم وحدث أن اشتكاه بعضهم لأمير المؤمنين عمر فعندما سألهم عمر قائلا : ما تقولون في سعيد ؟ فقال بعضهم : نشكو منه أربعًا لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار ، ولا يجيب أحدًا بليل ، وله في الشهر يومان لا يخرج فيهما إلينا ولا نراه ، وأخرى لا حيلة له فيها ولكنها تضايقنا ، وهى أنه تأخذه الغشية ( الإغماء ) بين الحين والحين ، فقال عمر في نفسه : اللهم إني أعرفه من خير عبادك ، اللهم لا تخيب فيه فراستي ، ثم دعا عمر سعيدًا ليدافع عن نفسه ، فقال سعيد : أما قولهم: إني لا أخرج إليهم حتى يتعالى النهار ، فوالله لقد كنت أكره ذكر السبب ، إنه ليس لأهلي خادم ، فأنا أعجن عجيني ، ثم أدعه ( أتركه ) حتى يختمر ، ثم أخبز خبزي ، ثم أتوضأ للضحى ، ثم أخرج إليهم . أما قولهم: لا أجيب أحدًا بليل ، فوالله لقد كنت أكره ذكر السبب ، إني جعلت النهار لهم ، والليل لربي وأما قولهم : إن لي يومين في الشهر لا أخرج فيهما ، فليس لي خادم يغسل ثوبي ، وليس لي ثياب أبدلها ، فأنا أغسل ثوبي ، ثم أنتظر حتى يجف ، ثم في آخر النهار أخرج إليهم ،
وأما قولهم: إن الغشية تأخذني بين الحين والحين ، فقد شهدت خبيب بن عدي حين صلب بمكة، وهم يقولون له: أتحب أن محمدًا مكانك ، وأنت سليم معافى ؟ فيجيبهم قائلاً : والله ما أحب أني في أهلي وولدي، معي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة ، ثم دعا عليهم قائلاً : اللهم أحصهم عددًا ، واقتلهم بددًا ، ولا تبق منهم أحدًا ، فكلما تذكرت ذلك المشهد الذي رأيته ، وأنا يومئذ من المشركين ، أرتجف من عذاب الله ، ويغشاني الذي يغشاني 0ففرح عمر لما سمع هذا ، وقام يعانق سعيدًا ويقبل جبهته ويقول: الحمد لله الذي لم يخيب فراستي 0

تصدقه براتبه
وكان سعيد - رضي الله عنه - يتصدق براتبه على الفقراء والمحتاجين، ولقد قيل له يومًا : توسع بهذا الفائض على أهلك وأصهارك. فقال: ولماذا أهلي وأصهاري ؟ لا والله ، ما أنا ببائع رضا الله بقرابة ، ما أنا بالمتخلف عن الرعيل الأول (أوائل الصحابة) 0
وفي غزوة اليرموك، كثر عدد الروم ، فاستغاث قادة الجيوش الإسلامية بأبي بكر - رضي الله عنه - فأمدهم بسعيد بن عامر 0

وفاته

وتوفي سعيد -رضي الله عنه- سنة (20 هـ) في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب، وهو ابن أربعين سنة0

أبو سفيان بن الحارث
نسبه

أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب - رضي الله عنه - أحد فضلاء الصحابة ، وابن عم النبي وأخوه في الرضاعة إذ أرضعتهما حليمة السعدية ، قال فيه النبي ( أبو سفيان بن الحارث سيد شباب أهل الجنة ، أو سيد فتيان أهل الجنة ) وكان أبو سفيان قبل إسلامه يعادي النبي ويهجوه بشعره ، ولا يتخلف عن موضع تسير فيه قريش لقتاله0
وعندما عاد أبو سفيان بن الحارث من بدر ، ناداه أبو لهب : يابن أخي ، هلم إلينا ، حدثنا كيف كان أمر الناس ؟ فقال أبو سفيان : والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا ، ويأسروننا كيف شاءوا ، وأيم الله مع ذلك ما لمتُ الناس ، لقينا رجالاً بيضًا على خيل بُلق بين السماء والأرض ، والله ما تليق شيئًا ، ولا يقوم لها شيء ولا يقف أمامها شيء 0
اسلامه
وفي الوقت الذي توجه فيه النبي إلى مكة عام الفتح ، كان الله قد ألقى الإسلام في قلب أبي سفيان بن الحارث ، فخرج هو وابنه جعفر ، وعبد الله بن أبي أمية ، ولقوا النبي فأعرض عنهم ، فقالت أم سلمة ، لا يكن ابن عمك وأخو ابن عمتك أشقى الناس بك فقال علي بن أبي طالب لأبي سفيان : إيت رسول الله من قبل وجهه ، فقل له ما قال أخوة يوسف ليوسف: { تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين } ، فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن قولاً منه، ففعل أبو سفيان ذلك فقال له الرسول { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين } وأسلم أبو سفيان وحسن إسلامه 0

جهاده

وشهد مع الرسول غزوة حنين ، وثبت معه عندما فرَّ المسلمون ، وأمسك بلجام فرسه وراح يضرب رءوس الكفار حتى عاد المسلمون إلى مكانهم ، وقاتلوا مع نبيهم ، ولما انتهت المعركة نظر فوجد أحد أصحابه ممسكا بلجام فرسه ، فقال: ( من هذا؟ ) فقال أبو سفيان: أنا ابن أمك يا رسول الله 0

وفاته

ولما مات الرسول حزن عليه أبو سفيان حزنًا شديدًا ، ورثاه بالشعر ، وذات يوم خرج أبو سفيان للحج ، وهناك وافته منيته ، حيث قطع الحلاق دملاً كان في رأسه ، ثم وجدوه يحفر قبرًا ، فتعجبوا من ذلك ، فقال لهم : إني أعد قبري ولم تمض ثلاثة أيام حتى مرض ، فبكى عليه أهله ، فلما رآهم يبكون قال لهم : لا تبكوا علي فإني لم أتلطخ بخطيئة منذ أسلمت0


قتادة بن النعمان

أحد الأنصار الذين شهدوا بيعة العقبة، وعاهدوا الرسول على أن ينصروه ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم ، ووفوا له بعهدهم ، فرضوان الله عليهم أجمعين0
جهاده

جاهد قتادة مع الرسول جهادًا عظيمًا ، وعندما اشتد القتال يوم أحد ، ولاحت في سماء المعركة هزيمة المسلمين انتهز المشركون هذه الفرصة ليتخلصوا من رسول الله خاصة بعد أن انفضّ عنه أكثر أصحابه ، ولم يبق معه إلا قليل ، وكان قتادة - رضي الله عنه - واحدًا من أولئك القليل ، وكان الرسول قد دفع إليه قوسًا ، فأخذها وظل يرمي بها بين يدي رسول الله حتى لم تعد صالحة للرمي فوجد قتادة - رضي الله عنه - نفسه، وليس معه ما يدافع به عن نبيه وهو أحب الناس إليه ، فوضع جسده أمام رسول الله ليتلقى عنه السهام المصوبة نحوه 0
اصابه عينه
أصاب سهم وجهه فسالت منه عين قتادة - رضي الله عنه - على خده ، ورأى الصحابة أن عين قتادة بن النعمان قد أصيبت ، فسالت حدقته على وجنته ، ورأى الصحابة ما أصاب أخاهم فأشاروا عليه بقطعها ، ولكنه ذهب إلى رسول الله وهو يحمل عينه في كفه ، فلما رآه رسول الله رقَّ له، ودمعت عيناه ، وقال: ( اللهم إن قتادة قد وقى وجه نبيك بوجهه ، فاجعلها أحسن عينيه وأحدَّهما نظرًا ) فاستجاب الله لدعوة نبيه0
قصته مع العرجون
وفي ليلة مظلمة من ليالي الشتاء شديدة البرد حيث يقل الساعون إلى المسجد للصلاة ، تحن نفس قتادة - رضي الله عنه - إلى رؤية النبي ويقول في نفسه : لو أتيت رسول الله وشهدت معه الصلاة وآنسته بنفسي ، فقام وخرج إلى المسجد فلما دخل برقت السماء ( أضاءها البرق ) فرآه رسول الله ( فقال: (ما السُّري يا قتادة ؟ ) ما هاج عليك (أي ما الذي أخرجك في هذه الليلة ) فقال قتادة - رضي الله عنه -: إن شاهد الصلاة الليلة قليل فأحببت أن أشهدها معك بأبي أنت وأمي وأؤنسك بنفسي فقال: ( فإذا صليت فأت ) قال قتادة: فأتيته فقال : خذ هذا العرجون فتحصَّن به ، فإنك إذا خرجت أضاء لك عشرًا ( أي أمامك وعشرًا خلفك ) ، ثم قال لي: ( فإذا دخلت البيت ورأيت سوادًا في زاوية البيت فاضربه قبل أن يتكلم فإنه شيطان ) ، فلما دخلت البيت وجدته كما وصف لي ، فضربته حتى خرج من بيتي 0
تأييد الله له
و يرويها المفسرون أكرم الله بها قتادة - رضي الله عنه -، فقد كان رفاعة بن زيد - رضي الله عنه - عمًا لقتادة بن النعمان - رضي الله عنه - وكانت له مشربة ( غرفة ) يضع فيها طعامه وشرابه ، فعمد رجل من المنافقين اسمه بشر بن أبيرق إلى تلك المشربة فنقبها ( أحدث بها فتحة ) ، وأخذ ما فيها من طعام وسلاح ، فلما أصبحوا جاء قتادة إلى عمه فأخبره بالخبر ، فأخذا يتحسسان الأمر ليعلما من الذي اعتدى على غرفتهما ، وأخذ الطعام والسلاح إلى أن تأكد لهما أن الذي صنع ذلك هو ابن أبيرق ، فقال رفاعة لابن أخيه : لو أتيت رسول الله فقلت: يا رسول الله ، إن أهل بيت منا أهل جفاء ، عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا شربة له ، وأخذوا سلاحه وطعامه ، فليردوا علينا سلاحنا ، وأما الطعام فلا حاجة لنا فيه ، ولكن المنافقين من بني أبيرق ومن ناصرهم لا يفقهون ، عمدوا إلى رسول الله ( فكذبوا عليه ليضلوه، قالوا: يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت من أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ، وكذبوا ، ورسول الله بشر لا يعلم من الغيب شيئًا إلا ما يخبره به ربه ، وجاء قتادة - رضي الله عنه- ليعرف منه الجواب ، فلقيه رسول الله محتدًا يقول له : عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة من غير بينة تثبت ، وكانت مفاجأة لقتادة - رضي الله عنه - حين غاب عنه أنه لا يجوز اتهام الناس من غير بينة ولا دليل فخشى قتادة أن يكون رسول الله قد غضب عليه ، وأخذ يقول في نفسه : لوددت أني خرجت من أهلي ومالي (فُقدت) ولم أكلم رسول الله في ذلك ويأتيه عمه يسأله : يابن أخي ما صنعت ؟ فيخبره بما قال رسول الله فيقول عمه : كما قال نبي الله يعقوب : فصبر جميل والله المستعان 0
وينزل القرآن ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيمًا. واستغفر الله إن الله كان غفورًا رحيمًا ) . ويدعو الرسول قتادة فيقرؤه عليه ، ويأتي بالسلاح فيدفعه إليه ليرده إلى عمه رفاعة ، ففرح قتادة بتأييد الله له ، فحمل السلاح إلى عمه ، فينتفض الرجل فرحًا ليس لرجوع سلاحه وعتاده ، لكن لمثل ما فرح به قتادة ، ثم يزيد فيقول : يابن أخي هي في سبيل الله
وفاته

توفي قتادة -رضي الله عنه- في خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فحضر عمر جنازته وصلى عليه 0


عبد الرحمن بن أبي بكر

يكنى أبا عبد الله، وقيل أبا محمد، وأمه أم رومان بنت الحارث ، وهو شقيق أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -0
كان أشجع رجال قريش ، وأرماهم بسهم ، وقف ضد المسلمين في بدر ، وكان أحد الرماة الذين جندتهم قريش يوم أحد، تأخر إسلامه حتى هدنة الحديبية ( الفترة التي توقف فيها القتال )، رغم أن أباه كان أول الناس إيمانًا بالله ورسوله كان على رأس رماة قريش في غزوة أحد ، وقبل أن يلتحم الجيشان ، وقف عبد الرحمن متحديًا يدعو من يبارزه من المسلمين ، ونهض أبوه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ليبارزه، لكن رسول الله أمسك به ومنعه من مبارزة ولده 0
اسلامه

وظل عبد الرحمن يحارب دين الله حتى شرح الله صدره للإيمان ، فاندفع إلى الرسول معلنًا إسلامه ، فتألق وجه أبي بكر ، وفرح حينما رأى ابنه يبايع رسول الله 0
جهاده
وانطلق عبد الرحمن بعد إسلامه يدافع عن رسول الله ليعوض ما فاته ، وبعد وفاة الرسول ظل يجاهد في سبيل الله مع الخلفاء الراشدين ، لا يتخلف عن غزو ، ولا يقعد عن جهاد ، وفي يوم اليمامة وقف موقفًا عظيمًا ، وجاهد جهادًا كبيرًا ، وكان له دور كبير في كسب المعركة حيث قتل محكم بن الطفيل العقل المدبر لمسيلمة الكذاب ، والذي كان يحمي بقوته أهم أماكن الحصن الذي احتمى فيه جيش مسيلمة ، فلما قتل محكم بسهم من عبد الرحمن تفرق من معه ، وانفتح الحصن ، فتدفق المسلمون داخله ، وتم نصر الله ، وقد قتل عبد الرحمن سبعة من الكفار في هذه المعركة ، وشارك في فتح الشام في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب 0
عبادته
وكان - رضي الله عنه - صالحًا ، يخلص لله في عبادته ، ويخاف عقابه، وكان يتمتع بروح الدعابة والظرف رضي الله عنه 0

عبد الله بن حذافة


نسبه

عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي - رضي الله عنه - أحد السابقين إلى الإسلام ، هاجر إلى الحبشة ، ثم إلى المدينة 0
سفير الرسول ( ص) الى الروم
لما بدأ رسو الله في ارسال رسائله الى ملوك الاقطار ، أرسله النبي برسالة إلى كسرى 0

دعابته

وكان عبد الله رجلا يحب المرح ، فقد بعثه النبي في سرية ، وجعل عليهم علقمة بن مجزر ، فاستأذنت طائفة منهم في الطريق ، فأذن لهم علقمة ، وأمَّر عليهم عبد الله بن حذافة ، وبينما هم في الطريق ، أوقد القوم نارًا ليتدفئوا ، ويصنعوا عليها طعامًا ، فقال لهم عبد الله : أليس لي عليكم السمع والطاعة ؟ قالوا : بلى ، قال فإني أعزم عليكم بحقي وطاعتي إلا تواثبتم في هذه النار ، فقام ناس فتحجزوا حتى إذا ظن أنهم واقعون فيها ، قال: أمسكوا إنما كنت أضحك معكم ، فلما قدموا على النبي ذكروا ذلك له ، فقال: ( من أمركم بمعصية فلا تطيعوه )
تحريرة للاسرى من الروم
وفي خلافة عمر، خرج عبد الله مع جيش المسلمين المتجه إلى الشام لقتال الروم ، فأسره الروم ومعه بعض المسلمين ، وذهبوا به إلى قيصر ، فقال له قيصر : هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف ملكي؟ فقال عبد الله : لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ملك العرب ، ما رجعت عن دين محمد طرفة عين فقال قيصر: إذًا أقتلك، فقال عبد الله: أنت وذاك فقال القيصر للرماة : ارموه قريبًا من بدنه ، وأخذ يعرض عليه المسيحية وعبد الله يأبى ، فقال القيصر: أنزلوه ، ودعا بوعاء كبير فصبَّ فيه ماء ، وأشعل تحته النار ، ودعا بأسيرين من المسلمين فأمر بأحدهما فألقى فيها ، فاستشهد وهو ثابت على دينه ، فبكى عبد الله ، فقيل للملك : إنه بكى فظن الملك أنه جزع فقال الملك: ردوه ثم سأله : ما أبكاك ؟ فقال عبد الله : قلت هي نفس واحدة ، تلقى الساعة ، فتذهب فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تلقى في النار في سبيل الله فقال الملك: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك ، فقال عبد الله: وعن جميع الأسرى ؟ فقال الملك : نعم ، فقبل عبد الله رأسه ، وأخذ عبد الله جميع الأسرى ، وقدم بهم إلى عمر ، فأخبره بما حدث ، فقال عمر: حق على كل مسلم أن يقبِّل رأس ابن حذافة ، وأنا أبدأ ، فقبل رأسه 0
وفاته
وانتقل عبد الله إلى مصر مع جيش عمرو، واستقر فيها حتى مات في خلافة عثمان0


عبد الله بن عبد الله بن أُبي

قصته مع ابيه
إنه عبد الله بن عبد الله بن أُبي بن سلول - رضي الله عنه - كان من فضلاء الصحابة وخيارهم ، شهد بدرًا وأحدًا والغزوات كلها مع رسول الله وكان اسمه الحُباب فلما أسلم سماه رسول الله عبد الله ، وأبوه عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين ، وكان أبوه سيد الخزرج ، وكانت قبيلة الخزرج قد اجتمعت على أن يتوجوه ملكًا عليهم قبل بعثة الرسول فلما بعث النبي وانتشرت أخبار الدين الجديد إلى يثرب ، سارع الأنصار إلى الإسلام ، وبذلك ضاعت الفرصة من يد ابن سلول ، وظل حاقدًا على الرسول وعلى الإسلام والمسلمين ، وأصبحت داره منذ تلك اللحظة مقرًا للمنافقين واليهود والمشركين ، يدبرون فيها المؤامرات ضد الإسلام ، ويخططون فيها لقتل النبي وخلال هذه الأحداث لم يقف عبد الله بن عبد الله مكتوف الأيدي ، بل أنكر على أبيه ما يفعله ، وحاول مرارًا أن يمنعه عن أفعاله ولكن دون جدوى ، وفشلت محاولات عبد الله بن عبد الله في أن يجعل أباه مؤمنًا صادق الإيمان ، ولما يئس من أبيه ترك الدار ، واتخذ لنفسه دارًا أخرى يعبد الله فيها بعيدًا عن بيت النفاق والحقد والحسد 0

حب الرسول ( ص ) له
وكان الرسول يحب عبد الله بن عبد الله حبًّا شديدًا ، ويعرف له إخلاصه وصدق إيمانه ، بل ويقربه منه ، ويجعله من خاصة أنصاره وكثرت مؤامرات عبد الله بن أبي رأس المنافقين ، وأخذت صورًا كثيرة ، والرسول يأمر أصحابه بالصبر عليه وفي غزوة بدر حارب عبد الله بن عبد الله في سبيل الله ، وأبلى بلاءً حسنًا ، وجاءت غزوة أحد تلك الغزوة التي رجع فيها عبد الله بن أبي بن سلول إلى المدينة بثلث جيش المسلمين حتى كاد ابنه عبد الله أن يجن
وفي غزوة بني المصطلق ، حاول رأس النفاق عبد الله بن أبي أن يوقع بين الأنصار والمهاجرين ثم قال : والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز ( أي هو ) منها الأذل ( يقصد بذلك الرسول وأصحابه ) فعلم الرسول ( بما قاله ابن أبى، ورجع إلى المدينة فلقيه أسيد بن حضير ، فقال رسول الله له: ( أما بلغك ما قال صاحبك ابن أبي بن سلول ؟ زعم أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعز منها الأذل فقال أسيد: فأنت يا رسول الله العزيز وهو الذليل ، ولما علم عبد الله بن أبي بن سلول أن رسول الله قد بلغه ما قاله أسرع إليه ليعتذر له ، ويقسم أنه لم يقل هذا ، وسرعان ما نزل القرآن بعد ذلك ليكشف عن كذب هذا المنافق ، فقال تعالى: ( يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) 0
ثم قام عبد الله بن أبي بن سلول ليركب ناقته ويعود إلى بيته ، فأمسك ابنه عبد الله بناقته وأراد أن يقتله ، فمنعه المسلمون من ذلك ، فقال لهم : والله لا أفارقه حتى يقول لرسول الله هو الأعز ، وأنا الأذل 0
ثم ذهب عبد الله إلى رسول الله ( وقال له : يا رسول الله ، بلغني أنك تريد قتل أبي ، فوالذي بعثك بالحق ، لئن شئت أن آتيك برأسه لأتيتك ، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني ، وإني أخشى أن تأمر به غيري ، فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله ، فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار فقال رسول الله ( بل نترفق به ، ونحسن صحبته ما بقى معنا ) ثم مات رأس المنافقين ، وهدأت نفس عبد الله بن عبد الله ، ثم جاء إلى رسول الله ( فسأله أن يعطيه قميصه ليكفن فيه أباه ، فأعطاه الرسول ( القميص، ثم سأله أن يصلي عليه ، فقام رسول الله ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله فقال: يا رسول الله ، أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه ؟ فقال الرسول ( إنما خيرني الله فقال : {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} وسأزيد على سبعين ) 0
فقال عمر : إنه منافق ، فصلى عليه الرسول إكرامًا لابنه ، فأنزل الله عز وجل: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون} 0
جهاده واستشهاده

واستمر عبد الله مع رسول الله في غزواته ، طالبًا الشهادة ليسجل في التاريخ صفحة مضيئة بعد ما أنفق معظم ماله في سبيل الله. ولما توفي النبي فحزن عبد الله حزنًا شديدًا وجاءت حروب الردة ليقاتل فيها عبد الله بكل فدائية وإخلاص، ويدخل وسط جيوش الأعداء في معركة اليمامة يضرب يمينًا وشمالاً، فيلتف حوله المشركون، ويضربوه حتى يسقط شهيدًا - رضي الله عنه

يتبع[/align:7991f9c279]

الساهر
09-09-2007, 07:31 PM
[align=center:d608ff3202]كعب بن مالك

اسلامه
كان كعب قد أسلم حين سمع بالإسلام ، فأتى مكة ، وبايع النبي في بيعة العقبة الثانية ، فلما هاجر الرسول وأصحابه آخى النبي بينه وبين طلحة بن عبيد الله 0
شاعر الحماسة
وكان كعب شاعرًا مجيدًا، وخاصة في مجال المغازي والحروب الإسلامية ، وكان واحدًا من شعراء الرسول الثلاثة الذين يردون عنه الأذى بقصائدهم ، وهم : كعب بن مالك، وحسان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة ، فكان كعب يخوفهم بالحرب ، وكان حسان يهجوهم بالأنساب ، وكان عبد الله يعيرهم بالكفر 0
وقد جاء كعب إلى النبي فقال : يا رسول الله ، ماذا ترى في الشعر ؟ فقال رسول الله ( المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه )

تبادله الملابس مع الرسول ( ص )
وكان لكعب مواقف مشهودة في غزوة أحد ، حين دعاه النبي وألبسه ملابسه التي يلبسها في الحرب، ولبس النبي ملابس كعب الحربية ، يقول كعب : لما انكشفنا يوم أحد كنت أول من عرف رسول الله وبشرت به المؤمنين حيًّا سويًّا ، وأنا في الشِّعْب، وقد جرح سبعة عشر جرحًا ، وكان المشركون يوجهون إليه السهام ظنًّا منهم أنه رسول الله 0

تخلفه عن غزوة اليرموك
وكان كعب قد تخلف عن غزوة تبوك التي سمي جيشها بجيش العسرة ، والسبب في هذه التسمية أن المسلمين مروا بصعوبات كثيرة في تمويل الجيش حيث إن العدد كان كبيرًا ، وعدتهم كانت ضئيلة ، وقد تخلف المنافقون عن هذه الغزوة بدون أعذار ولما عاد المسلمون إلى المدينة دخل الرسول إلى المسجد أولا ، وصلَّى فيه ركعتين ، فدخل عليه المنافقون الذين تخلفوا عن الجهاد مع النبي وبدءوا يكذبون على الرسول ويتعللون بأعذار واهية ولكن كعبًا لم يكذب على النبي وأقر بذنبه وتقصيره في حق الله وتكاسله عن الجهاد ، وفعل مثله هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، وكانا قد تخلفا أيضًا وبعدما سمع النبي كلام كعب ، أمر المسلمين أن يقاطعوه وصاحبيه الذين تخلفوا عن غزوة تبوك بدون عذر، فلم يكلمهم أحد من المسلمين، ولم يتعاملوا معهم فجلس الاثنان كل منهما في بيته يبكيان ، أما كعب فلم يحبس نفسه مثلهما ، بل كان يخرج للصلاة، وكان إذا سار في السوق أو غيره لا يتحدث معه أحد ، وكان لكعب ابن عم يحبه حبًّا شديدًا هو الصحابي الجليل أبو قتادة - رضي الله عنه -، ولما اشتد الأمر بكعب ، ذهب إلى ابن عمه أبي قتادة في بستانه وألقى عليه السلام ، ولكن أبا قتادة لم يرد عليه ، فقال له كعب : يا أبا قتادة ، أنشدك بالله ، هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فلم يرد عليه أبو قتادة ، فكرر كعب السؤال ، فقال أبو قتادة : الله ورسوله أعلم ، ففاضت عينا كعب بالدموع وتركه وذات يوم ، ذهب كعب إلى السوق ، فإذا برجل نصراني من الشام يسأل عنه ، وعندما قابله أعطاه النصراني رسالة من ملك غسان ، فقرأها كعب ووجد فيها : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك محمدًا جفاك، (هجرك وتركك) ولم يجعلك الله بدار مذلة أو هوان ، فالحق بنا نواسك وبعد أن قرأ كعب الرسالة قال في نفسه : والله إن هذه أيضا من الفتنة والابتلاء ، ثم ألقى بالرسالة في النار ومضى على كعب وصاحبيه أربعون يومًا ، وهم على تلك الحالة من الندم والبكاء والمقاطعة الكاملة من كل المسلمين ، وبعدها أمرهم النبي ( أن يهجروا زوجاتهم ، وظلوا على هذه الحالة عشرة أيام وبعد خمسين يومًا جاء الفرج ، ونزلت التوبة من الله على هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين لم يكذبوا على رسول الله فبعد أن صلى كعب صلاة الفجر ، جلس بمفرده ، فسمع صوتًا ينادى من بعيد : يا كعب، أبشر يا كعب ، فلما سمعها كعب خرَّ ساجدًا لله - عز وجل - وعلم أن الله قد تاب عليه ، وبلغ من شدة فرحته أنه خلع ثوبه وألبسه للرجل الذي بشره ، ثم انطلق مسرعًا إلى النبي في المسجد ، فاستقبله الصحابة وهم سعداء، وقام طلحة بن عبيد الله من بين الحاضرين جميعًا وأسرع ليهنئ كعبًا ، فلم ينسها له كعب أبدًا ، وتبسم له الرسول وقال له : ( أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك) ، وأنزل الله فيه وفي صاحبيه قرآنًا ، قال تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب} 0
فر حته بالتوبة
وكان كعب - رضي الله عنه - يقول : والله ، ما مر عليَّ يوم كان خيرًا ولا أحب إليَّ من ذلك اليوم الذي بشرت فيه بتوبة الله تعالى عليَّ وعلى صاحبيّ، ثم قال للرسول (: إن من توبتي أن أتصدق بمالي كله لله ولرسوله، فقال له النبي ( أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك ) ، فقال كعب: يا رسول الله، إن الله تعالى أنجاني بالصدق ، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا ما بقيت ، فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين ابتلاه الله في صدق الحديث أحسن مما ابتلاني
وكان كعب يقول بعد ذلك : ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله إلى يومي هذا شيئًا من الكذب ، وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى بقية عمري 0

صدقه
وكان كعب -رضي الله عنه- يقول: والله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي أمام رسول الله أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا ، فقد قال الله تعالى: { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنه إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاءً بما كانوا يكسبون. يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} .
وهكذا كان صدق كعب سببًا في نجاته، وقبول توبة الله عليه، بينما أهلك الله المنافقين الذين كذبوا على رسول الله واعتذروا بالباطل، فجعلهم الله من أهل النار0

جهاده
وظل كعب يجاهد في سبيل الله ، ولا يتخلف عن حرب أبدًا ، فحارب المرتدين في عهد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -وشارك في الفتوحات الإسلامية على عهد عمر بن الخطاب ، وكذلك في خلافة كل من عثمان بن عفان وعليّ بن ابي طالب وأول خلافة معاوية - رضي الله عنهم - وظل على صدق إيمانه وقوة عقيدته 0

روايته للحديث
وقد روى كعب بن مالك ثلاثين حديثًا من أحاديث رسول الله وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين0

وفاته

وتوفي -رضي الله عنه- بالشام في خلافة معاوية سنة (50هـ) وقيل سنة (53 هـ)، وعمره آنذاك (77) سنة ويقال: إن الله سبحانه قد ابتلاه بفقد بصره قبل وفاته، فصبر لذلك حتى ينعم بما عند الله من الجنة 0

عتبة بن غزوان


اسلامه
سابع سبعة سبقوا إلى الإسلام، وبسطوا أيديهم مبايعين رسول الله ، ومُتحدِّين قريشًا بكل ما معها من قوة وبأس ، وتحمل مع إخوانه عذاب قريش واضطهادها 0

هجرته
هاجر إلى الحبشة في المرة الثانية ، فلم يطق فراق رسول الله وسرعان ما رجع ليبقى بجوار الرسول حتى حان موعد الهجرة إلى المدينة ، فهاجر مع المسلمين 0

جهاده
ولكن قريشًا لم تهدأ بعد هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة ، بل بدأت في محاربة الإسلام ، واصطدمت مع المسلمين في بدر ، فحمل عتبة سلاحه ليضرب به رءوس الكفر ، وظل رافعًا سلاحه مع الرسول في كل لقاءاته مع المشركين لا يتخلف عن جهاد ، أو يتكاسل عن معركة 0
وبقى عتبة بعد وفاة النبي مجاهدًا في سبيل الله ، فقد أرسله أميـر المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أرض البصرة لقتال الفرس في الأُبُلَّة ، وليطهر أرضها من رجسهم ومضى عتبة بجيشه إلى الأبلة ، والتقى بأقوى جيوش الفرس ، ووقف عتبة أمام جنوده حاملاً رمحه بيده ، وصاح: الله أكبر تلك الكلمة التي زلزلت الأرض من تحت أقدام الفرس ، وما هي إلا جولات مباركة حتى استسلمت الأبلة ، وطهرت أرضها من الكفر ، وتحرر أهلها من طغيان الفرس 0

تأسيسه البصره
وبعد فتح الأبلة ، أسس عليها عتبة مدينة البصرة ، وبني فيها مسجدًا كبيرًا ، وبقى عتبة - رضي الله عنه - بالبصرة يصلي بالناس ، ويفقههم في دينهم ، ويحكم بينهم بالعدل ، ضاربًا لهم أروع مثال في الزهد والورع 0

زهده ووفاته
وظل عتبة - رضي الله عنه - واليًا على البصرة حتى جاء موسم الحج ، فخرج حاجَّا بعدما استخلف المغيرة بن شعبة على البصرة ، ولما فرغ من حجه ، سافر إلى المدينة ، وطلب من أمير المؤمنين عمر أن يعفيه من الإمارة ، ولكن أمير المؤمنين رفض أن يعفيه منها ، ولم يكن أمام عتبة إلا الطاعة ، فأخذ راحلته ليركبها راجعًا إلى البصرة ، واعتلى ظهرها ، ثم دعا ربه قائلاً : اللهم لا تردّني إليها ، فاستجاب الله دعاءه، فسقط من على راحلته ، فمات وهو في طريقه بين مكة والبصرة ، وكان ذلك سنة ( 17هـ) 0

المغيرة بن شعبة

نسبه
المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي و يكنى بأبو عيسى ، ويقال : أبو عبد الله ولد بالطائف ، وبها نشأ، وكان كثير الأسفار ، أسلم عام الخندق 0
حاجب الرسول ( ص) يوم الحديبية
أقام المغيرة عند النبي صلى الله عليه وسلم وخرج معه في الحديبية ، فبعثت قريش عروة بن مسعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليفاوضه في الصلح وجعل يمس لحيته ، والمغيرة قائم على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم مقنع في الحديد، فقال لعروة : كُفَّ يدك قبل ألا ترجع إليك فقال : من ذا يا محمد؟ ما أفظه وأغلظه ، قال: ابن أخيك المغيرة ، فقال : يا غدر والله ما غسلت عني سوءتك إلا بالأمس 0

ضيافته لقومه ثقيف
شهد المغيرة بيعة الرضوان والمشاهد بعدها ، ولما قدم وفد ثقيف أنزلهم النبي صلى الله عليه وسلم عنده ، فأحسن ضيافتهم0

هدمه اللات
بعثه عليه الصلاة والسلام مع أبي سفيان بن حرب بعد إسلام أهل الطائف فهدما اللات 0

دفن الرسول ( ص) وخاتمه
لما دفن النبي صلى الله عليه وخرج علي بن ابي طالب من القبر الشريف ألقى المغيرة خاتمه وقال : يا أبا الحسن خاتمي ، قال: انزل فخذه قال المغيرة :فمسحت يدي على الكفن فكنت آخر الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه وسلم0

جهاده
شهد اليمامة وفتوح الشام وفقئت عينه باليرموك ، وكان رسول سعد بن أبي وقاص إلى رستم في القادسية 0
دهائه مع اهل البحرين
استعمله عمر على البحرين فنفر منه أهلها فعزله عمر ، ثم خافوا أن يعيده إليهم ، فجمعوا مائة ألف وأرسلوها مع دهقانهم إلى عمر فقال له: إن المغيرة اختان هذا من مال الله (أي اختلسه) وأودعه عندي ، فدعا عمر المغيرة فسأله فقال: كذب ـ أصلحك الله ـ إنها كانت مائتي ألف قال: ما حملك على ذلك ؟ قال: العيال والحاجة.فقال عمر للدهقان: ما تقول؟ قال: لا والله لأصدقنك ما دفع إلي قليلاً ولا كثيراً، فقال عمر للمغيرة : ما أردت إلى هذا ؟ قال : كذب علي الخبيث فأحببت أن أخزيه0

جهاده
ثم ولي البصرة لعمر ثلاث سنوات ، فقاد الجيش وهو وال عليها ، وفتح بيسان ، وفتح سوق الأهواز ، وفتح همذان ثم شهد نهاوند ، وكان على ميسرة النعمان بن مقرن ، وكتب عمر وقتها: ( إن هلك النعمان فالأمير حذيفة فإن هلك فالأمير المغيرة ) 0

ولاية البصره والكوفه
وكان أول من وضع ديوان البصرة وجمع الناس ليعطَوا عليه ، ثم عزل عن البصرة ، وولاه عمر بعدها الكوفة ، وظل والياً للكوفة حتى قتل عمر ، فاستمر في عهد عثمان حيناً 0

صفته
كان رضي الله عنه رجلاً طوالاً مهيباً ، ضخم الهامة ، أصيبت عينه في اليرموك وقيل : في القادسية، وقيل: بل نظر إلى الشمس وهي مكسوفة فذهب ضوء عينه وكان واحداً من دهاة العرب المشهورين حتى قيل له : مغيرة الرأي حدث عنه بعض أصحابه قال: صحبت المغيرة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج من أبوابها كلها0
وما غلبه أحد في الدنيا كما كان يقول إلا شاب من قبيلة بلحارث بن كعب ، حين خطب المغيرة امرأة فقال له الشاب : أيها الأمير لا تنكحها فإني رأيت رجلاً يقبلها فانصرف عنها ، فتزوجها الشاب ، فقال له المغيرة: ألم تقل إنك رأيت رجلاً يقبلها ؟ قال: بلى رأيت أباها يقبلها وهي صغيرة وكان مزواجاً مطلاقاً أحصن أكثر من ثمانين امرأة ، وطعن في بطنه يوم القادسية فجيء بامرأة من طيء تخيط بطنه فلما نظر إليها قال : ألك زوج؟ قالت: وما يشغلك ما أنت فيه من سؤالك إياي ؟ وكان يقول : صاحب الواحدة إن زارت زار ، وإن حاضت حاض ، وإن نفست نفس ، وإن اعتلت اعتل ، وصاحب الثنتين في حرب هما ناران تشتعلان ، وصاحب الثلاث في نعيم ، فإذا كن أربع كان في نعيم لا يعدله شيء 0

من اقواله
ومن أقواله رضي الله عنه: اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك، فإنه لا بقاء للنعمة إذا كفرت ولا زوال لها إذا شكرت، إن الشكر زيادة من النعم وأمان من الفقر 0

روايته للحديث
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث ، وروى عنه أولاده عروة وحمزة وعقار، والمسور بن مخرمة ومسروق وغيرهم0

وفاته
توفي في الكوفة سنة خمسين عن سبعين سنة 0

معاوية بن أبي سفيان

نسبه
معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي0

جهاده

قاتل معاوية المرتدين في معركة اليمامة وقيل أنه ممن قتل مسيلمة , ثم أرسله أبو بكر مع أخيه يزيد لفتح الشام ، وولاه الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشام سنة 21 هـ بعد موت أخيه يزيد بن أبي سفيان، ثم أقّره الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه على الولاية ، وبعد موت عثمان سنة 35هـ لم يبايع معاوية الخليفة علياً رضي الله عنه، واستقّل بالشام وحصلت بينهما فتنة استمرت زهاء خمس سنوات ، وقعت فيها معركة صفين سنة 37هـ0

خلافته
بايعه عامة الناس سنة 41هـ ، بعدما تنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما عن الخلافة ، فسميّ هذا العام عام الجماعة، لاجتماع كلمة المسلمين فيه ، واستمر معاوية في الخلافة حتى وفاته سنة 60 هـ، فكان بذلك أميراً (20 عاماً ) وخليفة (20عاماً )

روايته للحديث
روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن أخته أم المؤمنين أم حبيبة ، وعن أبي بكر وعمر ، وحدّث عنه : عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير ، والنعمان بن بشير ، وجرير بن عبدالله ، وسعيد بن المسيب وغيرهم. من ذلك حديث ( من يرد الله به خيرا يفقه بالدين ) و حديث تفترق أمتي و الطائفة المنصورة و غيرها من الأحاديث0

دعاء الرسول ( ص ) له
دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم علّم معاوية الحساب وقه العذاب"، وفي رواية "اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به"، وروى الإمام أحمد في مسنده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يامعاوية إذا وليت أمراً فاتق الله واعدل 0

حسن سياسته
يعتبر معاوية رمزا للحلم و الدهاء و السياسة و كانت العرب تضرب به المثل في ذلك و من أشهرها شعرة معاوية وهو كناية عن حسن السياسة وكان يقول ( لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت , كانوا إذا مدوها أرخيتها, وإذا أرخوها مددتها ) 0
ومن أقواله
إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني, ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت , كانوا إذا مدوها أرخيتها , وإذا أرخوها مددتها 0
ما من شيء ألذ عندي من غيظ أتجرعه. وأغلظ له رجل فأكثر , فقيل له : أتحلم عن هذا ؟ قال: إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا 0

وفاته
توفي عن ثمانين سنة ودفن في دمشق وكانت وفاته في رجب سنة 60 هـ

أبان بن سعيد بن العاص

نسبه
أبان بن سعيد بن العاص بن أميّة القرشي ، أبو الوليد الأموي ، تأخر إسلامه وكان تاجراً موسوراً ، وهو الذي أجار عثمان بن عفان يوم الحديبية حين بعثه الرسـول - صلى اللـه عليه وسلم - رسولاً الى مكة ، ثم أسلم قبل الفتـح بقليل وهاجر الى المدينة ، وقد استعمله الرسول الكريم سنة ( 9هـ ) على البحرين وهو ابن عمّة أبو جهل 0

إسلامه
وقد كان سبب إسلام أبان بن سعيـد أنه اجتمع براهب وهو في تجارة بالشام ، يقول أبان بعد عودته من الشام : ( تعلمون أني بقرية يُقال لها ( بامَرْدى ) وكان بها راهب لم يُرَ له وجه مذ أربعين سنة ، فبينا أنا ذات ليلة هنالك إذ النصارى يطيبون المصانع والكنائس ويصنعون الأطعمة ، ويلبسون الثياب ، فأنكرت ذلك منهم فقلت : ( ما شأنكم ؟ ) ، قالوا : ( هذا راهب يُقال له ( بُكا ) لم ينزل الى الأرض ، ولم يُرَ فيها منذ أربعين سنة ، وهو نازل اليوم ، فيمكث أربعين ليلة ، يأتي المصانع والكنائس وينزل على الناس )0
فلمّا كان من الغد نزل فخرجوا واجتمعوا ، وخرجت فنظرت إليه فإذا شيخ كبير ، فخرجوا وخرج معهم يطوف فيهم ، فمكث أياماً ، وإنّي قلت لصاحبِ منزلي : ( اذهب معي الى هذا الراهب ، فإني أريد أن أسأله عن شيء )0
فخرج معي حتى دخلنا عليه فقلت : ( لي إليك حاجة ) ، فاخلني فقام مَنْ عنده ، فقلت : ( إنّي رجل من قريش ، وإن رجُلاً منّا خرج فينا يزعم أن الله عز وجلّ أرسله ، مثلما أرسل موسى وعيسى ) ، فقال : ( ممن هو ؟) ، قلت : ( من قريش ) ، قال : ( وأين بلدكم ؟) ، قلت : ( تهامة ثم مكة ) ، قال : ( لعلّكم تجار العرب أهل بيتهم ؟ ) ، قلت : ( نعم ) ، قال : ( ما اسم صاحبك ؟ ) ، قلت : ( محمد ) ، قال : ( ألا أصِفُهُ لك ثم أخبرك عنه ؟ ) ، قلت :( بلى ) 0
قال : ( مُذْ كم خرج فيكم ؟ ) ، قلت :( منذ عشرين سنة أو دون ذلك بقليل ) ، قال :( فهو يومئذ ابن أربعين سنة ) ، قلت : ( أجل ) ، قال : ( هو رجل سبطُ الرأس ، حسن الوجه ، قَصْدُ الطول ، شنّنُ اليدين ، في عينيه حُمْرة ، لا يقاتل ببلده ما كان فيه ، فإذا خرج منه قال فظفر ، وظهر عليه ، يكثر أصحابه ويقلُّ عدوه ) 0
قلت : ( ما أخطـأت من صفته ولا أمره واحـدةً ، فأخبرني عنه ) ، قال : ( ما اسمـك ؟ ) ، قلت : ( أبان ) ، قال : ( كيـف أنت أصدقتَه أم كذّبتَه ؟ ) ، قلت : ( بل كذّبتُهُ ) ، فرفع فضرب ظهري بكفٍ ليلة واحدة ، ثم قال : ( أيخط بيده ؟ ) ، قلت : ( لا ) ، قال : ( هو والله نبي هذه الأمة ، والله ليظهرنَّ عليكم ، ثم ليظهرنَّ على العرب ، ثم ليظهرنَّ على الأرض ، لو قد خرج ) 0
فخرج مكانه ، فدخل صومعته ، وتشبّت الناس به ، وما أدخله صومعته غير حديثي ، فقال : ( اقرأ على الرجل الصالح السلام ) 0
فأسلم أبان - رضي الله عنه - بعد مرجعه من الشام ، كما أن أخويه خالداً وعمراً لمّا قدما من هجرة الحبشة الى المدينة بَعَثا إليه يدعُوَانه الى الله ، فبادر وقَدِم المدينة مسلماً0

فضله
لمّا قدِمَ أبان بن سعيد بن العاص على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال : ( يا أبان ! كيف تركت أهل مكة ؟)0 قال :( تركتهم وقد جهدوا -يعني المطر- وتركت الإذْخِر - وهو شجر ذو ثمر - وقد أعذق ، وتركتُ الثمار وقد حاص ) 0فاغْرَوْرَقَتْ عَينا النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال : ( أنا أنصحكم ثم أبان بعدي ) 0

ولاية البحرين
لمّا صدر الناس من الحجّ سنة تسعٍ بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبان بن سعيد الى البحرين عاملاً عليها ، فسأله أبان أن يحالف عبد القيس فأذِنَ له في ذلك ، وقال : ( يا رسول الله ! اعهد إلي عهداً في صدقاتهم وجزيتهم ، وما تجِرُوا به ) فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ من المسلمين ربع العشر ممّا تجِروا به ، ومن كلِّ حالم من يهودي أو نصراني أو مجوسي ديناراً ، الذكر والأنثى ، وكتب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الى مجوس هَجَر يعرض عليهم الإسلام ، فإن أبَوْا عرض عليهم الجزية بأن لا تنكح نساؤهم ، ولا تؤكل ذبائحهم ، وكتب لهم صدقات الإبل والبقر والغنم ، على فرضها وسنّتها كتاباً منشُوراً مختوماً في أسفله وتوفي الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبان بن سعيد عامل على البحرين0

بعد وفاة الرسول
لمّا توفي الرسـول - صلى اللـه عليه وسلم - وارتدّت العرب ، وارتدّ أهل هجـر عن الإسلام ، فقال أبان بن سعيد لعبد القيس : ( أبلغوني مأمني ) 0قالوا : ( بل أقمْ فلنجاهد معك في سبيل الله ، فإن الله معزّ دينه ، ومظهره على ما سواه ، وعبد القيس لم ترجع عن الإسلام )0قال : ( أبلغوني مأمني فأشهد أمر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه سلم - ، فليس مثلي يغيب عنهم ، فأحيا بحياتهم وأموت بموتهم ) 0فقالوا : ( لا تفعل ، أنت أعز الناس ، وهذا عليك وعلينا فيه مقالة ، يقول قائل : فرّ من القتال ) 0
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لأبان بعد عودته الى المدينة : ( ما كان حقك أن تقدم ، وتترك عملك بغير إذن إمامك ، ثم على هذه الحال ، ولكنك أمنته )0فقال أبان : ( إني والله ما كنت لأعمل لأحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولو كنت عاملاً لأحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كنت عاملاً لأبي بكر في فضله وسابقته وقديم إسلامه ، ولكن لا أعمل بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) 0
وشاور أبو بكر أصحابه فيمن يبعث الى البحرين ، فقال له عثمان بن عفان : ( ابعث رجلاً قد بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم ، فقدم عليهم بإسلامهم وطاعتهم ، وقد عرفوه وعرفهم ، وعرف بلادهم )0يعني العلاء بن الحضرمي ، فأبى عمر عليه ، وقال : ( أكْرِهْ أبان بن سعيد فإنه رجل قد حالفهم )0فأبى أبو بكر أن يكرهه وقال : ( لا أفعل ، لا أكره رجلاً يقول : لا أعمل لأحدٍ بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- )0 وأجمع أبو بكر بعثة العلاء بن الحضرمي الى البحرين 0

إستشهاده
استشهد أبان - رضي اللـه عنه - يوم أجنادين في الشام سنة ( 13هـ )، فقد كانت جمـوع الروم فيها مائة ألف فهزمهم اللـه تعالى ، وأبلى خالد بن الوليد بلاءً حسناً 0

حكيم بن حزام

نسبه

حكيم بن حزام بن خويلد وهو ابن أخي أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها و أرضاها0

قصة ولادته داخل الكعبة

فخلاصتها أن أمه دخلت مع طائفة من أترابها إلى جوف الكعبة للتفرج عليها وكانت يومئذ مفتوحة لمناسبة من المناسبات وكانت والدته آنذاك حاملا به، ففجأها المخاض وهي في داخل الكعبة، فلم تستطع مغادرتها
فجيء لها بنطع فوضعت مولودها عليه وكان ذلك المولود 0

صاحب الرفادة
نشأ حكيم بن حزام في أسرة عريقة النسب، عريضة الجاه، واسعة الثراء و كان إلى ذلك عاقلا سريا فاضلا ، فسوده قومه ، و أناطوا به منصب الرفادة فكان يخرج من ماله الخاص ما يرفد به المنقطعين من حجاج بيت الله الحرام في الجاهلية 0

صديق الرسول ( ص )
وقد كان حكيم صديقا حميما لرسول الله صلوات الله و سلامه عليه قبل أن يبعث فهو وإن كان أكبر من النبي الكريم – صلى الله عليه و سلم - بخمس سنوات، إلا أنه كان يألفه ، ويأنس به ، ويرتاح إلى صحبته ومجالسته، وكان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يبادله ودا بود، وصداقة بصداقة ، ثم جاءت آصرة القربى فوثقت ما بينهما من علاقة ، وذلك حين تزوج النبي – صلى الله عليه و سلم – من عمته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها 0

اسلامه
وبالرغم من علاقة حكيم بالرسول عليه الصلاة و السلام الا أن حكيما لم يسلم إلا يوم الفتح ، حيث كان قد مضى على بعثة الرسول صلوات الله و سلامه عليه ما يزيد على عشرين عاما ولكنها مشيئة الله ، وما شاء كان 0

ندمه على تأخر اسلامه
وقد كان يعجب حكيم من ذلك ، ما ان دخل الإسلام و ذاق حلاوة الإيمان ، حتى جعل يعض بنان الندم على كل لحظة قضاها من عمره وهو مشرك بالله مكذب لنبيه0
فلقد رآه ابنه بعد إسلامه يبكي، فقال : ما يبكيك يا أبتاه ؟ قال: أمور كثيرة كلها أبكاني يا بني ، أولها بطء إسلامي مما جعلني أسبق إلى مواطن كثيرة صالحة حتى لو أنني أنفقت ملء الأرض ذهبا لما بلغت شيئا منها ، ثم إن الله أنجاني يوم بدر وأحد فقلت يومئذ في نفسي لا أنصر بعد ذلك قريشا على رسول الله – صلى الله عليه و سلم – و لا أخرج من مكة ، فما لبثت أن جررت إلى نصرة قريش جرا ثم إنني كنت كلما هممت بالإسلام ، نظرت إلى بقايا من رجالات قريش لهم أسنان و أقدار متمسكين بما هم عليه من أمر الجاهلية ، فأقتدي بهم و أجاريهم ، و ياليت أني لم أفعل ، فما أهلكنا إلا الاقتداء بآبائنا و كبرائنا ، فلم لا أبكي يا بني؟

تعجب الرسول ( ص ) من تأخر اسلامه
والنبي صلوات الله و سلامه عليه كان يعجب من رجل له مثل حلم حكيم بن حزام وفهمه، كيف يخفى عليه الإسلام وكان يتمنى له و للنفر الذين هم على شاكلته أن يبادروا إلى الدخول في دين الله ، ففي الليلة التي سبقت فتح مكة قال عليه الصلاة و السلام لأصحابه : (إن بمكة لأربعة نفر أربأ بهم عن الشرك، و أرغب لهم في الإسلام ) قيل: و من هم يا رسول الله ؟ قال: (عتاب بن أسيد ، و جبير بن مطعم، و حكيم بن حزام، و سهيل بن عمرو ) و من فضل الله عليهم أنهم أسلموا جميعا 0

اكرام الرسول ( ص ) له
وحين دخل الرسول صلوات الله و سلامه عليه مكة فاتحاً ، أبى إلا أن يكرم حكيم بن حزام فأمر مناديه أن ينادي : ( من شهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده و رسوله فهو آمن ، ومن جلس عند الكعبة فوضع سلاحه فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن ) ،
( وكانت دار حكيم بن حزام في أسفل مكة ، و دار أبي سفيان في أعلاها ) 0

بيعته دار الندوة في سبيل الله
أسلم حكيم بن حزام إسلاما ملك عليه لبه، وآمن إيمانا خالط دمه ومازج قلبه وآلى على نفسه أن يكفر عن كل موقف وقفه في الجاهلية ، أو نفقة أنفقها في عداوة الرسول – صلى الله عليه و سلم – بأمثال أمثالها، وقد بر بقسمه ، من ذلك أنه آلت إليه دار الندوة وهي دار عريقة ذات تاريخ ففيها كانت تعقد قريش مؤتمراتها في الجاهلبة ، وفيها اجتمع سادتهم وكبراؤهم ليأتمروا برسول الله – صلى الله عليه و سلم - فأراد حكيم بن حزام أن يتخلص منها – وكأنه كان يريد أن يسدل ستارا من النسيان على ذلك الماضي البغيض – فباعها بمئة ألف درهم ، فقال له قائل من فتيان قريش: لقد بعت مكرمة قريش يا عم فقال له حكيم: هيهات يا بني ، ذهبت المكارم كلها ولم يبق إلا التقوى ، وإني ما بعها إلا لأشتري بثمنها بيتا في الجنة وإني أشهدكم أنني جعلت ثمنها في سبيل الله عز وجل 0

صفة حجه
وحج حكيم بن حزام بعد إسلامه ، فساق أمامه مئة ناقة مجللة بالأثواب الزاهية ثم نحرها جميعها تقربا إلى الله ، وفي حجة أخرى وقف في عرفات ، ومعه مئة من عبيده وقد جعل في عنق كل واحد منهم طوقا من الفضة ، نقش عليه : عتقاء لله عز و جل عن حكيم بن حزام ، ثم أعتقهم جميعا ، وفي حجة ثالثة ساق أمامه ألف شاة وأراق دمها كلها في منى ، و أطعم بلحومها فقراء المسلمين تقربا لله عز وجل 0

سؤاله للرسول يوم حنين
بعد غزوة حنين سأل حكيم بن حزام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الغنائم فأعطاه ، ثم سأله فأعطاه ، حتى بلغ ما أخذه مئة بعير – وكان يومئذ حديث إسلام – فقال له الرسول ( ص ): ( يا حكيم : إن هذا المال حلوة خضرة ، فمن أخذ بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ، وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى ) ، فلما سمع حكيم بن حزام ذلك من الرسول عليه الصلاة و السلام قال : يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أسأل أحدا بعدك شيئا ولا آخذ من أحد شيئا حتى أفارق الدنيا وبر حكيم بقسمه أصدق البر ، ففي عهد أبي بكر دعاه الصديق أكثر من مرة لأخذ عطائه من بيت مال المسلمين فأبى أن يأخذه ولما آلت الخلافة إلى الفاروق دعاه إلى أخذ عطائه فأبى أن يأخذ منه شيئا أيضا ، فقام عمر في الناس وقال : أشهدكم يا معشر المسلمين أني أدعو حكيما إلى أخذ عطائه فيأبى وظل حكيم كذلك لم يأخذ من أحد شيئا حتى فارق الحياة 0

تميم بن أوس


نسبه
تميم بن أوس بن خارجة بن سُود بن جَذيمة بن وداع الدَّاري ، أسلم في السنة التاسعة من الهجرة ، وروى عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-

إيمانه
وكان يختم في ركعة ، وكان كثير التهجّد ، وقام ليلة بآية حتى أصبح وهي قوله تعالى : ( أم حَسِبَ الذين اجترحوا السّيئات ) سورة الجاثية 0
كما أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعه بيت حَبْرون عندما سكن في فلسطين ، وهو أول من أسْرَج السِّراج في المسجد ، وأول من قصّ القصص في عهد عمر

حديث تميم الكبير
نادى منادي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ( الصلاة جامعة ) فخرج المسلمون الى المسجد وصلوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ، فلمّا قضى رسـول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم - صلاتـه جلس على المنبـر وهو يضحـك فقال : ( ليلْزَمْ كلُ إنسانٍ مصّلاه ) ثم قال : ( أتدرون لِمَ جمعتُكم ؟) قالوا : ( الله ورسوله أعلم ) قال : ( إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا رهبة ، ولكن جمعتكم لأنّ تميماَ الداري كان رجلاً نصرانياً ، فجاء فبايعَ وأسلمَ ، وحدّثني حديثاً وافقَ الذي كنتُ أحدّثكم عن المسيح الدَّجال ، حدّثني أنه ركب في سفينة بحرية ، مع ثلاثين رجلاً من لخم وجُذام ، فلعب بهم الموجُ شهراً في البحر ، ثم ارْفَؤوا إلى جزيرةٍ في البحر ، حتى مغرب الشمس ، فجلسوا في أقْرُب السفينة -أي في السفن الصغيرة تكون مع السفينة الكبيرة - فدخلوا الجزيرة ، فلقيتهم دابّةٌ أهلب -أي غليظة الشعر- كثيرة الشعر ، لا يدرون ما قُبُلُـه من دُبـُره ، من كثرة الشعـر ، فقالوا : ( ويلك ما أنتِ ؟) فقالت : ( أنا الجسّاسة ) قالوا :( وما الجسّاسة ؟ ) قالت : ( أيها القوم ، انطلقوا إلى هذا الرجل في الدّير ، فإنه إلى خبركم بالأشواق ) قال : لمّا سمّتْ لنا رجلاً فرِقْنا منها -أي خِفنا منها- أن تكون شيطانة ، قال : فانطلقنا سْرَاعاً ، حتى دخلنا الدّير ، فإذا فيه أعظمُ إنسانٍ رأيناه قطّ خَلْقاً ، وأشدُّهُ وِثاقاً ، مجموعةٌ يداه إلى عُنقه ، ما بين رُكبتيه إلى كعبيه بالحديد ، قلنا : ( وَيْلَك ! ما أنت ؟) قال : ( قد قَدَرْتُم على خبري ! فأخبروني ما أنتم ؟) قالوا : ( نحن أناس من العرب ، ركبنا في سفينة بحريّة ، فصادفنا البحر حين اغتَلم -أي هاج - فلعب بنا الموجُ شهراً ، ثم أرفأنا إلى جزيرتِكَ هذه ، فجلسنا في أقرُبها ، فدخلنا الجزيرة ، فلقِيَتْنا دابّة أهلبُ كثير الشعر ، لا يُدرى ما قُبُلُهُ من دُبِرِه من كثرة شعره ، فقلنا : ( ويلك ! ما أنتِ ؟) فقالت :( أنا الجسّاسة ) قلنا : ( وما الجسّاسة ؟) قالت : ( اعمِدُوا إلى هذا الرجل في الدّير فإنّه إلى خبركم بالأشواق ) فأقبلنا إليك سْرَاعاً ، وفزِعْنا منها ، ولم نأمن أن تكون شيطانة ؟ ) فقال : ( أخبروني عن نخـل بَيْسَـانَ - قرية بالشام -) قلنا :( عن أيِّ شأنها تَسْتَخْبـِر ؟)قال : ( هل في العيـن ماءٌ ؟ وهل يزرع أهلهـا بماء العيـن ؟ )قلنا له : ( نعم ، هي كثيرة الماء ، وأهلها يزرعون من مائها ) قال : ( أخبروني عن نبيِّ الأمّيّين ما فَعل ؟ ) قالوا : ( قد خرج من مكة ونزل يثرب ) قال : ( أقاتله العرب ؟) قلنا :( نعم ) قال : ( كيف صنع بهم ؟ ) فأخبرناه أنّه قد ظهرَ على من يليه من العرب وأطاعوه ) قال لهم : ( قد كان ذلك ؟)قلنا :( نعم ) قال : ( أما أنّ ذاك خيرٌ لهم أن يطيقوهُ ، وإني مخبركم عني إني أنا المسيح ، وإني أوشك أن يُؤذن لي في الخروج ، فأخرج فأسير في الأرض فلا أدعُ قريةً إلاّ هبطتها في أربعين ليلة ، غير مكة وطيبة فهما محرّمتان عليّ كلتاهما ، كلّما أردت أن أدخل واحدةً أو واحداً منها ، استقبلني مَلَكٌ بيده السيفُ صلْتاً ، يصدُّني عنها ، وإنّ على كلِّ نقبٍ منها ملائكةً يحرسونها )
فقال رسـول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم - وطعَنَ بمخْصرتِهِ في المنبـر : ( هذه طَيْبَةٌ ! هذه طَيْبَةٌ ! هذه طَيْبَةٌ - يعني المدينة - ، ألا هلْ كنتُ حدّثتكم ذلك ؟) فقال الناس :( نعم ) قال : ( فإنّه أعجبني حديثُ تميمٍ أنّه وافق الذي كنت أحدّثكم عنه وعن المدينة ومكة : ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن ، لا بل من قِبَلِ المشرق ما هو ، من قِبَلِ المشرق ما هو ، من قِبَلِ المشرق ما هو ) وأوْمَأ بيدِهِ إلى المشرق 0

فضله
قدِمَ معاوية بن حَرْمـَل المدينـة ، فلبث في المسجد ثلاثاً لا يُطْعِـم ، فأتى عمـر فقال : ( يا أمير المؤمنيـن تائبٌ من قبل أن يُقْـدَرَ عليـه ؟) قال : ( من أنت ؟) قال : ( أنا معاوية بن حَرْمَل ) قال : ( اذهب إلى خير المؤمنين فانزل عليه ) وكان تميم الدّاري إذا صلى ضربَ بيده عن يمينه وعن شماله فأخذ رجلين فذهَبَ بهما ، فصلّى معاوية إلى جنبه ، فضرب يده فأخذ بيده فذهب به ، فأتيا الطعام ، فأكل أكلاً شديداً ما شبع من شدة الجوع0

وفاته
انتقل الى الشام بعد قتل عثمان - رضي اللـه عنه - ونـزل بيـت المقـدس ، ووجِدَ على قبـره أنه مات سنـة (40 للهجرة )0وقبره في بيت جِبْرون ( حَبرون ) في فلسطين0

يتبع[/align:d608ff3202]

الساهر
09-09-2007, 07:36 PM
[align=center:7a25824525]شيبة بن عثمان
نسبه
شيبة بن عثمان بن أبي طلحة القرشيّ العبدريّ ، تأخر إسلامه إلى ما بعد الفتح وكان حاجب الكعبة المعظّمة0

يوم الفتح
دفع الرسول -صلى الله عليه وسلم- لشيبة عام الفتح مفتاح الكعبة ، وإلى ابن عمه عثمان بن طلحة بن أبي طلحة وقال :( خُذُوها خالدة مخلّدَة تَالِدَة إلى يوم القيامة ، يا بني أبي طلحة ، لا يأخذها منكم إلا ظالم )0

الثأر و الإيمان
في يوم حنين أراد شيبة بن عثمان الأخذ بالثأر لمقتل أبيه يوم أحد كافراً ، يقول شيبة :( اليوم أقتُل محمداً ، فأدرتُ برسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأقتله ، فأقبل شيءٌ حتى تغشّى فؤادي ، فلم أطقْ ذلك ، فعلمت أنه ممنوع ) فقد قذف اللـه بقلبه الرعب ، قال شيبة :( يا نبي اللـه إنّي لأرى خيلاً بُلقاً ؟!) قال : ( يا شيبة ! إنه لا يراها إلا كافر ) فضرب بيده على صدر شيبة و قال : ( اللهم اهدِ شيبة ) وفعل ذلك ثلاثاً ، يقول شيبة : ( فما رفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يده عن صدري الثالثة حتى ما أجد من خلقِ الله أحبَّ إلي منه ) وثبت الإيمان في قلبه ، وقاتل بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم- 0
ويقول شيبة أيضا في ذلك :( لمّا اختلط الناس اقتحم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن بغلته ، وأصلتَ السيف ، ودنوتُ أريد منه ما أريد منه ، ورفعت سيفي حتى كدّت أسوّره ، فرُفِعَ لي شُواظٌ من نار كالبرق كاد يمحشني ، فوضعت يدي على بصري خوفاً عليه ، والتفت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنادى :( يا شيبة آدْنُ مني ) فدنوت ، فمسح صدري ثم قال :( اللهم أعذه من الشيطان ) فوالله لهو كان ساعة إذ أحب إلي من سمعي وبصري ونفسي ، وأذهب الله ما كان بي ، ثم قال :( ادْنُ فقاتل )0
فتقدّمت أمامه أضرب بسيفي ، الله يعلم أنّي أحبُّ أن أقيه بنفسي كلَّ شيء ، ولو لقيت تلك الساعة أبي ، لو كان حيّاً ، لأوقعت به السيف ، فجعلتُ ألزمه فيمن لزمه حتى تراجع المسلمون ، فكرّوا كرّة رجلٍ واحدٍ ، وقربت بغلة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستوى عليها ، فخرج في إثرهم حتى تفرّقوا في كل وجه ، ورجع إلى معسكره فدخل خِباءه ، فدخلتُ عليه ، ما دخل عليه غيري حبّاً لرؤية وجهه وسروراً به ، فقال :( يا شيبة ! الذي أراد الله بك خيراً مما أردت بنفسك ) ثم حدّثني بكل ما ضمرتُ في نفسي ممّا لم أذكره لأحدٍ قطٌ ، فقلت :( أشهـد أن لا إلـه إلا وأنك رسـول الله )ثم قلت :( استغفر لي يا رسول الله ) فقال :( غفر الله لك )0

وفاته
توفي شيبة -رضي الله عنه- سنة تسع وخمسين في آخر خلافة معاويه0

عمرو بن قيس


نسبه
هو الصحابي الجليل المعروف باسم ( ابـن أم مكتـوم ) الأعمـى في المدينة اسمه عمرو بن قيس بن زائدة القرشي العامري و في العراق اسمه عبدالله وفي النهاية اجتمعوا على أنه ابن قيس بن زائدة بن الأصم بن رواحة وأمه أم مكتوم اسمها عاتكة بنت عبدالله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم ، وهو ابن خال السيدة خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها - ، فأم خديجة هي فاطمة بنت زائدة الأصم وهي أخت قيس 0

إسلامه
أسلم بمكة قديماً وكان ضرير البصر ، هاجر إلى المدينة المنورة بعد مصعب بن عمير ، قبل أن يهاجر الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليها وقبل بدر قال البراء : ( أوّل من قدم علينا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مُصعب بن عمير وابن أم مكتوم ، فجعلا يُقْرِئان النّاس القرآن ) 0

عبس وتولى
كان النبـي - صلى الله عليه وسلم - جالساً مع رجال من قريش فيهم عُتبة بن ربيعة وناس من وجوه قريش وهو يقول لهم : ( أليس حسناً أن جئتُ بكذا وكذا ؟ ) فيقولون : ( بلى والدماء ) فجاء ابن أم مكتوم وهو مشتغل بهم فسأله عن شيء فأعرض عنه ، وعبس بوجهه ، فأنزل الله تعالى مُعاتباُ رسوله الكريم 0
قال تعالى :"( عَبَـسَ وَتَولّـى ** أَن جآءَ هُ الأَعْمَـى ** وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّـى ** أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْـرى ** أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ** فأنْتَ لَهُ تَصَـدَّى ** وَمَا عَلَيْكَ ألا يَزَّكّـَى ** وَأمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ** وَهُوَ يَخْشَـى ** فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّـَى ") سورة عبس (آيات 1-10 ) فلمّا نزلت الآية دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ابن أم مكتوم فأكرمه0
الآذان
كان ابن أم كلثوم يُؤذَّن للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة مع بلال ، فقد كان بلال يُؤذّن ويُقيم ابن أم مكتوم ، وربما أذن ابن أم مكتوم وأقام بلال ، وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( إنَّ بلالاً يُنادي بليل ، فكلوا واشربوا حتى يُنادي ابن أم مكتوم ) وبما أن ابن أم مكتوم أعمى كان لا يُؤذن حتى يُقال له :( أصبحت أصبحت ) 0

البصر
أتى جبريل - عليه السلام - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده ابن أم مكتوم فقال :( متى ذهب بصرُك ؟) قال : ( وأنا غلام ) فقال : ( قال الله تبارك وتعالى : ( إذا ما أخذتُ كريمة عبدي لم أجِدْ له بها جزاءً إلا الجنة ) 0

اليهودية
نزل ابن أم مكتوم -رضي الله عنه- على يهودية بالمدينة ( عمّة رجل من الأنصار ) فكانت تخدمه وتؤذيه في الله ورسوله ، فتناولها فضربها فقتلها ، فرُفِعَ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال : ( أمّا والله يا رسول الله إن كانت لّتُرْفِقُني -تخدمني- ولكنها آذتني في الله ورسوله ، فضربتها فقتلتها ) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أبعدها الله تعالى ، فقد أبطلتْ دَمَها ) 0

المدينة
استخلفه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المدينة ثلاث عشرة مرة ، في غزواته منها : غزوة الأبواء وبواط ، وذو العسيرة ، وخروجه إلى جهينة في طلب كرز بن جابر ، وفي غزوة السويق ، وغطفان وأحد وحمراء الأسد ، ونجران وذات الرقاع ، واستخلفه حين سار إلى بدر ، ثم في مسيره إلى حجة الوداع ، وشهد فتح القادسية ومعه اللواء
وكان ابن أم مكتوم يُصلّي بالناس في عامّة غزوات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

القاعدون والمجاهدون
عندما نزل قوله تعالى ( لا يَسْتوي القَاعِدونَ مِنَ المؤمنينَ والمجاهدونَ في سَبيلِ الله ) سورة النساء ( آية 95 )
قال عبد الله بن أم مكتوم :( أيْ ربِّ أَنْزِل عُذري ) فأنزل الله (غَيْرُ أولِي الضَّرَرِ )
فجُعِلَتْ بينهما وكان بعد ذلك يغزو فيقول : ( ادفعوا إليّ اللواء ، فإنّي أعمى لا أستطيع أن أفرّ ، و أقيموني بين الصّفَّين )0

يوم القادسية
شهد ابن أم مكتوم فتح القادسية ومعه اللواء ، فقد كانت معه رايةٌ له سَوْداء ، وعليه دِرْعٌ له سابغة ثم رجع ابن أم مكتوم إلى المدينة فمات بها 0

عمير بن وهب

نسبه ولقبه

عمير بن وهب الجُمَحي كان يلقبه أهل مكة بشيطان قريش ، وبعد إسلامه أصبح حواريّ باسل من حواريِّ الإسلام ولاءه الدائم للرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين 0

يوم بدر

في يوم بدر كان واحدا من قادة المشركين الذين حملوا سيوفهم ليجهزوا على الإسلام ، كان حديد البصر محكم التقدير ، ندبه قومه ليستطلع لهم عدد المسلميـن ، وإذا كان من ورائهم كميـن أو مـدد ، فعاد من معسكـر المسلميـن قائلا لقومه : ( إنهم ثلاثمائة رجل ، يزيدون قليلا أو ينقصون ) وسألوه : ( هل وراءهم أمداد لهم ) فقال : ( لم أجد وراءهم شيئا ، ولكن يا معشر قريش رأيت المطايا تحمل الموت الناقع ، قوم ليس معهم مَنَعة ولا ملجـأ إلا سيوفهم ، والله ما أرى أن يقتل رجـل منهم حتى يقتل رجلا منكم ، فإذا أصابوا منكم مثل عددهم ، فما خير العيش بعد ذلك ؟ فانظروا رأيكم ) وتأثر الرجال بقوله وكادوا يعودون الى مكة ، لولا أبو جهل الذي أضرم نار الحقد في نفوسهم فكان هو أول قتلاها وعادت قريش مهزومة ، كما خلّف عمير وراءه ابنه في الأسر 0

المؤامرة

وذات يوم جلس عمير بن وهب مع ابن عمه صفوان بن أمية ، وكان حقد صفوان على المسلمين كبيرا فقد قتل أباه أمية بن خلف في بدر ، فقال صفوان وهو يتذكر قتلى بدر : ( والله ما في العيش بعدهم خير ) فقال له عمير : ( صدقت ، ووالله لولا دَيْن عليّ لا أملك قضاءه ، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت الى محمد حتى أقتله ، فإن لي عنده عِلّة أعتَلّ بها عليه : أقول قدمت من أجل ابني هذا الأسير )000فاغتنمها صفوان وقال :( عليّ دَيْنك ، أنا أقضيه عنك ، وعيالُك مع عيالي أواسيهم ما بقوا ) فقال له عمير : ( إذن فاكتم شأني وشأنك ) ثم أمر عمير بسيفه فشُحذ له وسُمَّ ، ثم انطلق حتى قدم المدينة 0

قدوم المدينة

وبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ، ويذكرون ما أكرمهم الله به ، إذ نظر عمر فرأى عمير بن وهب قد أناخ راحلته على باب المسجد متوشحا سيفه ، فقال : ( هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ، والله ما جاء إلا لشر ، فهو الذي حرّش بيننا وحَزَرنا للقوم يوم بدر ) ثم دخل عمر على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء مُتَوشحا سيفه ) قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( أدخله علي ) فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عُنُقه ، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار : ( ادخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث ، فإنه غير مأمون ) 0

إسلامه

ودخل به عمر على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو آخذ بحمالة سيفه في عُنقه ، فلما رآه الرسول قال : ( دعه يا عمر ، ادْنُ يا عمير ) فدنا عمير وقال : ( انعموا صباحا ) وهي تحية الجاهلية فقال له الرسول -صلى الله عليه وسلم- : ( قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير ، بالسلام تحية أهل الجنة ) فقال عمير : ( أما والله يا محمد إن كُنتُ بها لَحديث عهد ) قال الرسول : ( فما جاء بك يا عمير ؟) قال : ( جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم ) قال النبي : ( فما بال السيف في عُنُقك ؟) قال عمير : ( قبَّحها الله من سيوف ، وهل أغنت عنّا شيئا ؟ ) قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( أصدقني يا عمير ، ما الذي جئت له ؟) قال : ( ما جئت إلا لذلك ) قال الرسول الكريم : ( بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ، ثم قلت لولا دَيْن علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا ، فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له ، والله حائل بينك وبين ذلك ) وعندئذ صاح عمير : ( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهـد أنك رسول الله ، هذا أمـر لم يحضره إلا أنا وصفوان ، فوالله ما أنبأك به إلا الله ، فالحمـد لله الذي هداني للإسلام ) فقال الرسول لأصحابه : ( فَقِّهوا أخاكم في الدين وأقرئوه القرآن ، وأطلقوا له أسيره )

النبأ المنتظر

ومنذ غادر عمير بن وهب مكة الى المدينة راح صفوان ينتظر وهو فرحا مختالا ، وكلما سئل عن سبب فرحه يقول : ( أبشروا بوقعة يأتيكم نبأها بعد أيام تُنسيكم بدر ) وكان يخرج كل صباح الى مشارف مكة ويسأل القوافل والركبان : ( ألم يحدث بالمدينة أمر ؟) حتى لقي مسافر أجابه : ( بلى حدث أمر عظيم ) وتهلَّلت أسارير صفوان وعاد يسأل الرجل : ( ماذا حدث اقصص علي ؟) فأجابه الرجل : ( لقد أسلم عمير بن وهب ، وهو هناك يتفقه في الدين ويتعلم القرآن ) ودارت الأرض بصفوان وأصبح حُطاما بهذا النبأ العظيم 0

العودة الى مكة

أقبل عمير على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم وقال : ( يا رسول الله ، إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله ، شديد الأذى لمن كان على دين الله عز وجل ، وإني لأحب أن تأذن لي فأقدُم مكة فأدعوهم الى الله تعالى ، والى رسوله والى الإسلام ، لعل الله يهديهم ، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم ) 0
وبالفعل عاد عمير - رضي الله عنه - الى مكة وأول من لقيه كان صفوان بن أمية ، وما كاد يراه حتى هم بمهاجمته ، ولكن السيف المتحفز في يد عمير ردَّه الى صوابه ، فاكتفى بأن ألقى على سمع عمير بعض شتائمه ومضى في سبيله ، ودخل عمير مكة مسلما في روعة صورة عمر بن الخطاب يوم إسلامه ، وهكذا راح يعوض ما فاته ، فيبشر بالإسلام ليلا نهارا ، علانية وجهرا ، يدعو الى العدل والإحسان والخير ، وفي يمينه سيفه يُرهب به قطاع الطرق الذين يصدون عن سبيل الله من آمن به ، وفي بضعة أسابيع كان عدد الذين أسلموا على يد عمير يفوق عددهم كل تقدير ، وخرج بهم عمير - رضي الله عنه - الى المدينة بموكب مُهلل مُكبر 0
فتح مكة

وفي يوم الفتح العظيم ، لم ينس عمير صاحبه وقريبه صفوان ، فراح إليه يُناشده الإسلام ويدعوه إليه ، بيد أن صفوان شدّ رحاله صوب جدّة ليبحر منها الى اليمن ، فذهب عمير الى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقال له : ( يا نبي الله ، إن صفوان بن أمية سيد قومه ، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر ، فأمِّـنه صلى الله عليك ) فقال النبي : ( هو آمن ) قال : ( يا رسول الله فأعطني آية يعرف بها أمانك ) فأعطاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - عمامته التي دخل فيها مكة فخرج بها عمير حتى أدرك صفوان فقال : ( يا صفوان فِداك أبي وأمي ، الله الله في نفسك أن تُهلكها ، هذا أمان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد جئتك به ) قال له صفوان : ( وَيْحَك ، اغْرُب عني فلا تكلمني ) قال : ( أيْ صفوان فداك أبي وأمي ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضـل الناس وأبـر الناس ، وأحلـم الناس وخيـر الناس ، عِزَّه عِزَّك ، وشَرَفه شَرَفـك ) قال : ( إنـي أخاف على نفسـي ) قال :( هو أحلم من ذاك وأكرم ) فرجع معه حتى وقف به على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال صفوان للنبي الكريم : ( إن هذا يزعم أنك قـد أمَّـنْتَنـي ) قال الرسـول -صلى الله عليه وسلم - : ( صـدق ) قال صفـوان : ( فاجعلني فيها بالخيار شهريـن ) فقـال الرسول -صلى الله عليه وسلم- : ( أنت بالخيار فيه أربعة أشهر ) وفيما بعد أسلم صفوان ، وسَعِدَ عمير بإسلامه أيما سعادة


عِمْران بن حصين

نسبه واسلامه
عمران بن حُصين بن عبيد الخزاعي وكنيته أبو نُجَيْـد ، أسلم هو وأبوه وأبوهريرة سنة سبع هجرية في عام خَيْبـر ، وغزا عدّة غزوات وحمل راية خزاعة يوم الفتح 0

إيمانه
إيمان عمران بن حصين صورة من صور الصدق والزهد والورع والتفاني وحب الله وطاعته ، ومع هذا فهو يبكي و يقول : ( يا ليتني كنت رمادا ، تذْروه الرياح ) ذلك أن هؤلاء الرجال كانوا يخافون الله لإدراكهم لعظمته وجلاله ، ولإدراكهم لحقيقة عجزهم عن شكره وعبادته ، ولقد سأل الصحابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوما فقالوا : ( يا رسول الله ، ما لنا إذا كنا عندك رقّت قلوبنا ، وزهدنا دنيانا ، وكأننا نرى الآخرة رأي العين ، حتى إذا خرجنا من عندك ، ولقينا أهلنا وأولادنا ودنيانا أنكرنا أنفسنا ؟) فأجابهم عليه السلام : ( والذي نفسي بيده ، لو تدومون على حالكم عندي ، لصافحتكم الملائكة عِياناً ، ولكن ساعة وساعة ) وسمع عمران هذا الحديث وأبى أن يعيش حياته ساعة وساعة وإنما ساعة واحدة موصولة النجوى والتبتُّل لله رب العالمين

البصرة
في خلافة عمر بن الخطاب أرسله الخليفة الى البصرة ليُفَقّه أهلها ويعلمهم ، وفي البصرة حطّ الرحال ، وأقبل عليه أهلها مُذ عرفوه يتبركون به ويستضيئـون بتقواه ، قال الحسن البصـري وابن سيرين : ( ما قدم البصـرة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد يَفضـل عمران بن حصين )

فضله
منذ وضع عمران يمينه بيمين الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصبحت يده اليمين موضع تكريم كبير ، فآلى على نفسه ألا يستخدمها إلا في كل عمل طيب وكريم ، قال عمران : ( ما مَسَسْتُ ذَكرِي بيميني منذ بايعتُ بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)
عن أبي رجاء العُطاردي قال : ( خرج علينا عمران بن حُصين في مِطْرَفِ خَزّ لم نره عليه قَبْلُ ولا بعدُ فقال : قال رسول اللـه -صلى اللـه عليه وسلم- : ( إن الله إذا أنعمَ على عبدٍ نعمةً يحب أن يُرى أثَرُ نعمتِهِ على عبده ) 0
وعندما أوكل عبيد الله بن زياد القضاء إلى عمران بن حُصين ، اختصم إليه رجلان ، قامت على أحدهما البيّنة فقضى عليه ، فقال الرجل :( قضيت عليّ ولم تألُ ، فوالله إنها لباطل )000قال :( الله الذي لا إله إلا هو ؟ ) فوثب فدخل على عبيد الله بن زياد وقال : ( اعزلني من القضاء ) قال : ( مهلاً يا أبا النُجيد ) قال :( لا والله الذي لا إله إلا هو لا أقضي بين رجلين ما عبدتُ الله )

الملائكة
لقد كان عمران يرفض أن يشغله عن العبادة شاغل ، فاستغرق في العبادة حتى صار كأنه لا ينتمي الى عالم الدنيا وإنما ملك يحيا مع الملائكة يحادثهم ويحادثونه ، ويصافحهم ويصافحونه ، قال قتادة : ( إنّ الملائكة كانت تصافح عمران بن حصين حتى اكتوى ، فتنحّت )

الفتنة
لما وقع النزاع الكبير بين علي بن أبي طالب ومعاوية ، وقف عمران بن حصين موقف الحياد ، ورفع صوته بين الناس داعيا إياهم أن يكفوا عن الإشتراك في تلك الحروب ويقول :( لأن أرْعى أعنزا حَضنيّات في رأس جبل حتى يدركني الموت ، أحب إليَّ من أن أرمي في أحدِ الفريقين بسهم ، أخطأ أم أصاب ) كما كان يوصي من يلقاه من المسلمين قائلا :( الْزم مسجدك ، فإن دُخِلَ عليك فالزم بيتك ، فإن دَخَل عليك بيتك من يريد نفسك ومالك فقاتِلْه ) 0


مرضه
حقق إيمان عمران بن حصين أعظم نجاح حين أصابه مرض موجع ، فقد أصاب بطنه داء الإستسقاء ، لبث معه ثلاثين عاما ، ما ضَجِر منه ولا قال أُفّ ، بل كان مثابرا على عبادته ، وإذا هوّن عليه عواده أمر علته بكلمات مشجعة ابتسم لهم وقال :( إن أحب الأشياء الى نفسي ، أحبها الى الله ) وكان يُعرض عليه الكي فيأبى أن يكتوي ، حتى كان قبل وفاته بسنتين فاكتوى 0
فقد كان عمران ينهى عن الكيّ ، فابتُليَ فاكتوى ، فكان يعجُّ ويقول :( لقد اكتويتُ كيّةً بنار ما أبرأتْ من ألمٍ ولا شفتْ من سَقَمٍ )

وفاته
وكانت وصيته لأهله وإخوانه حين أدركه الموت : ( إذا رجعتم من دفني ، فانحروا وأطعموا ) أجل فموت مؤمن مثل عمران بن الحصين هو حفل زفاف عظيم ، تزفّ فيه روح عالية راضية الى جنة عرضها السموات والأرض ، وكانت الوفاة في عام ( 52 هـ )0


عُديّ بن حاتم بن الطائي



نسبه
عُديّ بن حاتم بن عبد الله الطائي وكنيته أبو طريف ، ابن حاتم الطائي الذي يضرب بجوده المثل ، كان نصرانياً ، ووفد على الرسول - صلى الله عليه وسلم - في سنة سبع فأكرمه واحترمه وحسُنَ إسلامه ، ومنع قومه من الردة بقوة إيمانه ، وحَسُن رأيه 0

إسلامه

وقعت أخت عُدي في الأسر ، فمنّ عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأتت أخاها في بلاد الشام فكلمته في المجيء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فجاء وأسلم 0
قال عُدي : بُعِثَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين بُعث فكرهته أشدّ ما كرهت شيئاً قط ، فانطلقتُ حتى إذا كنت في أقصى الأرض ممّا يلي الروم ، فكرهتُ مكاني ذلك مثلما كرهته أو أشدّ ، فقلتُ : ( لو أتيتُ هذا الرجل ، فإن كان كاذباً لم يخفَ عليّ ، وإن كان صادقاً اتبعته ) فأقبلتُ فلمّا قدمتُ المدينة استشرفني الناس وقالوا : ( عُدي بن حاتم ! عُدي بن حاتم )
فأتيته فقال لي : ( يا عديّ بن حاتم أسلمْ تسلمْ )
فقلتُ :( إنّ لي ديناً )
قال :( أنا أعلم بدينك منك )
قلتُ :( أنت أعلم بديني مني ؟ )
قال :( نعم )000مرّتين أو ثلاثاً
قال :( ألست ترأس قومك ؟ )
قلتُ :( بلى )
قال :( ألستَ رُكوسيّاً -فرقة مترددة بين النصارى والصابئين- ألستَ تأكل المرباع ؟ )
قلتُ :( بلى )
قال :( فإن ذلك لا يحلّ في دينَك ) فنضنضتُ لذلك
ثم قال :( يا عديّ أسلمْ تسلمْ )
قلتُ :( قد أرى )
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :( إنّه ما يمنعك أن تسلم إلا غضاضةً تراها ممّن حولي ، وأنت ترى الناس علينا إلْباً واحداً ؟ )
قال :( هل أتيتَ الحيرة ؟ )
فقلتُ :( لم آتِها وقد علمتُ مكانها )
قال :( يُوشك الظعينة أن ترحل من الحيرة بغير جوار ، أو حتى تطوف بالبيت ، ولتفتحنّ علينا كنوز كسرى بن هرمز )
قلتُ :( قلتَ كسرى بن هرمز )
قال : ( كسرى بن هرمز مرتين أو ثلاثة ( وليفيضنّ المالُ حتى يهمَّ الرجل مِنْ يقبلُ صدقتَهُ )
قال عدي : ( فرأيتُ اثنتين : الظعينة - المرأة - في الهودج تأتي حاجةً لا تحتاج إلى جوار ، وقد كنتُ في أول خيل أغارت على كنوز كسرى بن هرمز ، وأحلف بالله لتجيئنّ الثالثة ، إنّه قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-)

فضله
قَدِمَ عُدَي بن حاتم على أبي بكر بصدقات قومه ، وشهد فتوحَ العراق مع سعد ، وكان مع خالد فيمن قطع بدِّيَّة السَّماوة إلى الشام ، وشهد كثيراً من فتوحها نزل الكوفة وابتنى بها داراً في طيء ، وقد قَدِمَ على عمر بن الخطاب ، فرأى منه جفاءً في العطاء والبشاشة ، ولم يلحقه بنظرائه ، فقال عدي : ( يا أمير المؤنين ، أتعرفني ) فضحك عمر ثم قال : ( نعم ، والله إني لأعرفـك ، أسلمت إذ كفـروا ، وعرفتَ إذْ أنكروا ، وأقبلتَ إذْ أدبـروا ، ووَفَيْتَ إذْ غدروا ، وإنّ أول صدقة بيّضتْ وجْهَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صدقة طيء حيثُ جئتَ بها ) وأخذ يعتذر منه في فعله لأولئك ، فقال عدي : ( فلا أبالي إذن )0

عينه
يوم مقتـل عثمان قال عُديّ : ( لا ينتطح فيها عنـزان ) ولم يزل مع علي بن أبـي طالب وشهد معه الجمل وصفّين فلمّا فقئت عينـه يوم الجمل قيل له : ( أما قلت لا ينتطح فيها عنزان ؟ ) قال : ( بلى وتفقأ عيون كثيرة ) 0

وفاته
توفي أبو طريف مُعَمّراً في عام ( 68 هـ ) في الكوفة 0

العلاء بن الحضرمي

نسبه
العلاء بن الحضرمي عبد الله بن ضِماد اليمني ، من حضرموت ، أسلم قديماً وهو أخو عامر بن الحضرمي الذي قُتِلَ يوم بـدر كافراً ، وأخوهما عمـرو الحضرمي أول قتيـل من المشركين قتله مسلم ، وكان أوّل مالٍ خُمّـسَ في الإسلام ، قُتِـلَ يوم النخلة ، وأبوهـم عبد الله كان حليف حرب بن أميـة 0

البحرين

فقد بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - العلاء الحضرمي مُنْصَرَفَهُ من الجعرانة إلى المنذر بن ساوى العبدي بالبحرين ، وكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى المنذر معه كتاباً يدعوه فيه إلى الإسلام ، وخلّى بين العلاء وبين الصدقة يجتبيها ، فقد كتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للعلاء كتاباً فيه فرائض الصدقة في الإبل والبقر والغنم والثمار والأموال ، يصدّقهم على ذلك ، وأمره أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم فيردّها على فقرائهم ، وبعث رسـول الله -صلى اللـه عليه وسلم- معه نفراً فيهم أبو هريرة ، وقال له : ( استـوْصِ به خيـراً ) ثم عزله عن البحرين وبعـث أبان بن سعيد عاملاً عليها 0

عهد أبو بكر
وعندما قُبِضَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وارتدّ ربيعة بالبحرين ، أقبل أبان بن سعيد إلى المدينة وترك عمله ، فأجمع أبو بكر بَعْثَةَ العلاء بن الحضرمي فدعاهُ ، فقال : ( إني وجدتُك من عُمّال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - الذين ولّى ، فرأيتُ أن أولّيَكَ ما كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- وَلاّكَ ، فعليك بتقوى الله ) فخرج العلاء بن الحضرمي من المدينة في ستةَ عشرَ راكباً ، معه فُرات بن حيّان العِجلي دليلاً ، وكتب أبوبكر كتاباً للعلاء أن ينفر معه كلّ من مرَّ به من المسلمين إلى عدوّهم ، فسار العلاء فيمن تبعه منهم حتى نزل بحصن -جواثا- فقاتلهم ، فلم يفلت منهم أحداً ، ثم أتى القطيفَ وبها جمعٌ من العجم ، فقاتلهم فأصاب منهم طرفاً ، وانهزموا فانضمّتِ الأعاجم إلى الزارة ، فأتاهم العلاء فنزل الخطّ على ساحل البحر فقاتلهم وحاصرهم إلى أن توفي أبو بكر الصديق

عهد عمر
ووَليَ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ، وطلب أهل الزارة الصلحَ ، فصالحهم العلاء 0 ثم عبر إلى أهل دارين ، فقاتلهم فقتل المقاتلة ، وحوى الذراري ، وبعث العلاء عَرْفَجةَ بن هَرثَمة إلى أسياف فارس ، فقطع في السفن فكان أول من فتح جزيرة بأرض فارس ، واتخذ فيها مسجداً ، وأغار على باريخان والأسياف ، وذلك سنة أربع عشرة 0

الدعاء
كان العلاء بن الحضرمي من سادات الصحابة العلماء العُبّاد ، مجابي الدّعاء اتفق له في غزو أهل الردة في البحرين أنه نزل منزلاً ، فلم يستقر الناس على الأرض حتى نفرت الإبل بما عليها من زاد الجيش وخيامهم وشرابهم ، وبقوا على الأرض ليس معهم شيء سوى ثيابهم ولم يقدروا منها على بعير واحد ، فركب الناس من الهمّ والغمّ ما لا يحد ولا يُوصف ، وجعل بعضهم يوصي إلى بعض ، فنادى مُنادي العلاء ، فاجتمع الناس إليه فقال :( إيّها الناس ألستم مسلمين ؟ ألستم في سبيل الله ؟ ألستم أنصار الله ؟ ) قالوا : ( بلى ) قال : ( فأبشروا ، فوالله لا يخذل الله مَنْ كان في مثل حالكم )
ونوديَ بصلاة الصبح حين طلع الفجر ، فصلى بالناس ، فلما قضى الصلاة جَثَا على ركبتيه وجَثا الناس ، ونَصب في الدعاء ، ورفع يديه ، وفعل الناس مثله حتى طلعت الشمس ، وجعل الناس ينظرون إلى سراب الشمس يلمع مرّة بعد أخرى ، وهو يجتهد بالدعاء ، فلمّا بلغ الثالثة إذا قد خلق الله إلى جانبهم غديراً عظيماً من الماء القُراح ، فمشى ومشى الناس إليه فشربوا واغتسلوا ، فما تعالى النّهار حتى أقبلت الإبل من كل فجّ بما عليها ، لم يفقد الناس من أمتعتهم سلكاً ، فسقوا الإبل عَللاً بعد نهل 0


الجيوش المرتدة
لمّا اقترب المسلمون من جيوش المرتدة نزل العلاء والمسلمون معه ، وباتوا متجاورين في المنازل ، وبينما المسلمون في الليل إذ سمع العلاء أصواتاً عاليةً في جيش المرتدين ، فقال :( مَنْ رجلٌ يكشف لنا خبر هؤلاء ) فقام عبد الله بن حذف ، فدخل فيهم فوجدهم سُكارى لا يعقلون من الشراب ، فرجع إليه فأخبره فركب العلاء من فوره والجيش معه ، فكَبسوا أولئك فقتلوهم قتلاً عظيماً ، وقلّ من هرب منهم ، واستولى على جميع أموالهم وحواصلهم وأثقالهم ، فكانت غنيمةً عظيمةً جسيمة ، ثم ركب المسلمون في آثار المنهزمين يقتلونهم بكل مرصد وطريق 0


ركوب البحر
وذهب مَنْ فرَّ أو أكثرهم في البحر إلى دارين ، ركبوا إليها السُّفن ، فقال العلاء بن الحضرمي :( اذهبوا بنا إلى دارين لنغزوَ مَنْ بها من الأعداء ) فأجابوه إلى ذلك سريعاً ، فسار بهم حتى أتى ساحل البحر ليركبوا في السفن ، فرأى أن الشُّقّة بعيدة لا يصلون إليها في السفن حتى يذهب أعداء الله ، فاقتحم البحر بفرسِه وهو يقول :( يا أرحم الراحمين ، يا حكيم يا كريم !! يا أحد يا صمد ، يا حيُّ يا مُحيي ، يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام !! لا إله إلا أنت يا ربّنا )
وأمر الجيش أن يقولوا ذلك ويقتحموا ، ففعلوا ذلك ، فأجاز بهم الخليج بإذن الله تعالى يمشون على مثل رملةٍ دَمِثةٍ فوقها ماءٌ لا يغمر أخفاف الإبل ، ولا يصل إلى ركب الخيل ، ومسيرته للسفن يوم وليلة ، فقطعه إلى الساحل الآخر ، فقاتل عدوّه وقهرهم ، واحتاز غنائمهم ثم رجع فقطعه إلى الجانب الآخر فعاد إلى موضعه الأول ، وذلك كله في يوم ، ولم يترك من العدو مخبراً ، ولم يفقد المسلمون في البحر شيئاً سوى عليقة فرس لرجل من المسلمين ومع هذا رجع العلاء فجاءه بها 0
وقد قال عفيف بن المنذر في مرورهم في البحر
ألَـمْ تَرَ أنّ الله ذَلّـلَ بَحْـرَهُ ***** وأنزلَ بالكُفّارِ إحدى الجلائـلِ
دَعُوْناَ إلى شقِّ البحارِ فجاءنا ***** بأعْجَبَ مِنْ فَلْقِ البحار الأوائلِ
وقد كان مع المسلمين رجل من أهل هجر ، ( راهب ) فأسلم حينئذ ، فقيل له : ( ما دعاك إلى الإسلام ؟) فقال : ( خشيتُ إن لم أفعل أن يمسخني الله ، لما شاهدت من الآيات وقد سمعت في الهواء قبل السَّحر دعاءً { اللهم أنت الرحمن الرحيم ، لا إله إلا أنت ، ولا إله غيرك ، والبديع الذي ليس قبلك شيء ، والدائم غير الغافل ، والذي لا يموت ، وخالق ما يُرى وما لا يُرى ، وكل يوم أنت في شأن ، وعلمت اللهم كل شيئاً علماً } فعلمتُ أن القوم لم يُعانوا بالملائكة إلا وهم على أمر الله ) فحسُنَ إسلامه وكان الصحابة يسمعون منه 0

كتاب عمر
كتب عمر بن الخطاب إلى العلاء بن الحضرمي وهو بالبحرين : ( أن سِـرْ إلى عُتبة بن غزوان فقد وَلّيتُك عملهُ ، واعلم أنّك تقدم على رجل من المهاجرين الأوّليين الذين سبقت لهم من الله الحُسْنَى ، لم أعزِلْهُ إلا أن يكون عفيفاً صليباً شديد البأس ، ولكنّي ظننتُ أنّك أغنى عن المسلمين في تلك الناحية منه فاعرف له حقّه ، وقد ولّيتُ قبلك رجلاً فمات قبل أن يصلي ، فإن يُرد الله أن تَليَ وَليتَ وإن يُرد الله أن يَليَ عُتبة ، فالخلق والأمر لله رب العالمين ، واعلم أن أمر الله محفوظ بحفظه الذي أنزله ، فانظر الذي خُلِقْتَ له فاكْدَح له ودَعْ ما سواه ، فإن الدنيا أمدٌ والآخرة مدَدٌ ، فلا يشغلنّك شيءٌ مُدْبِرٌ خيره عن شيءٍ باقٍ شرّه ، واهرب إلى الله من سخطه ، فإن الله يجمع لمن شاء الفضيلة في حُكمه وعلمه ، نسأل الله لنا ولك العونَ على طاعته والنّجاة من عذابه ) 0
فخرج العلاء بن الحضرمي من البحرين في رهط منهم أبو هريرة وأبو بكرة ، فلمّا كانوا بلِياسٍ قريباً من الصِّعاب ، وهي من أرض بني تميم مات العلاء بن الحضرمي ، فرجع أبو هريرة إلى البحرين ، وقدم أبو بكرة إلى البصرة 0

أبوهريرة
قال أبوهريرة - رضي الله عنه - : بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع العلاء بن الحضرمي ، وأوصاه بي خيراً ، فلما فصلنا قال لي : ( إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أوصاني بك خيراً ، فانظُرْ ماذا تحبّ ؟ ) فقلتُ : ( تجعلني أوذّن لك ، ولا تسبقني بأمين ) فأعطاه ذلك0
كان أبو هريرة - رضي الله عنه - يقول : ( رأيتُ من العلاء بن الحضرمي ثلاثة أشياء لا أزال أحبّه أبداً ، رأيته قطع البحر على فرسه يوم دارين ، وقدم من المدينة يريد البحرين فلمّا كان بالدَّهناء نفِدَ ماؤهم ، فدعا الله تعالى لهم ، فنبع لهم من تحت رَمْلَةٍ فارتَوَوْا وارتحلوا ، وأُنْسِيَ رجلٌ منهم بعض متاعه ، فرجع فأخذه ولم يجد الماء ،
وخرجتُ معه من البحرين إلى صفّ البصرة ، فلمّا كنّا بلياس مات ، ونحن على غير ماءٍ ، فأبدى الله لنا سحابةً فمُطرنا ، فغسّلناه وحفرنا له بسيوفِنَا ، ولم نُلحِد له ودفنّاه ومضينا ، فقال رجل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ( دفنّاه ولم نلحد له ) فرجعنا لِنُلْحِد له فلم نجد موضع قبره ، وقدم أبو بكرة البصرة بوفاة العلاء الحضرمي )

وفاته
توفي العلاء بن الحضرمي في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سنة أربع عشرة ، وقيل سنة إحدى وعشرين والياً على البحرين

يتبع[/align:7a25824525]

الساهر
09-09-2007, 07:41 PM
[align=center:1b2b748ffa]عُقبة بن نافع


نسبه

عُقبة بن نافع بن عبد القيس القرشـيّ ، وُلِدَ في عهد الرسول - صلى اللـه عليه وسلم - ، وخاله عمرو بن العاص ، وشهد معه فتح مصر واختطّ بها ثم ولاهُ يزيد بن معاوية إمرة المغرب ، وهو الذي بنى القيروان 0

الرفعة والعافية
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عقبة بن نافع : ( رأيتُ كأنّي في دار عُقبة بن نافع ، فأتينا برُطَبٍ أبّر - مُلَقّح -طاب ، فأوّلتُها : الرفعة والعافية وإنّ دينَنَا قد طاب لنا ) 0

فتح مصر
شَهِدَ عُقبة بن نافع فتح مصر ( 18-21 هـ )، واختطّ بها ، فقد اتّخذ فيها أرضاً ووضع لها علاماً ليعلم أنها ملكه ، وقد بعثه عمرو بن العاص إلى القرى التي حولها ، فدخلت خيولهم أرض النوبة غزاةً ، فلقي المسلمون قتالاً شديداً 0

غزوات عُقبة
في عام ( 20 هـ ) أرسل عمرو بن العاص عُقبة بن نافع على رأس جيش إسلامي ، تمكّن من فتح برقة ، وفزان ، وزويلة ، وقد اتّخذ عُقبة من برقةَ قاعدةً لنشر الإسلام في المناطق الواقعة غرب مصر0
قال خليفة : في سنة إحدى وأربعين ولى عمرو بن العاص ، وهو على مصر عقبة بن نافع افريقية ، فانتهى إلى قونِية -وهي من أعظم مدن الإسلام ببلاد الروم - وقَراقِيَةَ - على طريق الإسكندرية إلى افريقية- فأطاعوه ، ثم كفروا ، فغزاهم من سَبْتَةَ فقتل وسبى ، وفيها سنة اثنتين وأربعين غزا عقبة بن نافع إفريقية فافتتح غُدامس ، وفي سنة ثلاث وأربعين غزا عقبة بن نافع فافتتح كُوراً من بلاد السودان ، وافتتح وَدّان ، وهي من حيدة برقة ، وكلها من بلاد إفريقية 0

فتح إفريقية
فلمّا ولي معاوية بن أبي سفيان وجّه عُقبة بن نافع إلى افريقية عام ( 50 هـ ) ، غازياً في عشرة آلاف من المسلمين ، فافتتحها واختطّ قيروانها ، وقد كان موضعه بستاناً واسعاً ، لا ترام من السباع والحيات وغير ذلك من الدّواب ، فدعا الله عليها ، فلم يبقَ فيها شيء مما كان فيها إلا خرج هارباً بإذن الله ، فقد وقف وقال : ( يا أهل الوادي ، إنّا حالون -إن شاء الله- فاظعنوا ) ثلاث مرات ، قيل : ( فما رأينا حجراً ولا شجراً ، إلا يخرج من تحته دابّة حتى هبطن بطنَ الوادي ) ثم قال للناس : ( انزلوا باسم الله ) فأسلم خلق كبير من البربر ، فقد كان عُقبة بن نافع مُجاب الدعوة 0
وهكذا أصبحت القيروان قاعدة حربية لتأمين الخطوط الدفاعية الإسلامية في المنطقة ، ونقطة إنطلاق لنشر الإسلام بين السكان هناك 0

بحر الظلمات
ولمّا عادَ عُقبة للولاية ثانيـةً عام ( 60 هـ ) سار بقواتـه غرباً حتى وصل المحيـط الإطلسي ( بحر الظلمات ) عام ( 62 هـ ) ، فتوقّف حينئـذ وقال : ( يا ربِّ لولا هذا البحرُ لمضيتُ في البلاد مُجاهداً في سبيلك ، أنشر دينكَ المبينَ ، رافعاً راية الإسلام فوقَ كل مكانٍ حصينٍ ، استعصى على جبابرة الأقدمين )0

الشهادة
وفي أثناء عودة عُقبة بن نافع إلى القيروان ، فاجأهُ ( كُسَيْلةُ ) بفريق من البربر وحلفائه البيزنطيين ، واشتبكوا معه في معركة انتهت باستشهاده مع عدد من الجنود 0
استشهد عُقبة في إفريقيـة سنة ( 63 هـ ) ، وأوصى أبناءه ألا يقبلـوا الحديث عن رسـول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم - إلا من ثقة ، وألا تشغلهم الإمارةُ عن القرآن 0


عبد الله بن سلام


نسبه
عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي الأنصاري ( أبو يوسف ) من ذُريّة يوسف عليه السلام ، هو إمام حَبْر ، مشهود له بالجنـة كان من أحبار اليهود ، وأسلم عند قدوم الرسول - صلى اللـه عليه وسلم - ، وكان من فقهاء الصحابة وعُلمائها ، وكان عبد الله بن سلام حليفَ الخزرج ، وكان من بني قينقاع ، وكان اسمه الحُصَيْن ، فغيّره النبي - صلى الله عليه وسلم - وسمّاه عبد الله ، ابناه يوسف ومحمد وغيرهم ، ويوسف قد أدرك الرسول - صلى الله عليه وسلم - فأجلسه على حجره ومسح على رأسه ، وسمّاه يُوسف0

إسلامه
قال عبد اللـه بن سلام :( لمّا سمعت رسـول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم - عرفت صفتَهُ واسمَهُ وزمانه وهيئته ، والذي كنّا نتوكّف - نتوقع - له ، فكنت مُسِرّاً ولذلك صامتاً عليه حتى قدم رسـول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم - المدينة ، فلمّا قَدِمَ نزل بقباء في بني عمرو بن عوف ، فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه ، وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها ، وعمّتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة ، فلمّا سمعتُ الخبر بقدوم رسـول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم - كبّرت ، فقالت لي عمّتي حين سمعت تكبيري :( لو كنتَ سمعت بموسى بن عمران قادماً ما زدت ؟ ) قُلتُ لها :( أيْ عمّة ، هو واللـه أخـو موسـى بن عمران وعلى دينـه ، بُعِـثَ بما بُعِثَ به ) فقالت لي :( أيْ ابن أخ ، أهو النبي الذي كُنّا نُخبَرُ به أنه بُعث مع نَفَسِ السّاعة ) فقلت :( نعم ) قالت :( فذاك إذاً ) فأتى النبي - صلى الله عليه وسل م- فقال :( إنّي سائلك عن ثلاثٍ لا يعلمهُنَّ إلى نبي ، فما أول أشراط الساعة ؟ وما أول طعام أهل الجنة ؟ وما يَنْزعُ الولدُ إلى أبيه أو إلى أمه ؟ ) قال - صلى الله عليه وسلم - :( أخبرني بهن جبريل آنفاً ) قال : ( جبريل ؟ ) قال :( نعم ) قال :( وذاك عدو اليهود من الملائكة ="4"]فقرأ هذه الآية قوله تعالى :( مَنْ كانَ عدوّاً لجبريلَ فإنّهُ نزَّلَهُ على قلبكَ ) سورة البقرة آية (97) أمّا أول أشراط الساعة ، فنار تحشُرُ النّاس من المشرق إلى المغرب ، وأمّا أوّل طعام أهل الجنّة فزيادة كَبِد الحوتِ ، وإذا سبقَ ماءُ الرجلِ ماءَ المرأةِ نزع الولد ، وإذا سبق ماءُ المرأةِ نزعتْ ) قال :( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنك رسول الله )

موقف اليهود منه
قال عبد الله بن سلام :( إن اليهود قومٌ بُهْتٌ ، وإنّي أحب أن تدخلني في بعض بيوتك فتغيّبني عنهم ثم تسألهم عنّي حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامي ، فإنّهم إن علموا بذلك بهتوني وعابُوني )
قال : فأدخلني بعض بيوته ، فدخلوا عليه فكلّموه وسألوه ، ثم قال لهم :( أيُّ رجلٍ الحصين بن سلام فيكم ؟) قالوا :( سيّدنا ، وابن سيّدنا ، وخيرُنا وعالِمنا ) فلمّا فرغوا من قولهم خرجت عليهم ، فقلت لهم :( يا معشر يهود ، اتقوا الله ، واقبلوا ما جاءكم به ، فوالله إنكم لتعلمون إنه لرسول الله ، تجدونـه مكتوبـاً عندكـم في التـوراة ، اسمه وصفته ، فإنّي أشهد أنه رسـول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم - ، وأومِن به وأصدقه وأعرفه ) قالوا :( كذبت ) ثم وقعوا فيّ ، فقلت :( يا رسول الله ، ألم أخبرك أنهم قومٌ بُهْت وأهل كذبٍ وغدرٍ وفُجُور )
ونزل قوله تعالى :( قُلْ أرَءَيْتُم إن كانَ مِنْ عَنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ منْ بَنِي إسْرائيل على مِثْلِهِ فآمَنَ واسْتَكبَرتُم إنّ الله لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالمينَ ) سورة الأحقاف آية (10)
قال :( فأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي ، وأسلمت عمّتي خالدة بنت الحارث ، فحسن إسلامها )

فضله
عن سعد بن أبي وقّاص : أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - أتِيَ بقصعةٍ فأكل منها ، فَفَضَلتْ فضلة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( يجيء رجل مِنْ هذا الفجِّ من أهل الجنّة يأكل معي هذه الفضلة ) فجاء عبد الله بن سلام فأكلها
عن معاذ بن جبل قال :( سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول :( إن عبد الله بن سلام عاشر عشرة في الجنة ) وعن يزيد بن عَميرة السّكسَكي -وكان تلميذاً لمعاذ- ، أنّ مُعاذ أمره أن يطلب العلم من أربعة : عبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن سلام ، وسلمان الفارسي وعُويمر أبو الدرداء

الرؤيا
قال قيس بن عُبادة : كنتُ جالساً في مسجد المدينة فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع ، فقالوا :( هذا رجل من أهل الجنّة ) فصلى ركعتين تجوّز فيهما ، ثم خرج وتبعته فقلت :( إنّك حين دخلت المسجد قالوا : هذا رجل من أهل الجنة ؟) قال :( والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم ، وسأحدثك لِمَ ذلك : رأيت رؤيا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقصصتها عليه ، ورأيت كأنّي في روضة ، ذكر من سَعَتِها وخُضرتها ، وسطها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء ، في أعلاه عروة ، فقيل لي : ارقهْ ، قلتُ : لا أستطيع ، فأتاني مِنْصَفٌ فرفع ثيابي من خلفي ، فرقيتُ حتى كنت في أعلاها ، فأخذت بالعروة ، فقيل له : استمْسِكْ ، فاستيقظتُ وإنها في يدي ، فقصصتها على النبي -صلى الله عليه و سلم- قال :( تلك الروضة : الإسلام ، وذلك العمود عمود الإسلام ، وتلك العروة عُروة الوُثْقى ، فأنت على الإسلام حتى تموت ) وذلك الرجل عبد الله بن سلام 0

مقتل عثمان
لمّا أريد قتلُ عثمان بن عفان -رضي الله عنه- ، جاء عبد الله بن سلام فقال له عثمان :( ما جاءَ بك ؟) قال :( جئْتُ في نصرِك ) قال :( اخرجْ إلى الناس فاطردهم عنّي ، فإنّك خارجٌ خيراً لي منك داخل ) فخرج عبد الله إلى الناس فقال :( أيّها الناس إنّه كان اسمي في الجاهلية فلاناً فسمّاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( عبد الله ) ، ونزلت فيّ آياتٌ من كتاب الله عز وجل نزل فيّ :( وشَهِدَ شاهِدٌ منْ بَنِي إسْرائيل على مِثْلِهِ فآمَنَ واسْتَكبَرتُم ) سورة الأحقاف آية (10)
ونزل فيَّ :( قُلْ كفَى باللهِ شَهِيداً بيني وبَينَكم ومِنْ عِنْدَهُ علمُ الكتابِ ) سورة الرعد آية (43)
إنّ لله سيفاً مغموداً وإنّ الملائكة قد جاورتْكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فالله الله في هذا الرجل أن تقتُلوه ، فوالله لئن قتلتموه لتطردنّ جيرانكم الملائكة ، ولَيُسَلنَّ سيفُ الله المغمود فيكم فلا يغمد إلى يوم القيامة ) قالوا :( اقتلوا اليهودي ، واقتلوا عثمان ) 0

خروج عليّ
نهى عبد الله بن سلام عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن خروجه إلى العراق ، وقال :( الْزَمْ مِنْبرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن تركته لا تراه أبداً ) فقال عليّ :( إنّه رجلٌ صالحٌ منّا ) 0

وفاته
توفي عبد الله بن سلام بالمدينة سنة ثلاث وأربعين رضي الله عنه 0


عاصم بن ثابت

نسبه
هو عاصـم بن ثابـت بن أبي الأقْلَح في يـوم أحد أبلى بلاء عظيما فقتل مُسَافع ابن طلحة وأخاه الجُلاس بن طلحة كلاهما يُشعـره سهماً فيأتي أمه سُلافة فيضع رأسه في حجرها فتقول :( يا بني من أصابك ؟) فيقول :( سمعت رجلا حين رمانـي وهو يقول : خذهـا وأنا ابن أبي الأقلـح ) فنذرت أن أمكنها اللـه من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر 0

يوم الرجيع

في سنة ثلاث للهجرة ، قدم على الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد غزوة أحد نفر من عَضَل والقَارَة فقالوا :( يا رسول الله ، إن فينا إسلاما ، فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين ، ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام ) فبعث معهم مرثد بن أبي مرثد ، وخالد بن البكير ، وعاصم بن ثابت ، وخبيب بن عدي ، وزيد بن الدثنة ، وعبدالله بن طارق ، وأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- على القوم مرثد بن أبي مرثد فخرجوا حتى إذا أتوا على الرجيع ( وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز على صدور الهدأة ) غدروا بهم ، فاستصرخوا عليهم هذيلا ، ووجد المسلمون أنفسهم وقد أحاط بهم المشركين ، فأخذوا سيوفهم ليقاتلوهم فقالوا لهم :( إنا والله ما نريد قتلـكم ، ولكنا نريد أن نصيـب بكم شيئا من أهل مكـة ، ولكم عهد الله وميثاقـه ألا نقتلكم ) فأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبد الله بن طارق فلانوا ورقّوا فأعطوا بأيديهم فأسروهم ( وإن استشهدوا لاحقا بمواقف مختلفة ) وأما مرثد بن أبي مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت فقالوا :( والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا ) وقال عاصم
ما علّتي وأنا جَلـدٌ نابل000والقوس فيها وَتَرٌ عُنابل
تزلُّ عن صفحتها المعابل000الموتُ حقٌّ والحياةُ باطلُ
وكل ما حَـمُّ الإلهُ نازل000بالمرء والمرء إليه آئـل
إن لم أقاتلكم فأمي هابلُ

عهد الله

ثم قاتلوا القوم وقتلوا فلما قُتِلَ عاصم أرادت هُذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سُلافة بنت سعد بن شُهَيد وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد : لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر ، فمنعتْه الدَّبْر فلما حالت بينه وبينهم الدَّبْرُ قالوا :( دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه ) فبعث الله الوادي فاحتمل عاصماً فذهب به ، وقد كان عاصم قد أعطى الله عهداً ألاَّ يمسّه مشركٌ ولا يمسَّ مشركاً أبداً تنجُّساً ، فكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول حين بلغه أن الدَّبْرَ منعته :( يحفظ الله العبد المؤمن ، كان عاصم نذر ألا يمسّه مشرك ولا يمس مشركاً أبداً في حياته ، فمنعه تالله بعد وفاته ، كما امتنع منه في حياته )

عباد بن بشر

نسبه
عباد بن بشر رجل من المدينة أقبل على مجلس مصعب بن عمير مُوفد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصغى إليه ثم بسط يمينـه مبايعا على الإسـلام ، وأخذ مكانه بين الأنصار وفي الصفوف الأولى للجهاد في سبيل الله 0

غزوة ذات الرّقاع
بعد أن فرغ الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومعه المسلمون من غزوة ( ذات الرقاع ) نزلوا مكانا يبيتون فيه ، واختار الرسول الكريم للحراسة نفر من الصحابة يتناوبـون وكان منهم ( عمّار بن ياسـر ) و ( عباد بن بشـر ) فقال عباد لعمّار :( أي الليل تحب أن أكفيكـه أوله أم آخره ؟ ) قال عمار :( بل اكفني أوله ) فاضطجع عمّار ونام ، وقام عباد يصلي ، وإذا هو قائم يقرأ القرآن اخترم عَضُده سهم فنزعه واستمر في صلاته ، ثم رماه المهاجم بسهم آخر ، نزعه ، ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه ، فنزعه وركع وسجد ثم مدّ يمينه وهو ساجد الى صاحبه عمّار وظل يهزه حتى استيقظ ثم أتم صلاته ، ووثب عمّار مُحدِثا ضجة وهرولة أخافت المتسللين وفرّوا ، ولما رأى عمّار دماء عباد قال له :( سبحان الله أفلا أهببتني أول ما رماك ؟ )قال :( كنـت في سورة أقرؤها فلم أحـب أن أقطعها حتى أنفذها ، فلما تابـع علي الرمي ركعت فآذنتـك ، وايم الله لولا أن أضيع ثغـرا أمرني رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- بحفظه لقطع نَفْسي قبل أن أقطعها أو أنفذها )

نوره وولاؤه
كان عباد - رضي الله عنه - شديد الولاء لله و لرسوله ولدينه ، فمنذ أن سمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول :( يا مَعْشر الأنصار أنتم الشعار ، والناس الدثار ، فلا أوتينّ مِن قِبَلكم ) وكان هو من الأنصار فسمعها ولم يتوانى عن بذل حياته وماله وروحه في سبيل الله ورسوله ، فكان عابد تستغرقه العبادة ، بطل تستغرقـه البطولة ، جواد يستغرقـه الجود ، وعرفه المسلمين بهذا الإيمان القـوي ، وقد قالت عنه السيدة عائشـة - رضي الله عنها - :( ثلاثة من الأنصار لم يجاوزهم في الفضل أحد ، سعد بن معاذ ، وأسَيْد بن حُضَير ، وعبّاد بن بشر ) وبات يُعْرَف بأنه الرجل الذي معه من الله نور بل أجمع بعض إخوانه على أنه إذا مشى في الظلام ينبعث منه أطياف ونور يضيء له الطريق 0

معركة اليمامة والشهادة
وفي حروب الردة حمل عبّاد مسئولياته في استبسال كبير ، وفي يوم اليمامة أدرك الخطر المحيط بالمسلمين فأصبح فدائيا لا يحرص إلا على الموت والشهادة ، ويقول أبو سعيد الخدْري -رضي الله عنه- :( قال لي عبّاد بن بشر :( يا أبا سعيد رأيت الليلة كأن السماء قد فُرِجَت لي ثم أطْبَقَت علي ، وإني لأراها إن شاء الله الشهـادة ) فقلت له :( خيرا والله رأيـت ) وإني لأنظر إليه يوم اليمامة وإنه ليصيح بالأنصار :( احطموا جُفون السيوف ، وتميزوا بين الناس )000فسارع إليه أربعمائة رجل كلهم من الأنصار ، حتى انتهوا الى باب الحديقة فقاتلوا أشـد القتال ، واستشهـد عبّاد بن بشـر رحمه الله ، ورأيت في وجهه ضربا كثيرا ، وما عرفته إلا بعلامة كانت في جسده )


قيس بن عاصم
نسبه

قيس بن عاصم بن سنان المنقريّ التميميّ ، صحابي سيّد كريم حليم وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة تسع في وفد بني تميـم فقال عنه :( هذا سيد أهل الوبر ) عيّنه النبي الكريم على صدقات مُقاعس وبطون أسد وغطفان ، وتحوّل الى البصرة حيث مات 0

إسلامه
عندما أسلم قيس بن عاصم أمره الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالإغتسال بماءٍ وسدْرٍ ، فاغتسل ، فأقيمت الصلاة ، فدخل بين أبي بكر و عمر فقام بينهما ، فلما قضى الصلاة قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( لقد سألني قيس عن ثلاث كلمات ما سألني عنها غيرُ أبي بكر ) 0


خُلُقُه
كان قيس بن عاصم حليماً يُقتدى به ، فقد قيل للأحنف :( ممن تعلمت الحِلْم ؟) قال :( من قيس بن عاصم ، رأيته يوماً محتبياً فأتي برجلٍ مكتوف وآخر مقتول ، فقيل :( هذا ابن أخيك ، قتل ابنك ) فالتفت الى ابن أخيه فقال :( يا ابن أخي بئسَمَا فعلت ، أثمت بربّك ، وقطعت رَحِمَك ، ورميت نفسك بسهمك ) ثم قال لابن له آخر :( قُمْ يا بني فوارِ أخاك ، وحُلَّ كتاف ابن عمّك ، وسُقْ إلى أمّهِ مائةَ ناقة ديَة ابنها ، فإنها غريبة ) 0
قال له أبو بكر :( صِفْ لنا نفسك ) فقال :( أما في الجاهلية فما هممتُ بملامة ، ولا حُمْتُ على تهمةٍ ، ولم أُرَ إلا في خيلٍ مغيرةٍ أو نادي عشيرة ، أو حامي جريرة ، أمّا في الإسلام فقد قال الله تعالى :( فلا تُزكّوا أنفسكم ) فاعجب أبو بكر

المال
قال قيس بن عاصم للرسول - صلى الله عليه وسلم - :( يا رسول الله ، المالُ الذي لا تبعة عليّ فيه ؟ ) قال :( نِعْم المال الأربعون ، وإن كثر فستون ، ويلٌ لأصحاب المئيـن إلا من أدى حقّ اللـه في رِسْلِها ونَجْدتها ، وأطـرق فحلَها ، وأفقـر ظهرها ، ومنـح غزيرتها ، ونحرَ سمينتها ، وأطعم القانع والمعتر ) فقال قيـس :( يا رسـول الله ما أكرم هذه الأخلاق وأحسنها ) قال :( يا قيـس أمالك أحب إليك أم مال مواليـك ؟) قال :( بل مالي ) قال :( فإنما لك من مالك ما أكلتَ فأفنيتَ أو لبست فأبليتَ أو أعطيت فأمضيتَ وما بقي فلورثتكَ ) فقال :( يا رسول الله ! لئن بقيتُ لأدعنّ عددها قليلاً )

الوأد
كان قيس بن عاصم أول من وأد بالجاهلية ، وقد قال له أبو بكر :( ما حملك على أن وأدت ؟) فقال :( خشيت أن يخلف عليهنّ غيرُ كُفْوءٍ ) وقد جاء قيس بن عاصم الى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال :( إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية ) وفي رواية أخرى اثنتي عشرة فقال له الرسـول - صلى اللـه عليه وسلم - :( اعتق عن كل واحدة منهن رقبة ) وقال :( إني صاحـب إبل ) قال :( اهدِ إن شئـتَ عن كل واحدة منهن بدنة ) وكان لقيس ثلاث وثلاثون ولداً 0

تحريم الخمر
حرّم قيس بن عاصم على نفسه الخمر في الجاهلية ، وكان سبب ذلك أنه غمز عكثة ابنته وهو سكران ، وسبّ أبويها ، وأعطى الخُمّار كثيراً من ماله ، فلمّا أفاق أخبر بذلك ، فحرّمها على نفسه وقال في ذلك
رأيت الخمـر صالحةً وفيها00000خصال تفسد الرجلَ الحليمـا
فلا واللـه أشربها صحيحاً00000ولا أشفى بها أبـداً سقيمَـا
ولا أعطـي بها ثمناً حياتي00000ولا أدعـو لها أبـداً نديمَـا
فإن الخمرَ تفضـح شاربيها00000وتجنيـهم الأمـر العظيمَـا

الوصايا
لمّا حضرت قيس بن عاصم الوفاة دعا بنيه فقال :( يا بنيّ احفظوا عني فلا أحد أنصح لكم مني ، إذا أنا مت فسوِّدوا كبارَكم ، ولا تُسَوِّدوا صغارَكم ، فتُسَفِّه الناس كبارَكم ، وتهونوا عليهم ، وعليكم بإصلاح المال ، فإنه منبهة للكريم ، ويستغني به عن اللئيم ، وإياكم ومسألة الناس ، فإنها آخر كسب المرء ولا تقيموا عليّ نائحةً فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن النائحة )

الوفاة
ونزل قيس البصرة ومات فيها ،
ولمّا مات رثاه عَبْدة بن الطبيب بقوله
عليكَ سلامُ الله قيسَ بن عاصمٍ00000ورحمتُهُ ما شاءَ أن يترحّما
وما كان قيسٌ هُلْكه هُلْكُ واحدٍ00000ولكنّـه بُنيانُ قومٍ تهدّمـا


المثنى بن حارثة
نسبه
المثنَى بن حارثة بن ضَمضَم الشّيبانيّ ، وفد الى الرسول - صلى الله عليه وسلم - سنة تسع مع وفد قومه ، كان شهماً شجاعاً ميمون النقيبة حسن الرأي ، أبلى في قتال الفرس بلاءً لم يبلغه أحداً 0

الفرس
كان المثنى بن حارثة كثير الإغارة على الفرس ، فكانت الأخبار تأتي أبا بكر فقال :( من هذا الذي تأتينا وقائعه قبل معرفة نسبه ؟ ) فقال قيس بن عاصم :( أما إنه غير خامل الذكر ولا مجهول النسب ولا قليل العدد ولا ذليل الغارة ، ذلك المثنى بن حارثة الشيباني )
ثم قدِمَ بعد ذلك على أبي بكر فقال :( ابعثني على قومي أقاتل بهم أهل فارس ، وأكفيك أهل ناحيتي من العدوّ ) ففعل أبو بكر ، وأقام المثنى يُغير على السواد ، ثم أرسل أخاه مسعود بن حارثة إلى أبي بكر يسأله المدد ، فأمدّه بخالد بن الوليد ، فهو الذي أطمع في الفرس

الوفاة
ولمّا ولي عمر بن الخطاب الخلافة سيّر أبا عبيد بن مسعود الثقفي في جيش الى المثنى ، فاستقبله المثنى واجتمعوا ولقوا الفرس بـ( قس الناطف ) واقتتلوا فاستشهد أبو عبيد ، وجُرِحَ المثنى فمات من جراحته قبل القادسية ، رضي الله عنهما

يتبع[/align:1b2b748ffa]

الساهر
09-09-2007, 07:46 PM
[align=center:e8b082157e]الوليد بن الوليد بن المغيرة


نسبه
الوليد بن الوليد بن المغيرة القرشيّ المخزوميّ ، أخو خالد بن الوليد كان حضر بدراً مع المشركين فأسر ، فافتداه أخواه هشام وخالد ، فلما افتُديَ أسلم وعاتبوه في ذلك فقال :( أجبت ) فقال :( كرهت أن يظنوا بي أني جزعتُ من الأسر )

الأسر
ولمّا أسلم الوليد حبسه أخواله ، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو له في القنوت ، وكان يقول :( اللهم أنج الوليد بن الوليد ، والمستضعفين من المؤمنين ) ثم أفلت من أسرهم ، ولحق بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في عمرة القضية

الوحشة
قال الوليد للرسول -صلى الله عليه وسلم- :( يا رسول الله إني أجد وحشة في منامي ) فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( إذا اضجعت للنوم فقُلْ : بسم الله أعوذ بكلمات الله من غضبه وعقابه وشرّ عباده ومن همزات الشياطين ، وأعوذ بك ربّ أن يحضرون ، فإنه لا يضرك ) فقال ذلك فذهب عنه ما كان به


وفاته
لمّا توفي الوليد - رضي الله عنه - قالت أم سلمة زوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي ابنة عمه
يا عيـن فابكي للوليد بن الوليد بن المغيرهْ قد كان غيثـاً في السنين ورحمةً فينا منيرهْ
ضخم الدسيعة ماجداً يسمو الى طلب الوتيرهْ مثل الوليد بن الوليد أبي الوليد كفى العشيرة

لبيد بن ربيعة
نسبه
لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك الكِلابيّ ، كان فارساً شجاعاً ، شاعراً من فحول الشعراء ، قال الشعر في الجاهلية دهراً ، وقلّ في الإسلام أسلم وحسن إسلامه ، فرجع الى قومه ، ثم نزل الكوفة حتى مات فيها

أصدق الشعر
روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :( أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد ، ألا كل ما خلا الله باطل ) والشطر الثاني : وكل نعيم لا محالة زائل - إلا نعيم الجنة

من شعره
من قوله في الإسلام :
ما عاتَبَ المَرْءَ اللبيبَ كنفسِهِ والمَرْءُ يُصْلِحُهُ الجَليسُ الصالِحُ
ومن قوله أيضاً : الحمـدُ للـه إذْ لم يأتني أجلـي حتى لبستُ مِنَ الإسلامِ سِرْبالاَ
ولمّا اشتدّ الجَدْبُ على مضر بدعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفد عليه وفد قيس وفيهم لبيد فأنشد
أتَيْناكَ يـا خيـرَ البريّـة كلِّها لترحمنـا ممّـا لقينا مـن الأزْلِ
أتيناكَ والعَذراء تدمَـى لبَانُهـا وقد ذهَلَت أمُّ الصبـيّ عن الطفـلِ
فإِنْ تَدْعُ بالسقيـا وبالعفو ترسل السماءُ لنا والأمرُ يبقى على الأصلِ
وألقَى تكنّيـه الشجـاعُ استكانةً من الجوعِ صمتـاً لا يمرُّ ولا يُحلي

البقرة وآل عمران
قال له عمر بن الخطاب يوماً :( يا أبا عقيل ، أنشدني شيئاً من شعرك ) فقال :( ما كنت لأقول شعراً بعد أن علّمني الله البقرة وآل عمران ) فزاده عمر في عطائه خمسمائة ، وكان ألفين

وفاته
مات في سنة إحـدى وأربعيـن وكان قد عُمّر ، وعلى الأرجح عاش مائـة وخمساً وأربعيـن سنة ، منها خمس وخمسـون في الإسـلام ، وتسعـون في الجاهلية


قيس بن سعد بن عبادة

نسبه
انه الأنصاري الخزرجي ابن سعد بن عبادة زعيم الخزرج ، حين أسلم والده أخذ بيده الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائلا :( هذا خادمك يا رسول الله ) رأى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه سمات التفوق والصلاح ، فأدناه منه حتى أصبح بمكان صاحب الشرطة من الأمير كما قال أنس - رضي الله عنه - ، وكان يعامله الأنصار على حداثة سنه كزعيم ويقولون :( لو استطعنا أن نشتري لقيس لحية بأموالنا لفعلنا ، فلم ينقصه شيء من الزعامة سوى اللحية ، فقد كان أجرد

دهاء قيس
لقد كان قيس بن سعد ذكيا ، يعامل الناس بفطنة ، لذا كان أهل المدينة يحسبون لدهائه ألف حساب ، ولكن بعد اسلامه أخذ يعامل الناس باخلاصه لا دهائه ولم يعد ينسج المناورات القاتلة ، وعندما يتذكر ماضيه يضحك قائلا :( لولا الاسلام ، لمكرت مكرا لا تطيقه العرب )

جوده وكرمه
وكان الشيء الوحيد الذي يفوق ذكاءه هو كرمه وجوده ، فهو من بيت جود وكرم ، وكان لأسرته مناد يقف فوق مرتفع لهم ينادي الضيفان الى طعامهم نهارا ، أو يوقد النار لتهدي الغريب ليلا ، وكان الناس يقولون :( من أحب الشحم ، واللحم ، فليأت أطم دليم بن حارثة ) ودليم هو الجد الثاني لقيس ، ويقول أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- :( لو تركنا هذا الفتى لسخائه ، لأهلك مال أبيه ) فلما سمعهما والده سعد صاح قائلا :( من يعذرني من أبي قحافة وابن الخطاب ، يبخلان علي ابني ) كما كان قيس اذا جاءه من يرد له دينه يقول :( انا لا نعود في شيء أعطيناه )

شجاعته
تألقت شجاعة قيس - رضي الله عنه - في جميع المشاهد التي صاحب فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو حي ، شجاعة نابعة من الصدق مع النفس والاخلاص للحق ، تألقت حتى بعد رحيل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وحين حدث الخلاف بين علي و معاوية بحث قيس - رضي الله عنه - عن الحق مع نفسه حتى وجده مصاحبا لعلي - رضي الله عنه - ، فنهض الى جانبه قويا شامخا ، فقد تألق في معارك صفين ، والجمل ، والنهروان ، وكان يحمل لواء الأنصار ويصيح قائلا
هذا اللواء الذي كنا نحف به مع النبي ، وجبريل لنا مدد
ما ضر من كانت الأنصار عيبته ألا يكون له من غيرهم أحد
وقد ولاه علي حكم مصر ، وكانت عين معاوية عليها دوما ، فأخذ معاوية يدس الحيل عند علي ضد قيس ، حتى استدعاه الأمير ، فادرك قيس بذكائه حيلة معاوية ضده ، فلم يكترث لعزله من الولاية ، وانما زاد ولاء لعلي - كرم الله وجهه -
وبعد استشهاد علي - رضي الله عنه - بايع قيس الحسن - رضي الله عنه - مقتنعا بأنه الوارث الشرعي للامامة ، وحينما حملوا السيوف أمام معاوية يقود قيس خمسة آلاف ممن حلقوا رءوسهم حدادا على علي ، ولكن يؤثر الحسن أن يحقن دماء المسلمين ، فيبايع معاوية -رضي الله عنه- ، وهنا يجد قيس -رضي الله عنه- نفسه أمام جيشه الذي من حقه الشورى في مبايعة معاوية أو الاستمرار في القتال ، فاختاروا المبايعة

موته
وفي عام تسع وخمسين للهجرة مات الداهية في المدينة المنورة ، بعد أن روض الاسلام دهاءه ، مات الرجل الذي يقول :( لولا سمعت الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول :" المكر والخديعة في النار " لكنت من أمكر هذه الأمة)


الضّحّاك بن سفيان


نسبه
الضّحّاك بن سفيان بن الحارث العامريّ الكِلابيّ ، صحابيّ ولاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - على من أسلم من قومه ، وعقد له لواء يوم فتح مكة ، وكان سيّاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم على رأسه متوشّحاً بالسيف ، ويُعدّ وحده بمائة فارس

فتح مكة
لمّا سار الرسول - صلى الله عليه وسلم - الى فتح مكة أمّرَهُ على بني سليم ، لأنهم كانوا تسعمائة ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( هل لكم في رجل يعدلُ مائةً يوفّيكم ألفاً ) فوفّاهم بالضحاك وكان رئيسهم ، واستعمله الرسول - صلى الله عليه وسلم - على سرية

استشهاده
ولمّا رجع الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الجِعرانة بعثه على بني كلاب يجمع صدقاتهم وكان صاحب راية بني سُلَيم ورأسهم ، وقال لهم حين تَبِعوا الفُجـاءةَ السُّلَمِي :( يا بني سُلَيـم : بئسَ ما فعلتـم ) وبالغ في وعظـهِ ، فشتموهُ وهمُّوا به ، فارتحلَ عنهم فندمـوا وسألوه أن يُقيـمَ فأبى ، و قال :( ليس بيني وبينكم مُوادّة ) وقال في ذلك شعراً ، ثم رجع مع المسلمين الى قتالهم ، فاستشهد


صُدَيّ بن عجلان


نسبه
صُدَيّ بن عجلان بن وهب البَاهليّ السُّلَميّ كنيته أبو أمامة ، من قيـس غيلان صحابي فاضل زاهد روى علماً كثيراً ، أرسله الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى قومه فأسلموا

قومه
بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو أمامة إلى قومه ، فأتاهم وهم على الطعام ، فرحّبوا به وقالوا :( تعال فَكُلْ ) فقال :( إني جِئْتُ لأنهاكم عن هذا الطعام ، وأنا رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتيتكم لتُؤمنوا به ) فكذّبوه وزَبَروه وهو جائع ظمآن ، فنام من الجهد الشديد ، فأتِيَ في منامه بشربة لبن ، فشَرِبَ ورويَ وعَظُمَ بطنه ، فقال القوم :( أتاكم رجل من أشرافكم وسراتكم فرددتموه ، اذهبوا إليه ، وأطعموه من الطعام والشراب ما يشتهي ) يقول أبو أمامة :( فأتوني بالطعام والشراب فقلت :( لا حاجة لي في طعامكم وشرابكم ، فإن الله عزّ وجلّ أطعمني وسقاني ، فانظروا إلى الحال التي أنا عليها ) فنظروا فآمنوا بي وبما جئتُ به من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - )

الشهادة
أنشأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( أي غزواً ) فأتاه أبو أمامة فقال :( يا رسول الله ! ادْعُ الله لي بالشهادة ) فقال :( اللهم سلّمْهُم ) وفي رواية أخرى :( ثَبِّتْهُم وغَنِّمْهم ) فغزوا وسَلِموا و غَنِموا ، ثم أنشأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزواً ثانياً ، فأتاه أبو أمامة فقال :( يا رسول الله ! ادْعُ الله لي بالشهادة ) فقال :( اللهم ثَبّتْهُم ) وفي رواية أخرى :( سَلّمهم و غَنِّمْهم ) فغزوا فسلموا وغنِموا ، ثم أنشأ رسـول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم - غَزْواً ثالثاً ، فأتاه أبو أمامة فقال :( يا رسـول الله إنّي قد أتيتُكَ مرّتين أسألك أن تدعوَ لي بالشهادة ، فقلت :( اللهم سلّمهم وغنّمهم ) يا رسول الله فادعُ لي بالشهادة ) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( اللهم سلّمهم وغنّمهم ) فغزوا وسلموا وغنموا ، فأتاه بعد ذلك فقال :( يا رسول الله مُرْني بعملٍ آخُذُهُ عنك ، فينفعني الله به ؟ ) فقال :( عليك بالصَّوْم ، فإنّه لا مثْلَ له )

أنفع الأعمال
أتى أبو أمامة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال :( يا رسول الله أمرتني بأمر أرجو أن يكون الله قد نفعني به ، فمُرْنِي بأمرٍ آخر عسى الله أن ينفعني به ) قال :( اعلمْ أنك لا تسجد لله سجدةً إلا رفع الله لك بها درجة ) أو قال حطّ عنك بها خطيئة

فضله
قال أبو أمامة : أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي ثم قال لي :( يا أبا أمامة ، إنّ مِنَ المؤمنين مَنْ يَلينُ له قلبي )
كان - رضي الله عنه - كثير الصيام هو وامرأته وخادمه ، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( عليكَ بالصوم ، فإنه لا مِثْلَ له )
جاء رجل إلى أبي أمامة وقال :( يا أبا أمامة ! إني رأيت في منامي الملائكة تصلي عليك ، كلّما دخلتَ وكلّما خرجت ، وكلّما قمت وكلّما جلست ) قال أبو أمامة :( اللهم غفراً دَعُونا عنكم ، وأنتم لو شئتم صلّت عليكم الملائكة ) ثم قرأ

قوله تعالى ( يا أيُّها الذين آمنوا اذكُروا اللّهَ ذِكْراً كثيراً وسبِّحوهُ بُكْرَةً وأصيلاً ، هو الذي يُصلّي عليكم وملائكتُهُ ليُخرجَكم مِنَ الظلماتِ إلى النُّورِ وكان بالمؤمنينَ رَحيماً )

الوصية
قال سُلَيم بن عامر :( كنّا نجلس إلى أبي أمامة ، فيُحدّثنا كثيراً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يقول :( اعقِلوا ، وبَلّغوا عنّا ما تسمعون ) وقد قال سليمان بن حبيب :( أنّ أبا أمامة الباهليّ قال لهم :( إنّ هذه المجالس من بلاغ الله إيّاكم ، وإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد بلّغ ما أرسل به إلينا ، فبلّغوا عنّا أحسنَ ما تسمعون )
وقد دخل سليمان بن حبيب مسجد حمص ، فإذا مكحول وابن أبي زكريا جالسان فقال :( لو قمنا إلى أبي أمامة صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأدّينا من حقّه وسمعنا منه )فقاموا جميعاً وأتوه وسلّموا عليه ، فردّ السلام وقال :( إنّ دخولكم عليّ رحمةٌ لكم وحجّة عليكم ، ولم أرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شيءٍ أشدَّ خوفاً من هذه الأمة من الكذب والمعصية ، ألا وإنه أمرنا أن نبلّغكم ذلك عنه ، ألا قد فعلنا ، فأبْلِغوا عنّا ما قد بلّغناكم )

العِظَة
وعَظَ أبو أمامة الباهليّ فقال :( عليكم بالصبر فيما أحببتُم وكرهتم ، فنعم الخصلة الصبر ، ولقد أعجبتكم الدنيا وجرّت لكم أذيالها ، ولبست ثيابها وزينتها إنّ أصحاب نبيّكم كانوا يجلسون بفناءِ بيوتهم يقولون :( نجلس فنُسَلّمُ ويُسَلّمُ علينا )
وقال أبو أمامة :( المؤمنُ في الدنيا بينَ أربعةٍ : بين مؤمن يحسده ، ومنافق يُبغضه ، وكافر يُقاتله ، وشيطان قد يُوكَلُ به ) وقال :( حبّبوا الله إلى الناس ، يُحْبِبْكُم الله )

وفاته
عُمِّر أبو أمامة طويلاً وتوفي سنة ( 81 أو 86 هـ ) في خلافة عبد الملك بن مروان ، وقد كان آخر من توفى من الصحابة بالشام



صفوان بن المعطّل

نسبه
صفوان بن المعطّل بن رُبيعة السُّلَميّ الذكوانيّ وكنيته أبو عمـرو قديم الإسلام ، شهد الخندق والمشاهد بعدها ، وهو الذي رُميت به السيدة عائشة في حادثة الإفك

حادثة الإفك
في غزوة المصطلق سنة ست للهجرة ، لما فرغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - من سفره ذلك وجّه قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات به بعض الليل ، ثم أذّن في الناس بالرحيل ، فارتحل الناس ، وخرجت السيدة عائشة لبعض حاجاتها وفي عنقها عقد ، فلما فرغت أنسل ، فلما رجعت الى الرحل ذهبت تلتمسه في عنقها فلم تجده ، فرجعت الى مكانها الذي ذهبت إليه ، فالتمسته حتى وجدته ، وجاء القوم فأخذوا الهودج وهم يظنون أنها فيه كما كانت تصنع ، فاحتملوه فشدوه على البعير ، ولم يشكوا أنها فيه ، ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به ، فرجعت الى العسكر وما فيه من داع ولا مجيب ، قد انطلق الناس ، فتلففت بجلبابها ثم اضطجعت في مكانها ، وعرفت أن لو قد افتُقِدت لرُجع إليها ، فمر بها صفوان بن المعطّل السُّلَمي ، وقد كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته ، فلم يبت مع الناس ، فرأى سوادها فأقبل حتى وقف عليها ، وقد كان يراها قبل أن يضرب الحجاب ، فلما رآها قال :( إنا لله وإنا إليه راجعون ، ظعينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-) وقال :( ما خلّفك يرحمك الله ؟) فما كلمته ، ثم قرب البعير فقال :( اركبي ) واستأخر عنها ، فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعاً يطلب الناس ، فتكلّم أهل الإفك وجهلوا
وكان صفوان صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ومن صالحي أصحابه ، وقد أثنى عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في حادثة الإفك ، فقد قام الرسول الكريم فحَمَد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال :( أمّا بعد : فأشيروا عليّ في أناس أبَنوا - اتهموا - أهلي ، وأيْمُ الله إنْ - ما - علمتُ على أهلي من سُوءٍ قطّ ، وأبَنوا بِمَن ؟ والله إنْ علمتُ عليه سوْءاً قطّ ، ولا دخل على أهلي إلا وأنا شاهِد ) يعني صفوان بن المعطل

حسّان بن ثابت
وقد أكثر حسان بن ثابت على صفوان بن المعطّل في شأن عائشة ، وقال بيت شعر يُعرّض به فيه
أمسى الجلابيبُ قد عزُّوا وقد كثُرُوا وابنُ الفُريعة أمسَى بيضةَ البَلَدِ
ويعني بالجلابيب : السفلة ، وبابن الفُريعة نفسه ، فأمُّهُ الفُريعة ، وبيضة البلد أي أنه وحيد ، تشبيه بيضة النعامة التي تتركها في الفلاة فلا تحضنها ، فغضب صفوان وحلف لئن أنزل الله عذرَه ليضربنّ حسان ضربة بالسيف ، وبالفعل بعد نزول البراءة وقف له ليلةً فضربه ضربة كشط جلدة رأسه ، فأخذ ثابت بن قيس صفوان وجمع يديه الى عنقه بحبل وانطلق إلى دار بني حارثة ، فلقيه عبدالله بن رواحة فقال له :( ما هذا ؟ ) فقال :( ما أعجبك عَدَا على حسّان بالسيف ، فوالله ما أراه إلا قد قتله ) فقال :( هل علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما صنعت به ؟ ) فقال :( لا ) فقال :( والله لقد اجترأت ، خلِّ سبيله ، فسنغدو على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنعلمه أمره ) فخلى سبيله
فلمّا أصبحوا غدوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له ذلك فقال :( أين ابن المعطل ؟) فقام إليه فقال :( ها أنا يا رسول الله ) فقال :( ما دَعاك إلى ما صنعت ) فقال :( يا رسول الله ، آذاني وكثّر عليّ ، ثم لم يرضَ حتى عرّض في الهجاء ، فاحتملني الغضب ، وهذا أنا ، فما كان عليّ من حقّ فخذني به ) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( ادعُ لي حسّان ) فأتيَ به فقال :( يا حسّان أتشوّهت على قومٍ أن هداهُمُ اللـه للإسلام ؟ أحْسِن فيما أصابك ) فقال :( هي لك يا رسـول اللـه ) فأعطاه رسـول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم - سيرين القبطية فولدت له عبدالرحمن

وفاته
استشهد في خلافة عمر بن الخطاب في معركة أرمينية عام ( 19 هـ / 640 م ) ، وقيل توفي بالجزيرة في ناحية سُمَيْساط -على شاطيء الفرات في غربيه في طرف بلاد الروم- ، وقيل أنه غزا الروم في خلافة معاوية ، فاندقّت ساقه ، ولم يزل يُطاعن حتى مات سنة ( 58 هـ )


شجاع بن وَهْب

نسبه
شجاع بن وَهْب بن ربيعة بن أسد صاحب سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، من السابقين الى الإسلام

الهجرة
هاجر الى الحبشة ، الهجرة الثانية ثم عاد الى مكة لمّا بلغهم أن أهل مكة أسلموا ، ثم هاجر الى المدينة ، وآخى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين أوس بن خَوْليّ

جهاده
شهد شجاع بن وهب بدراً هو و أخوه عقبة بن وهب ، وشهد المشاهد كلّها مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وأرسله الرسول الكريم الى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغسّاني ، وإلى جبلة بن الأيهم الغسّاني
وقد بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - شجاع بن وهب في سريّة في أربعة وعشرين رجلاً الى جمع هوازن بالسِّيّ من أرض بني عامر ناحية ركيّة ، وأمره أن يُغيرَ عليهم ، فصبّحهُم وهم غارّون ، فأصابوا نَعَماً وشاءً كثيراً

الشهادة
استشهد شجاعُ - رضي الله عنه - يوم اليمامة ، وهو ابن بضع وأربعين سنة



سالم بن معقل

اسلامه
كان رقيقـا وأعتـق ، وآمن بالله وبرسوله إيمانا مبكرا ، وأخذ مكانه بين السابقيـن الأولين ، هذا هو الصحابي سالم بن معقل أو سالم مولى أبى حذيفة ، لأنه كان رقيقا ثم ابنا ثم أخاً ورفيقاً للذي تبناه وهو الصحابي الجليل أبو حذيفـة بن عتبة ، وتزوج سالم ابنة أخيه ( فاطمة بنت الوليد بن عتبة ) ، ولذلك عُدّ من المهاجرين

فضله
كان سالم - رضي الله عنه - إمامـاً للمهاجريـن من مكة الى المدينة طوال صلاتهم في مسجد قباء و كان فيهم عمر بن الخطاب وذلك لأنه أقرأهم ، وأوصى الرسـول - صلى اللـه عليه وسلم - أصحابه قائلا :( خذواالقـرآن من أربعـة : عبدالله بن مسعـود ، وسالم مولى أبى حذيفـة وأبي بن كعب ومعـاذ بـن جبـل )
وعن عائشة - رضي الله عنها - أنّها قالت :( احتبستُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال :( ما حَبَسَكِ ؟) قالت :( سمعت قارئاً يقرأ ) فذكرتُ من حُسْنِ قراءته ، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رِداءَ ه وخرج ، فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة فقال :( الحمدُ لله الذي جعل في أمتي مثلك ) وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:( إن سالماً شديد الحبِّ لله ، لو كان ما يخاف الله عزَّ وجلّ ، ما عصاه )
وقد كان عمر - رضي الله عنه - يجلّه ، وقال وهو على فراش الموت :( لو أدركني أحدُ رجلين ، ثم جعلت إليه الأمرَ لوثقت به : سالم مولى أبي حذيفة ، وأبو عبيدة بن الجراح )
كان فزعٌ بالمدينة فأتى عمرو بن العاص على سالم مولى أبي حذيفة وهو مُحْتَبٍ بحمائل سيفِه ، فأخذ عمرو سيفه فاحتبى بحمائله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:( يا أيها الناس ألا كان مفزعكم إلى الله وإلى رسوله ) ثم قال :( ألا فعلتم كما فَعَل هذان الرجلان المؤمنان )

الجهر بالحق
كانت الفضائل تزدحم حول سالم - رضي الله عنه - ولكن كان من أبرز مزاياه الجهر بما يراه حقا فلا يعرف الصمت ، وتجلى ذلك بعد فتح مكة ، حين أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعض السرايا الى ما حول مكة من قرى وقبائل ، وأخبرهم أنهم دعاة لا مقاتلين ، فكان سالم - رضي الله عنه - في سرية خالد بن الوليد الذي استعمل السيف وأراق الدم ، فلم يكد يرى سالم ذلك حتى واجهه بشدة ، وعدد له الأخطاء التي ارتكبت ، وعندما سمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - النبأ ، اعتذر الى ربه قائلا :( اللهم إني أبرأ مما صنع خالد ) كما سأل :( هل أنكر عليه أحد ؟) فقالوا له :( أجل ، راجعه سالم وعارضه ) فسكن غضب الرسول - صلى الله عليه وسلم -

الرضاع
وقصة سالم والرضاع مشهورة ، فقد أتت سهلة بنت عمرو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت :( إنّ سالماً بلغ ما يبلغ الرجال ، وإنه يدخل عليّ ، وأظنّ في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً ) فقال لها الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( أرضِعيه تَحْرُمي عليه ) وقد رجعت إليه وقالت :( إني قد أرضعته فذهب الذي في نفس أبي حذيفة ) وقد قال أزواج الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( إنّما هذه رخصة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسالم خاصة )

يوم اليمامة
تعانق الأخوان سالم و أبو حذيفة ، وتعاهدا على الشهادة وقذفا نفسيهما في الخضم الرهيب ، كان أبو حذيفة يصيح :( يا أهل القرآن ، زينوا القرآن بأعمالكم ) وسالم يصيح :( بئس حامل القرآن أنا لو هوجم المسلمون من قِبَلِي ) وسيفهما كانا يضربان كالعاصفة ، وحمل سالم الراية بعد أن سقط زيد بن الخطاب شهيدا ، فهوى سيف من سيوف الردة على يمناه فبترها ، فحمل الراية بيسراه وهو يصيح تاليا الآية الكريمة
( وكأيّ من نبي قاتل معه ربيّون كثير ، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين )

الشهادة
وأحاطت به غاشية من المرتدين فسقط البطل ، ولكن روحه ظلت في جسده حتى نهاية المعركة ، ووجده المسلمون في النزع الأخير ، وسألهم :( ما فعل أبو حذيفة ؟) قالوا :( استشهد ) قال :( فأضجعوني الى جواره ) قالوا :( إنه إلى جوارك يا سالم ، لقد استشهد في نفس المكان ) وابتسم ابتسامته الأخيرة وسكت ، فقد أدرك هو وصاحبه ما كانا يرجوان ، معا أسلما ، ومعا عاشا ، ومعا ا ستشهدا ، وذلك في عام ( 12 هـ )

يتبع[/align:e8b082157e]

الساهر
09-09-2007, 07:49 PM
[align=center:7c7a62614e]سلمه بن الأكوع

نسبه واسلامه
كان سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي من رماة العرب المعدودين ، ومن أصحاب بيعة الرضوان وحين أسلم نفسه للإسلام صادقا منيبا يقول :( غزوت مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - سبع غزوات ومع زيد بن حارثة تسع غزوات )

بيعة الرضوان
حين خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عام ست من الهجرة ، قاصدين زيارة البيت الحرام ومنعتهم قريش ، وسرت شائعة أن عثمان بن عفان مبعوث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الى قريش قد قتـله المشركون بايع الصحابة الرسـول - صلى الله عليه وسلم - على الموت ، يقول سلـمة :( بايعـت رسول الله على الموت تحت الشجرة ، ثم تنحيت ، فلما خـف الناس ، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( يا سلمة ، مالك لا تبايع ؟) قلت :( قد بايعت يا رسول الله ) قال :( وأيضا ) فبايعته ) فبايع يومها ثلاث مرات أوّل الناس ، ووسطهم ، وآخرهم

غزوة ذي قرد
أغار عُيينة بن حصن في خيل من غطفان على لقاح لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالغابة ، وفيها رجل من بني غفار وامرأة له ، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح ، وكان أول من نذر بهم سلمة بن الأكوع غدا يريد الغابة متوشحا قوسه ونبله ، ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله ، معه فرس له يقوده ، حتى إذا علا ثنية الوداع نظر الى بعض خيولهم ، فأشرف في ناحية سلع ثم صرخ :( واصباحاه )
ثم خرج يشتد في أثار القوم وكان مثل السبع ، حتى لحقهم ، فجعل يردهم بالنبل ويقول إذ رمى :( خذها وأنا ابن الأكوع ، اليوم يوم الرضع ) فيقول قائلهم :( أويكعنا هو أول النهار ) وبقي سلمى كذلك حتى أدركه الرسول - صلى الله عليه وسلم- في قوة وافرة من الصحابة ، وفي هذا اليوم قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( خير رجّالتنا -أي مُشاتنا- سلمة بن الأكوع )

مصرع أخيه
لم يعرف سلمة الأسى والجزع إلا عند مصرع أخيه عامر بن الأكوع في حرب خيبر ، في تلك المعركة انثنى سيف عامر في يده وأصابت دؤابته منه مقتلا ، فقال بعض المسلمين :( مسكين عامر حرم الشهادة ) فحزن سلمة وذهب الى الرسول -صلى الله عليه وسلم سائلا :( أصحيح يا رسول الله أن عامرا حبط عمله ؟) فأجاب الرسول :( إنه قتل مجاهدا ، وإن له لأجرين ، وإنه الآن ليسبح في أنهار الجنة )

الإصابة
رأى يزيـد بن أبي عُبَيـد أثرَ ضربة في ساق سلمة فقال له :( يا أبا مسلم ما هذه الضربـة ؟) قال سلمة :( هذه ضربة أصابتني يوم خيبر فقال الناس :( أصيب سلمة ) فأتيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - فنفث فيها ثلاث نفثاتٍ ، فما اشتكيتُها حتى الساعة )

جوده
كان سلمة على جوده المفيض أكثر ما يكون جوداً إذا سئل بوجه الله ، ولقد عرف الناس منه ذلك ، فإذا أرادوا أن يظفروا منه بشيء قالوا :( نسألك بوجه الله ) وكان يقول :( من لم يعط بوجه الله فبم يعط ؟ )

وفاته
حين قتل عثمان بن عفان أدرك سلمى بن الأكوع أن الفتنة قد بدأت ، فرفض المشاركة بها ، وغادر المدينة الى الربذة ، حيث عاش بقية حياته ، وفي يوم من العام أربع وسبعين من الهجرة سافر الى المدينة زائرا ، وقضى فيها يومان ، وفي اليوم الثالث مات ، فضمه ثراها الحبيب مع الشهداء والرفاق الصالحين


حبيب بن زيد



فضله
كان حبيب بن زيد وأبوه زيد بن عاصم - رضي الله عنهما - من السبعين المباركين في بيعة العقبـة الثانيـة ، وكانت أمه نسيبة بنت كعب أولى السيدتين اللتين بايعتا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أما السيدة الثانية فهي خالته ، ولقد عاش الى جوار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته الى المدينة لا يتخلف عن غزوة ولا يقعد عن واجب

كتاب مسيلمة للرسول ورد الرسول عليه

في آخر السنة العاشرة بعث مسيلمة بن ثمامة الى رسول الله كتابا جاء فيه :( من مسيلمة رسول الله الى محمد رسول الله ، سلام عليك ، أما بعد فاني قد أشركت في الأمر معك ، وان لنا نصف الأرض ، ولقريش نصف الأرض ، ولكن قريشا قوم يعتدون )
فرد عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بكتاب جاء فيه :( بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله الى مسيلمة الكذاب ، السلام على من اتبع الهدى ، أما بعد فان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين )

مبعوث الرسول لمسيلمة
ومضى الكذاب ينشر افكه وبهتانه ، وازداد أذاه للمسلمين ، فرأى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يبعث له رسالة ينهاه فيها عن حماقاته ، ووقع الاختيار على حبيب بن زيد ليحمل الرسالة وفض مسيلمة كتاب رسول الله له فازداد ضلالا وغرورا ، فجمع مسيلمة قومه ليشاهدوا يوما من الأيام المشهودة وجيء بمبعوث رسول الله وأثار التعذيب واضحة عليه فقال مسيلمة لحبيب :( أتشهد أن محمدا رسول الله ؟)000وقال حبيب :( نعم ، أشهد أن محمدا رسول الله ) وكست صفرة الخزي وجه مسيلمة ، وعاد يسأل :( وتشهد أني رسول الله ؟) وأجاب حبيب في سخرية :( اني لا أسمع شيئا ) وتلقى الكذاب لطمة قوية أمام من جمعهم ليشهدوا معجزته ، ونادى جلاده الذي أقبل ينخس جسد حبيب بسن السيف ، ثم راح يقطع جسده قطعة قطعة ، وبضعة بضعة وعضوا عضوا والبطل العظيم لا يزيد على همهمة يردد بها نشيد اسلامه :( لا اله الا الله ، محمد رسول الله )

الثأر للشهيد
وبلغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - نبأ استشهاد حبيب بن زيد ، واصطبر لحكم ربه ، فهو يرى بنور الله مصير هذا الكذاب ، أما أمه نسيبة بنت كعب فأقسمت على أن تثأرن لولدها من مسيلمة ودارت الأيام وجاءت معركة اليمامة ، وخرجت نسيبة مع الجيش المقاتل ، وألقت بنفسها في خضم المعركة ، في يمناها سيف ، وفي يسراها رمح ، ولسانها يصيح :( أين عدو الله مسيلمة ؟) ولما قتل مسيلمة وأتباعه ، رأت نسيبة وجه ولدها الشهيد ضاحكا في كل راية نصر رفعت


الأقرع بن حابس التميميّ

اسلامه
وفد على النبـي - صلى اللـه عليه وسلم - ، وشهد فتح مكة وحُنينـاً والطائف وهو من المؤلفة قلوبهم ، وقد حسن إسلامه ، وقد كان الأقرع حَكَماً في الجاهلية وقيل له الأقرع لقَرعٍ كان برأسه

وفد بني تميم
في العام التاسع للهجرة في عام الوفود ، قدم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفد من أشراف بني تميم منهم الأقرع بن حابس التميمي ، فلمّا دخل الوفد المسجد نادوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من وراء حُجُراته :( أن اخرج إلينا يا محمد ) فآذى ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صياحهم ، فخرج إليهم ، فقالوا :( يا محمد جئناك نفاخرك فأذنْ لشاعرنا وخطيبنا ) قال :( قد أذنت لخطيبكم فليقل )
فقام خطيب تميم فقال :( الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن ، وهو أهله ، الذي جعلنا ملوكاً ، ووهب لنا أموالاً عظاماً نفعل فيها المعروف ، وجعلنا أعزّ أهل المشرق ، وأكثره عدداً ، وأيسره عُدةً ، فمن مثلُنا من الناس ؟ أقول هذه لأن تأتونا بمثل قولنا ، وأمر أفضل من أمرنا )
ثم جلس فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لثابت بن قيس بن الشماس :( قم فأجب الرجل في خطبته ) فقام ثابت فقال :( الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه ، قضى فيهن أمره ، ووسع كرسيه علمه ، ولم يك شيء قط إلا من فضله ، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكاً ، واصطفى من خير خلقه رسولاً أكرمه نسباً ، وأصدقه حديثاً ، وأفضله حسباً ، فأنزل عليه كتابه ، وائتمنه على خلقه ، فكان خيرة الله من العالمين ، ثم دعا الناس الى الإيمان به فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه ، أكرم الناس حسباً ، وأحسن الناس وجوهاً ، وخير الناس فعالاً ، ثم كان أول خلقٍ أجابه واستجاب لله حين دعاه رسول الله نحن ، فنحن أنصار الله ، ووزراء رسوله ، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله ، فمن آمن بالله ورسوله مَنَع منا ماله ودمه ، ومن كفر جاهدناه في الله أبداً ، وكان قتله علينا يسيراً ، أقول قولي هذا واستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات ، والسلام عليكم ) فقام شاعر تميم فأنشد :

نحـن الكرام فلا حـيّ يعادلنا منا الملوك وفينا تُنْصَبُ البيَـعُ
وكم قسرنا من الأحياء كلهـم عند النِّهابِ وفضلُ العزّ يتّبـعُ
ونحن يطعِمُ عند القحط مطعمُنا من الشواء إذا لم يؤنَس القزَعُ
إذا أبينـا ولا يأبى لنا أحــدٌ إنا كذلك عنـد الفخر نرتفـع


وكان حسّان غائباً ، فبعث إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فحضر ، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( أجبه ) فقال :( أسمعني ما قلت ) فأسمعه ، فقال حسّان :

ان الذوائـب مـن فهـرٍ وإخوتهـم قـد بيّنـوا سنّـةً للنـاسِ تُتبـعُ
يرضى بـهم كـل من كانت سريرتـه تقوى الإله وكلَّ الخيـرِ يَصطنعُ
أكـرمْ بقـومٍ رسـول اللـه شيعتُـهم إذا تفاوتـت الأهـواءُ والشيـعُ
أهـدى لهـم مدحتـي قلـبٌ يـؤازرُهُ فيما أحِـبَّ لسـانٌ حائك صَنَـع
فإنّهـم أفضــلُ الأحيــاءِ كلهــم إن جد بالناس جد القول أو شمعوا

إسلام بني تميم
فقام الأقرع بن حابس فقال :( يا هؤلاء ، ما أدري ما هذا الأمر ، تكلّم خطيبنا فكان خطيبهم أرفع صوتاً ، وتكلّم شاعرنا فكان شاعرهم أرفع صوتاً وأحسن قولاً ) ثم دنا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال :( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنّك رسول الله ) فقال رسول الله :( لا يضرّك ما كان قبل هذا ) وأسلم القوم وقال أبو بكر :( يا رسول الله أمِّر الأقرع ) فأمّره على قومه

جهاده
شهد الأقرع مع خالد بن الوليد حرب أهل العراق ، وشهد معه فتح الأنبار ، وكان هو على مقدمة خالد بن الوليد واستعمله عبد الله بن عامر على جيشٍ سيّره الى خُرسان ، فأصيب بالجَوْزجان هو و الجيش ، وذلك في زمن عثمان ، وقُتِلَ من أولاد الأقرع في اليرموك عشرة

أشجّ عبد القيس العبدي

قدومه على الرسول ( ص )
يُقـال له أشج بن عَصَر ، مشهور بلقبه هذا ، وذُكِر أنه قدم على النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- سنة عشر أو سنة ثمان للهجرة وحين وصل تريّث في لبس ملابسه ونفض غباره في حين تسابق القـوم يسلّمون ويُقبِّلون الرسـول الكريم ، فقال له - صلى اللـه عليه وسلم -:( إنه فيه خصلتان يحبهما الله هما الحلم والأناة )0

وفد عبد القيس
كتب النبـي - صلى اللـه عليه وسلم - الى أهـل البحرين أن يقدم عليه عشرون رجلاً رَأسَهم عبـد اللـه بن عوف الأشج ، وكان قدومهم عام الفتـح فقيل :( يا رسول الله هؤلاء وفد عبد القيس ) قال :( مرحباً بهم ، نِعْم القومُ عبد القيس )

صبيحة القدوم
نظر الرسول - صلى الله عليه وسلم - الى الأفق صبيحة ليلة قدموا وقال :( ليأتين ركب من المشركين لم يُكْرَهوا على الإسلام ، وقد أنْضوا الرِّكاب وأفنوا الزّاد ، بصاحبهم علامة ، اللهم اغفر لعبد قيس ، أتوني لا يسألوني مالاً ، هم خير أهل المشرق ) فجاؤوا في ثيابهم ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد ، فسلّموا عليه

الحلم والأناة
وسألهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( أيُّكم عبد الله الأشَجُّ ؟) قال :( أنا يا رسول الله ؟) وكان رجلاً دميماً ، فنظر إليه الرسول الكريم ، فقال :( إنه لا يُستسقى في مسوك الرجال إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه لسانه وقلبه ) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( فيكَ خَصْلتان يُحِبُّهما اللـه ) فقال عبد اللـه :( وما هما ؟) قال :( الحلم والأناة ) قال :( أشيء حَدَثَ أم جُبلتُ عليـه ؟) قال :( بل جُبلتَ عليه ) فقال :( الحمد لله الذي جبلني على خلقين يُحبهما الله )

اكرام الرسول ( ص ) للوفد
كانت ضيافة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تجري على وفد عبد القيس عشرة أيام ، وكان عبد الله الأشج يسائل الرسول الكريم عن الفقه والقرآن ، وكان يأتي أبيّ بن كعب فيقرأ عليه ، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للوفد بجوائز ، وفضّل عليهم عبد الله الأشجّ ، فأعطاه اثنتي عشرة أوقية ونشاً ، وكان ذلك أكثر ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجيز به الوفد

يتبع[/align:7c7a62614e]

حامد
09-09-2007, 08:08 PM
أحسنت ياأبا عماد بارك الله في جهودك وهذا موضوع قيم يستحق التثبيت شكرا لك والى مزيد من المشاركات وعقبى الالف بل الالوف من المشاركات القيمة أجزل الله لك الأجر

الساهر
09-09-2007, 08:20 PM
[align=center:b6eefca7b8]أم المؤمنين
أم حبيبة بنت أبي سفيان

نسبها
هي رملـة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وُلِدَت قبل البعثة بسبعـة عشر عاماً ، أسلمت قديماً وهاجرت الى الحبشة مع عبيد الله بن جحش ، تُكنّى أم حبيبة ، تزوّجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي في الحبشة ، وقدمت عليه سنة سبع0
الهجرة والمحنة

لمّا اشتد الأذى من المشركين على الصحابة في مكة ، وأذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمستضعفين بالهجرة بدينهم الى الحبشة ، هاجرت أم حبيبة مع زوجها عُبيد الله بن جحش معَ من هاجر من الصحابة إلى الحبشة ، لقد تحمّلت أم حبيبة أذى قومها ، وهجر أهلها ، والغربة عن وطنها وديارها من أجل دينها وإسلامها وبعد أن استقرت في الحبشة جاءتها محنة أشد وأقوى ، فقد ارتـد زوجها عن الإسـلام وتنصّر ، تقول أم حبيبـة -رضي الله عنها- :( رأيت في المنام كأن زوجي عُبيد الله بن جحش بأسود صورة ففزعت ، فأصبحت فإذا به قد تنصّر ، فأخبرته بالمنام فلم يحفل به ، وأكبّ على الخمر حتى مات 0

الزواج المبارك
فأتاني آت في نومي فقال :( يا أم المؤمنين ) ففزعت ، فما هو إلا أن انقضتْ عدّتي ، فما شعرت إلا برسول النجاشي يستأذن ، فإذا هي جارية يُقال لها أبرهة ، فقالت :( إن الملك يقولُ لك : وكّلي مَنْ يُزوِّجك ) فأرسلت إلى خالـد بن سعيـد بن العـاص بن أمية فوكّلته ، فأعطيتُ أبرهة سِوارين من فضّة )
فلمّا كان العشيّ أمرَ النجاشي جعفـر بن أبي طالـب ومَنْ هناك من المسلميـن فحضروا ، فخطب النجاشي فحمد اللـه تعالى وأثنى عليه وتشهـد ثم قال :( أما بعد ، فإن رسـول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم - كتب إليّ أن أزوّجه أم حبيبة ، فأجبت وقد أصدقتُها عنه أربعمائة دينار ) ثم سكب الدنانير ، ثم خطب خالـد بن سعيـد فقال :( قد أجبتُ إلى ما دعا إليه رسـول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم - وزوّجته أم حبيبة ) وقبض الدنانير ، وعمل لهم النجاشي طعاماً فأكلوا
تقول أم حبيبة - رضي الله عنها - :( فلمّا وصل إليّ المال ، أعطيتُ أبرهة منه خمسين ديناراً ، فردتّها عليّ وقالت :( إن الملك عزم عليّ بذلك ) وردّت عليّ ما كنتُ أعطيتُها أوّلاً ثم جاءتني من الغَد بعودٍ ووَرْسٍ وعنبر ، وزبادٍ كثير - أي طيب كثير - ، فقدمتُ به معي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
ولمّا بلغ أبا سفيان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نكح ابنته قال :( هو الفحلُ لا يُجْدَعُ أنفُهُ ) أي إنه الكُفء الكريم الذي لا يُعاب ولا يُردّ

عودة المهاجرة
لقد كانت عـودة المهاجـرة ( أم حبيبة ) عقب فتح النبـي - صلى اللـه عليه وسلم - خيبر ، عادت مع جعفر بن أبي طالب ومن معه من المهاجرين الى الحبشة ، وقد سُرَّ الرسـول - صلى الله عليه وسلـم - أيّما سرور لمجـيء هؤلاء الصحابـة بعد غياب طويل ، ومعهم الزوجة الصابرة الطاهرة وقد قال الرسـول - صلى اللـه عليه وسلم - :( والله ما أدري بأيّهما أفرحُ ؟ بفتح خيبر ؟ أم بقدوم جعفر )

الزفاف المبارك
وما أن وصلت أم حبيبة - رضي الله عنها - الى المدينة ، حتى استقبلها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالسرور والبهجة ، وأنزلها إحدى حجراته بجوار زوجاته الأخريات ، واحتفلت نساء المدينة بدخول أم حبيبة بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهن يحملن لها إليها التحيات والتبريكات ، وقد أولم خالها عثمان بن عفان وليمة حافلة ، نحر فيها الذبائح وأطعم الناس اللحم واستقبلت أمهات المؤمنين هذه الشريكة الكريمة بالإكرام والترحاب ، ومن بينهن العروس الجديدة ( صفية ) التي لم يمض على عرسها سوى أيام معدودات ، وقد أبدت السيدة عائشة استعدادا لقبول الزوجة الجديدة التي لم تُثر فيها حفيظة الغيرة حين رأتها وقد قاربت سن الأربعين ، وعاشت أم حبيبة بجوار صواحبها الضرائر مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - بكل أمان وسعادة0

أبو سفيان في بيت أم حبيبة
لقد حضر أبو سفيان ( والد أم حبيبة ) المدينة يطلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يمد في أجل الهدنة التي تمّ المصالحة عليها في الحديبية ، فيأبى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الطلب ، فأراد أبو سفيان أن يستعين على تحقيق مراده بابنته ( زوجة الرسول - صلى الله عليه وسلم -) فدخل دار أم حبيبة ، وفوجئت به يدخل بيتها ، ولم تكن قد رأته منذ هاجرت الى الحبشة ، فلاقته بالحيرة لا تدري أتردُّه لكونه مشركاً ؟ أم تستقبله لكونه أباهـا ؟ وأدرك أبو سفيان ما تعانيـه ابنته ، فأعفاها من أن تأذن له بالجلـوس ، وتقدّم من تلقاء نفسه ليجلس على فراش الرسـول - صلى الله عليه وسلم - ، فما راعه إلا وابنته تجذب الفراش لئلا يجلس عليه ، فسألها بدهشة فقال :( يا بُنيّة أرغبتِ بهذا الفراش عني ؟ أم بي عنه ؟ ) فقالت أم حبيبة :( بلْ هو فراشُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنت امرءٌ نجسٌ مشركٌ ) فقال :( يا بُنيّة ، لقد أصابك بعدي شرٌّ ) ويخرج من بيتها خائب الرجاء0

إسلام أبو سفيان
وبعد فتح مكة أسلم أبو سفيان ، وأكرمه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال :( من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، من أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن ) ووصل هذا الحدث المبارك الى أم المؤمنين ( أم حبيبة ) ففرحت بذلك فرحاً شديداً ، وشكرت الله تعالى أن حقَّق لها أمنيتها ورجاءَها في إسلام أبيها وقومها0

وفاتها
وقبل وفاتها - رضي الله عنها - أرسلت في طلب السيدة عائشة وقالت :( قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر ، فتحلَّليني من ذلك ) فحلّلتها واستغفرت لها ، فقالت :( سررتني سرّك الله ) وأرسلت بمثل ذلك الى باقي الضرائر وتوفيت أم حبيبة -رضي الله عنها- سنة أربع وأربعين من الهجرة ، ودفنت بالبقيع


أم المؤمنين
أم سلمة هند بنت أبي أمية

نسبها
أم سلمـة هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظـة بن مرّة المخزومية ، بنت عم خالد بن الوليد وبنت عم أبي جهل عدو الله أبـوها يلقب بـ( زاد الراكب ) فكل من يسافر معه يكفيـه المؤن ويغنيه 0
ولِدت في مكة قبل البعثة بنحو سبعة عشر سنة ، وكانت من أجمل النسـاء و أشرفهن نسبا ، وكانت قريباً من خمس وثلاثين سنة عندما تزوّجها النبي الكريم سنة أربع للهجرة وكانت قبل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند أخيـه من
الرضاعة أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي الرجل الصالح 0

الهجرة الى الحبشة
أم سلمة - رضي الله عنها - امرأة ذات شرف في أهلها ، وهي ابنة أحد أجود رجال العرب ، جادت بنفسها في سبيل إيمانها ، فكان أول من خرج من المسلمين الى الحبشة من بني مخزوم أبو سلمة بن عبد الأسد ، معه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية ، وولدت له بأرض الحبشة زينب بنت أبي سلمة وتعود أم سلمة مع زوجها الى مكة مستخفية عن أنظار الظالمين ، وتصبر في سبيل الله وتوحيده ، حتى آذن الله لهم بالهجرة الى المدينة المنورة 0

الهجرة الى المدينة
تروي أم سلمة - رضي الله عنها - قصة هجرتها الى المدينة فتقول :( لما أجمع أبو سلمة الخروج الى المدينة رحّل بعيراً له ، وحملني وحمل معي ابني سلمة ، ثم خرج يقود بعيره ، فلما رآه رجال بني المغيرة قاموا إليه فقالوا :( هذه نفسك غلبتنا عليها ، أرأيت صاحبتنا هذه ، على مَ نتركك تسير بها في البلاد ؟) ونزعوا خطام البعير من يده ، وأخذوني ، فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد ، وأهووا الى سلمة وقالوا :( والله لا نترك ابننا عندها ، إذا نزعتموها من صاحبنا ) فتجاذبوا ابني سلمة حتى خلعوا يده ، وانطلق به بنو عبد الأسد ، ورهط أبي سلمة ، وحبسني بنو المغيرة عندهم ، وانطلق زوجي أبو سلمة حتى لحق بالمدينة ، ففرق بيني وبين زوجي وابني فكنت أخرج كلّ غداة ، وأجلس بالأبطح ، فما أزال أبكي حتى أمسي سبعاً أو قريبها ، حتى مرّ بي رجل من بني عمي فرأى ما في وجهي ، فقال لبني المغيرة :( ألا تخرجون من هذه المسكينة فرَّقتم بينها وبين زوجها وبين ابنها ؟) فقالوا :( الحقي بزوجك إن شئت ) وردّ علي بنو عبد الأسد عند ذلك ابني فرحلت بعيري ، ووضعت ابني في حجري ، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة ، وما معي من أحد من خلق الله ، فكنت أبلغ من لقيت ، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة أخا بني عبد الدار ، فقال :( أين يا بنت أبي أمية ؟) قلت :( أريد زوجي بالمدينة ) فقال :( هل معك أحد ؟) فقلت :( لا والله إلا الله ، وابني هذا ؟) فقال :( والله ما لك من منزل ) فأخذ بخطام البعير ، فانطلق معي يقودني ، فوالله ما صحبت رجلاً من العرب أراه أكرم منه ، وإذا نزل المنزل أناخ بي ثم تنحى الى الشجرة ، فاضطجع تحتها ، فإذا دنا الرواح قام الى بعيري فقدمه ورحله ثم استأخرعني وقال :( اركبي ) فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه ، فقادني حتى نزلت ، فلم يزل يصنع ذلك حتى قدم بي المدينة ، فلما نظر الى قرية بني عمرو بن عوف بقباء ، قال :( إن زوجك في هذه القرية )
وكان أبو سلمة نازلاً بها ، فيستقبل أبو سلمة أم سلمة وابنه معها ، بكل بهجة وسرور ، وتلتقي الأسرة المهاجرة بعد تفرّق وتشتّت وأهوال 0

وفاة أبو سلمة
ويشهد أبو سلمة غزوة أحد ، ويصاب بسهم في عضده ، ومع أنه ظنّ أنه التأم ، عاد وانفض جرحه فأخلد الى فراشه ، تمرضه أم سلمة الى أن حضره الأجل وتوفاه الله وقد قال عند وفاته :( اللهم اخلفني في أهلي بخير ) فأخلفه الله تعالى رسوله -صلى الله عليه وسلم- على زوجته أم سلمة بعد انقضاء عدّتها حيث خطبها وتزوجها ، فصارت أماً للمؤمنين ، وصار الرسول - صلى الله عليه وسلم - ربيب بنيه ( عمر وسلمة وزينب )

البيت النبوي
كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند أم سلمة ، فدخل عليها الحسن والحسين - رضي الله عنهما - ، ثم أدخلهما تحت ثوبه ، ثم جأر الى الله عزّ وجل ثم قال :( هؤلاء أهل بيتـي ) فقالت أم سلمـة - رضي الله عنها - :( يا رسـول الله ، أدخلني معهم ) فقال -صلى اللـه عليه وسلم- :( أنتِ من أهلي ) وبهذا أدخل على نفسها الطمأنينة وكان - صلى اللـه عليه وسلـم - يهتم بأبنائهـا كأنهم أبنائه فربيبتـه زينـب بنت أبي سلمة أصبحـت من أفقه نساء أهل زمانها وبلغ من إعزازه - صلى الله عليه وسلم - لربيبـه سلمة بن أبي سلمة أن زوجـه بنت عمه الشهيد حمـزة بن عبد المطلب - رضي الله عنه -

المشاركة في الغزوات
لقد صحبت أم المؤمنين أم سلمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في غزوات كثيرة ، فكانت معه في غزوة خيبر وفي فتح مكة وفي حصاره للطائف ، وفي غزو هوازن وثقيف ، ثم صحبتْهُ في حجة الوداع
ففي السنة السادسة للهجرة صحبت أم سلمة - رضي الله عنها - النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوة الحديبية ، وكان لها مشورة لرسول الله أنجت بها أصحابه من غضب اللـه ورسولـه ، وذلك حين أعرضوا عن امتثال أمره ، فعندما فرغ الرسـول - صلى اللـه عليه وسلم - من قضية الصلـح قال لأصحابه :( قوموا فانحروا ثم احلقوا ) فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فلمّا لم يقم منهم أحد دخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أم سلمة فذكر لها ما لقي من عدم استجابة الناس ، وما في هذا من غضب لله ولرسوله ، ومن تشفي قريش بهم ، فألهم الله أم سلمة - رضي الله عنها - لتنقذ الموقف فقالت :( يا نبي الله ، أتُحبُّ ذلك ؟) - أي يطيعك الصحابة - فأومأ لها بنعم ، فقالت :( اخرج ثم لا تكلّمْ أحداً منهم كلمةً حتى تنحر بُدْنَكَ وتدعو حالِقكَ فيحلقُكَ )
فخرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلم يُكلّم أحداً ، ونحر بُدْنَهُ ، ودعا حالِقَهُ فحلقه ، فلما رأى الصحابة ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضاً ، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمّاً ، وبذلك نجا الصحابة من خطر مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

أم سلمة وعائشة
لقد كان لأم سلمة - رضي الله عنها - مشورة ثانية لأم المؤمنين عائشة ، وذلك حين عزمت الخروج لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ، فكتبت لها في عُنف وإنكار شديد فقالت :( إنك سُدّةٌ بين رسول الله وأمته ، وحجابك مضروبٌ على حرمته ، قد جمع القرآن الكريم ذيلكِ ، فلا تندحيه ، وسكّن الله عقيرتك فلا تصحريها - أي صوتك لا ترفعيه - الله من وراء هذه الأمة ، ما كنت قائلةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو عارضك بأطراف الجبال والفلوات ؟ ولو أتيتُ الذي تُريدين ، ثم قيل لي ادخلي الجنة لاستحييتُ أن ألقى الله هاتكةً حجاباً قد ضربَهُ عليَّ ) وذكرت كلاماً تحرضها فيه على عدم الخروج فكتبت لها السيدة عائشة - رضي الله عنها - تقول :( ما أقبلني لوعظك ، وما أعلمني بنصحك ، وليس مسيري على ما تظنين ، ولنِعْمَ المطلعُ مطلعٌ فزعتْ فيه الى فئتان متناجزتان )

وفاتها
كانت أم سلمة - رضي الله عنها - أخر من مات من أمهات المؤمنين ، فتوفيت سنة إحدى وستين من الهجرة وعاشت نحواً من تسعين سنة

أم المؤمنين
جويرية بنت الحارث

نسبها
جُوَيْرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن جذيمة الخزاعية المصطلقية كان اسمهـا ( برَّة ) فسمّاها الرسول - صلى اللـه عليه وسلم - ( جويرية )0
ولدت فبل البعثـة بنحو ثلاثة أعوام تقريباً ، وتزوجها الرسول الكريم وهي ابنة عشرين سنة ، وكان أبوها الحارث سيّداً مطاعاً ، قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسلم0

الأسر
وفي السنة السادسة للهجرة ، وبعد غزوة بني المصطلق أصاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - سبياً كثيراً قسّمه بين المسلمين ، وكان ممن أصاب يومها من السبايا جويرية بنت الحارث ، فلما قسّم السبايا وقعت جويرية في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له ، فكاتبته على نفسها ، وكانت امرأة حلوة مُلاّحة ، ولا يراها أحد إلا أخذت بنفسه ، فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تستعينه في كتابتها ، وقالت له :( يا رسول الله ، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه ، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك ، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس ، فكاتبته على نفسي ، فجئتك أستعينك على كتابتي ) قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- :( فهل لك في خير من ذلك ؟) قالت :( وما هو يا رسول الله ؟) قال :( أقضي عنك كتابتك وأتزوجك ) قالت :( نعم يا رسول الله ) قال :( لقد فعلت )

العتق
وخرج الخبر الى الناس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد تزوّج جويرية ، فقال الناس :( أصهار رسول الله ) وأرسلوا ما بأيديهم ، قالت السيدة عائشة :( فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة أهل بيت من بني المصطلق ، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها )

والدها الحارث
أقبل الحارث ( والد جويرية ) الى المدينة بفداء ابنته ، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء ، فرغب في بعيرين منها ، فغيّبهما في شِعْبٍ من شعاب العقيق ، ثم أتى الى الرسـول -صلى اللـه عليه وسلـم- وقال :( يا محمـد أصبتم ابنتي ، وهذا فداؤها ) فقال رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- :( فأين البعيران اللذان غَيبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا ؟) فقال الحارث :( أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ! فوالله ما اطّلع على ذلك إلا الله ) فأسلم الحارث ومعه ابنان له ، وناس من قومه ، وأرسل الى البعيرين فجاء بهما

بيت النبوة
ولقد عاشت أم المؤمنين ( جويرية ) في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كزوجة كريمة مُعزّزة ، فكانت خير مثل يُحتذى في رعايتها لبيتها وزوجها وحسن عشرتها معه - صلى الله عليه وسلم -
ولقد كانت كثيرة الإجتهاد بالعبادة لله تعالى ، والإكثار من ذكره المبارك ، والصوم وفعل الخيرات وكان يحرص الرسول -صلى الله عليه وسلم- على تعليمهـا أمور دينها فقد دخل عليها في يـوم جمعـة وهي صائمـة فقال لها :( أصَمْتِ أمس ؟) قالت :( لا ) قال :( أتريديـن أن تصومي غداً ؟) أي السبت مع الجمعة قالت :( لا ) قال :( فأفطري ) لكراهة ذلك
وفي أحـد الأيام خرج الرسـول - صلى الله عليه وسلم - من عندها بُكْرَةً حين صلّى الصبـح ، وهي في مسجدها ، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال :( مازلت على الحال التي فارقتك عليها ؟) قالت :( نعم ) قال النبي -صلى الله عليه وسلم- :( لقد قُلتُ بعدك أربع كلمات ثلاث مراتً ، لو وزِنَت بما قلتِ منذ اليوم لوَزَنتهنّ : سبحان الله وبحمده عدَدَ خَلْقِه ورضا نفسه ، وزِنة عرشه ، ومِداد كلماته )

وفاتها
توفيت - رضي الله عنها - بالمدينة بعد منتصف القرن الأول من الهجرة سنة ستٍ وخمسين على الأرجح ، وصلى عليها مروان بن الحكم أمير المدينة آنذاك ، وقد بلغت سبعين سنة فرحمها الله

أم المؤمنين
حفصة بنت عمر

نسبها

السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - ، ولدت قبل المبعث بخمسة أعـوام ، وتزوّجها النبـي - صلى اللـه عليه وسلم - سنة ثلاث من الهجرة ، بعد أن توفي زوجها المهاجر ( خنيـس بن حذافـة السهمـي ) الذي توفي من آثار جراحة أصابته يوم أحـد ، وكان من السابقين الى الإسـلام هاجر الى الحبشـة وعاد الى المدينة وشهد بدراً وأحداً فترمَّلت ولها عشرون سنة

الزواج المبارك
تألم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لابنته الشابة كثيراً ، ولألمها وعزلتها ، وبعد انقضاء عدّتها أخذ يفكر لها بزوج جديد ، ولمّا مرت الأيام ولم يخطبها أحد قام بعرضها على أبي بكر - رضي الله عنه - فلم يُجِبّه بشيء ، وعرضها على عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فقال :( بدا لي اليوم ألا أتزوج ) فوَجَد عليهما وانكسر ، وشكا حاله الى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال له :( يتزوّج حفصة من هو خير من عثمان ، ويتزوّج عثمان من هو خير من حفصة )
ومع أن عمر - رضي الله عنه - من الهمّ لم يفهم معنى كلام الرسـول الكريـم ، إلا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - خطبها ، ونال عمر شرف مصاهرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وزوَّج النبي عثمان بابنته ( أم كلثوم ) بعد وفاة أختها ( زينب ) ، وبعد أن تمّ الزواج لقي أبو بكر عمر - رضي الله عنهما - فاعتذر له وقال :( لا تجـدْ عليّ ، فإن رسـول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم - كان قد ذكر حفصة ، فلم أكن لأفشي سِرّه ، ولو تركها لتزوّجتها )


بيت الزوجية
ودخلت حفصة بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ثالثة الزوجات في بيوتاته عليه الصلاة والسلام ، بعد سودة وعائشة ، أما سودة فرحّبت بها راضية ، وأمّا عائشة فحارت ماذا تصنع بابنة الفاروق عمر ، وسكتت أمام هذا الزواج المفاجيء ، الذي تقتطع فيه حفصة ثلث أيامها مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولكن هذه الغيرة تضاءلت مع قدوم زوجات أخريات ، فلم يسعها إلا أن تصافيها الودّ ، وتُسرّ حفصة لودّ ضرتها عائشة ، وعندها حذّر عمر بن الخطاب ابنته من هذا الحلف الداخلي ، ومن مسايرة حفصة لعائشة المدللة ، فقال لها :( يا حفصة ، أين أنت من عائشة ، وأين أبوكِ من أبيها)

الجرأة الأدبية

سمع عمر - رضي الله عنه - يوما من زوجته أن حفصة تراجع الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالكلام ، فمضى إليها غاضباً ، وزجرها قائلاً :( تعلمين أني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله ، يا بُنيّة ! لا يغرنّك هذه التي أعجبها حسنها وحبُّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - إياها ، والله لقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لولا أنا لطلّقك )
ولكن على الرغم من تحذير أبيها لها ، كانت تتمتع حفصة بجرأة أدبية كبيرة ، فقد كانت كاتبة ذات فصاحة وبلاغة ، ولعل هذا ما يجعلها تبدي رأيها ولو بين يدي الرسـول - صلى اللـه عليه وسلم - ، فقد رويَ أن الرسـول - صلى اللـه عليه وسلم - قد ذكر عند حفصة أصحابه الذين بايعوه تحت الشجرة فقال :( لا يدخل النار إن شاء الله أصحاب الشجـرة الذين بايعوا تحتها ) فقالت حفصـة :( بلى يا رسـول الله ) فانتهـرها ، فقالت حفصـة الآية الكريمة
قال تعالى :"( وإنْ منكم إلا واردُها كان على ربِّك حتماً مقضياً ")
فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-
قال الله تعالى :"( ثم ننجي الذين اتقوا ونذرُ الظالمين فيها جثِيّاً ")

الطـلاق

طلق الرسول - صلى الله عليه وسلم - حفصة طلقةً رجعية ، وذلك لإفشائها سِرّاً استكتمها إيّاه ، فلم تكتمه ، وقصة ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلا يوماً بمارية - رضي الله عنها - في بيت حفصة ، فلمّا انصرفت مارية دخلت حفصة حجرتها وقالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - :( لقد رأيت من كان عندك ، يا نبي الله لقد جئت إليّ شيئاً ما جئت إلى أحدٍ من أزواجك في يومي ، وفي دوري وفي فراشي ) ثم استعبرت باكية ، فأخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - باسترضائها فقال :( ألا ترضين أن أحرّمها فلا أقربها ؟) قالت :( بلى ) فحرّمها وقال لها :( لا تذكري ذلك لأحدٍ ) ورضيت حفصة بذلك ، وسعدت ليلتها بقرب النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا أصبحت الغداةَ ، لم تستطع على كتمان سرّها ، فنبّأت به عائشة ، فأنزل الله تعالى قوله الكريم مؤدِّباً لحفصة خاصة ولنساء النبي عامة
قال الله تعالى :"( وإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْوَاجه حَديثاً ، فلمّا نَبّأتْ بِهِ وأظهَرَهُ اللّهُ عليه عَرَّفَ بعضَه وأعْرَض عن بَعْضٍ فلمّا نَبّأهَا بِهِ قالت مَنْ أنْبَأكَ هَذا قال نَبّأنِي العَلِيمُ الخَبيرُ ") سورة التحريم آية ( 3 )
فبلغ ذلك عمر فحثا التراب على رأسه وقال :( ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها ) فنزل جبريل -عليه السلام- من الغَدِ على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال :( إن الله يأمرك أن تُراجِعَ حفصة رحمة بعمر ) وفي رواية أن جبريل قال :( أرْجِع حفصة ، فإنها صوّامة قوّامة ، وإنها زوجتك في الجنة )

اعتزال النبي لنسائه
اعتزل النبي - صلى الله عليه وسلم - نساءه شهراً ، وشاع الخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد طلّق نساءه ، ولم يكن أحد من الصحابة يجرؤ على الكلام معه في ذلك ، واستأذن عمر عدّة مرات للدخول على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلم يؤذن له ، فذهب مسرعاً الى بيت حفصة ، فوجدها تبكي فقال :( لعلّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد طلّقك ؟ إنه كان قد طلّقك مرةً ، ثم راجعك من أجلي ، فإن كان طلّقك مرّة أخرى لا أكلمك أبداً )
ثم ذهب ثالثة يستأذن في الدخول على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فأذِنَ له ، فدخل عمر والنبي - صلى الله عليه وسلم - متكىء على حصير قد أثر في جنبه ، فقال عمر :( أطلقت يا رسول الله نساءك ؟) فرفع - صلى الله عليه وسلم - رأسه وقال :( لا) فقال عمر :( الله أكبر ) ثم أخذ عمر وهو مسرور يهوّن على النبـي - صلى الله عليه وسلم - ما لاقى من نسائـه ، فقال عمر :( الله أكبر ! لو رأيتنا يا رسـول اللـه وكنّا معشر قريش قوماً نغلِبُ النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم ، فغضبتُ على امرأتي يوماً ، فإذا هي تراجعني ، فأنكرت أن تراجعني ، فقالت :( ما تُنْكِر أن راجعتك ؟ فوالله إن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليراجعْنَهُ ، وتهجره إحداهنّ اليوم الى الليل ) فقلت :( قد خاب من فعل ذلك منكنّ وخسِرَتْ ، أفتأمَنُ إحداكنّ أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذاً هي قد هلكت ؟) فتبسّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر :( يا رسول الله ، قد دخلت على حفصة فقلت :( لا يغرنّك أن كانت جاريتك - يعني عائشة - هي أوْسَم وأحبُّ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك ) فتبسّم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثانية ، فاستأذن عمر - رضي الله عنه - بالجلوس فأذن له
وكان - صلى الله عليه وسلم - أقسم أن لا يدخل على نسائه شهراً من شدّة مَوْجدَتِهِ عليهنّ ، حتى عاتبه الله تعالى ونزلت هذه الآية في عائشة وحفصة لأنهما البادئتان في مظاهرة النبي - صلى الله عليه وسلم - والآية التي تليها في أمهات المؤمنين
قال تعالى :( إِن تَتُوبَا إلى اللهِ فقد صَغَتْ قُلُوبُكُما وإن تَظَاهرا عَلَيه فإنّ اللهَ هوَ مَوْلاهُ وجِبريلُ وَصَالِحُ المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرٌ ** عسى رَبُّهُ إن طلَّقَكُنَّ أن يُبْدِلَهُ أزواجاً خَيْراً منكُنَّ مُسْلِماتٍ مؤمناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائِحاتٍ ثَيَّباتٍ وأبكاراً ) سورة التحريم آية ( 4 - 5 )
فما كان منهن وآيات الله تتلى على مسامعهن إلا أن قلنَ قال تعالى :( سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير )

وارِثة المصحف
لقد عكِفَـت أم المؤمنين حفصـة على تلاوة المصحف وتدبُّره والتأمـل فيه ، مما أثار انتباه أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - مما جعله يُوصي الى ابنته ( حفصة ) بالمصحف الشريف الذي كُتِبَ في عهد أبي بكر الصدّيق بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكتابته كانت على العرضة الأخيرة التي عارضها له جبريل مرتين في شهر رمضان من عام وفاته -صلى الله عليه وسلم - ولمّا أجمع الصحابة على أمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان في جمع الناس على مصحف إمامٍ ينسخون منه مصاحفهم ، أرسل أمير المؤمنين عثمان الى أم المؤمنين حفصة - رضي الله عنها - :( أن أرسلي إلينا بالصُّحُفِ ننسخها في المصاحف ) فحفظت أم المؤمنين الوديعة الغالية بكل أمانة ، وصانتها ورعتها

وفاتها
وبقيت حفصة عاكفة على العبادة ، صوّامة قوّامة إلى أن توفيت أول ما بويع معاوية سنة إحدى وأربعين ، وشيّعها أهل المدينة الى مثواها الأخير في البقيع مع أمهات المؤمنين - رضي الله عنهن -

أم المؤمنين
خديجة بنت خويلد

نسبها
خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية كانت تدعى قبل البعثة الطاهرة

بداية التعارف

كانت السيدة خديجة امرأة تاجرة ذات شرف و مال ، فلمّا بلغها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدق حديثه وعظيم أمانته وكرم أخلاقه ، بعثت إليه فعرضـت عليه أن يخرج في مالٍ لها الى الشام تاجراً ، وتعطيـه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجـار ، مع غلام لها يقال له مَيْسَـرة ، فقبل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخرج في مالها حتى قَدِم الشام وفي الطريق نزل الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ظل شجرة قريباً من صومعة راهب من الرهبان فسأل الراهب ميسرة :( من هذا الرجل ؟) فأجابه :( رجل من قريش من أهل الحرم ) فقال الراهب :( ما نزل تحت هذه الشجرة قطٌ إلا نبي )
ثم وصلا الشام وباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - سلعته التي خرج بها ، واشترى ما أراد ، ثم أقبل قافلاً الى مكة ومعه ميسرة ، فكان ميسرة إذا كانت الهاجرة واشتدَّ الحرّ يرى مَلَكين يُظلاَّنه - صلى الله عليه وسلم - من الشمس وهو يسير على بعيره ولمّا قدم -صلى الله عليه وسلم- مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فربحت ما يقارب الضعف

الخطبة و الزواج

وأخبر ميسرة السيدة خديجة بما كان من أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - فبعثت الى رسول الله وقالت له :( يا ابن عمّ ! إني قد رَغبْتُ فيك لقرابتك ، وشرفك في قومك وأمانتك ، وحُسْنِ خُلقِك ، وصِدْقِ حديثك ) ثم عرضت عليه نفسها ، فذكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذلك لعمّه الحبيب الذي سُرَّ وقال له :( إن هذا رزقٌ ساقهُ الله تعالى إليك ) ووصل الخبر الى عم السيدة خديجة ، فأرسل الى رؤساء مُضَر ، وكبراءِ مكة وأشرافها لحضور عقد الزواج المبارك ، فكان وكيل السيدة عائشة عمّها عمرو بن أسد ، وشركه ابن عمها ورقة بن نوفل ، ووكيل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عمّه أبو طالب ، وكان أول المتكلمين أبو طالب فقال :( الحمد لله الذي جعلنا من ذريّة إبراهيم ، وزرع إسماعيل وضئضئ معد ، وعنصر مضر ، وجعلنا حضنة بيته ، وسُوّاس حرمه ، وجعل لنا بيتاً محجوباً وحرماً آمناً ، وجعلنا الحكام على الناس ، ثم إن ابن أخي هذا ، محمد بن عبد الله لا يوزن برجلٍ إلا رجح به ، وإن كان في المال قِلاّ ، فإن المال ظِلّ زائل ، وأمر حائل ، ومحمد مَنْ قد عرفتم قرابته ، وقد خطب خديجة بنت خويلد ، وقد بذل لها من الصداق ما آجله وعاجله اثنتا عشرة أوقية ذهباً ونشاً -أي نصف أوقية- وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم ، وخطر جليل ) ثم وقف ورقة بن نوفل فخطب قائلا :( الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت ، وفضلنا على ما عددت ، فنحن سادة العرب وقادتها ، وأنتم أهل ذلك كله لا تنكر العشيرة فضلكم ، ولا يردُّ أحدٌ من الناس فخركم ولا شرفكم ، وقد رغبنا في الإتصال بحبلكم وشرفكم ، فاشهدوا يا معشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله )
كما تكلم عمُّهـا عمرو بن أسـد فقال :( اشهدوا عليّ يا معاشـر قريـش أنّي قد أنكحـت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد ) وشهـد على ذلك صناديـد قريـش

الذرية الصالحة
تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - السيدة خديجة قبل البعثة بخمس عشرة سنة ، وولدت السيدة خديجة للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولده كلهم إلا إبراهيم ، القاسم - وبه كان يكنى - ، والطاهر والطيب - لقبان لعبد الله - ، وزينب ، ورقيـة ، وأم كلثـوم ، وفاطمـة عليهم السلام فأما القاسـم وعبد اللـه فهلكوا في الجاهلية ، وأما بناتـه فكلهـن أدركـن الإسلام فأسلمن وهاجرن معه - صلى الله عليه وسلم -


إسلام خديجة
وبعد الزواج الميمون بخمسة عشر عاماً نزل الوحي على النبي - صلى الله عليه وسلم - فآمنت به خديجة ، وصدقت بما جاءه من الله ، ووازرته على أمره ، وكانت أول من آمن بالله وبرسوله ، وصدق بما جاء منه ، فخفف الله بذلك عن نبيه - صلى الله عليه وسلم - لا يسمع شيئاً مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له ، فيحزنه ذلك ، الا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها ، تثبته وتخفف عليه وتصدقه ، وتهون عليه أمر الناس ، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قَصَب - اللؤلؤ المنحوت - ، لا صخب فيه ولا نصب )

فضل خديجة
جاء جبريل إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال :( إن الله يقرأ على خديجة السلام ) فقالت :( إن الله هو السلام ، وعلى جبريل السلام ، وعليك السلام ورحمة الله )
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( خيرُ نسائها مريم ، وخير نسائها خديجة )

عام المقاطعة
ولمّا قُضيَ على بني هاشم وبني عبد المطلب عام المقاطعة أن يخرجوا من مكة الى شعابها ، لم تتردد السيدة خديجة في الخروج مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لتشاركه أعباء ما يحمل من أمر الرسالة الإلهية التي يحملها وعلى الرغم من تقدمها بالسن ، فقد نأت بأثقال الشيخوخة بهمة عالية وكأنها عاد إليها صباها ، وأقامت قي الشعاب ثلاث سنين ، وهي صابرة محتسبة للأجر عند الله تعالى

عام الحزن
وفي العام العاشر من البعثة النبوية وقبل الهجرة بثلاث سنين توفيت السيدة خديجة - رضي الله عنها - ، التي كانت للرسول - صلى الله عليه وسلم - وزير صدق على الإسلام ، يشكـو إليها ، وفي نفس العام توفـي عـم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أبو طالب ، لهذا كان الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- يسمي هذا العام بعام الحزن

الوفاء
قد أثنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السيدة خديجة ما لم يثن على غيرها ، فتقول السيدة عائشة :( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها ، فذكرها يوماً من الأيام فأخذتني الغيرة ، فقلت :( هل كانت إلا عجوزاً قد أبدلك الله خيراً منها ) فغضب ثم قال :( لا والله ما أبدلني الله خيراً منها ، آمنتْ بي إذْ كفرَ الناس ، وصدَّقتني إذ كذّبَني الناس ، وواستني بمالها إذ حرمنـي الناس ورزقني منها الله الولد دون غيرها من النساء ) قالت عائشة :( فقلتْ في نفسي : لا أذكرها بعدها بسبّةٍ أبداً )

أم المؤمنين
زينب بنت جحش
نسبها
زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صيرة بن مرّة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة ، أم المؤمنين وأمُّها أميمة بنت عبد المطلب عمّـة رسـول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولدت بمكة قبل البعثة بسبع عشرة سنة وكانت من المهاجرات الأول ، أسلمت قديماً

زواجها من زيد
كان زيد بن حارثة مولى للسيدة خديجة - رضي الله عنها - ، فلمّا تزوّجها الرسول - صلى الله عليه وسلم -وهَبَته له ، وتبناه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فأصبح زيد بن محمد ، وبعد الإسلام نزل قوله تعالى :( وادعوهم لآبائهم ) فعاد من جديد زيد بن حارثة
وأما قصة زواجه من السيـدة زينـب تعود الى أن زينب قد خطبها عدّة من قريش فأرسلت أختـها ( حمنة ) الى رسـول الله - صلى الله عليه وسلم - تستشيره ، فقال الرسـول - صلى الله عليه وسلم - :( أين هي ممن يُعلّمها كتاب ربّها وسنّة نبيها ؟) قالت حمنة :( ومن هو يا رسـول الله ؟) قال :( زيد بن حارثة ) فغضبت ( حمنة ) غضباً شديداً وقالت :( يا رسول الله ! أتزوج ابنة عمّتك مولاك ؟!) وعادت الى زينب فأخبرتها ، فغضبت زينب وقالت أشد من قول أختها فأنزل الله تعالى
قال تعالى :"( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أنْ يكون لهم الخِيرة من أمرهم ")
فأرسلت زينـب الى الرسـول - صلى الله عليه وسلم - وقالت :( إني استغفر الله وأطيع الله ورسولـه ، افعل يا رسول الله ما رأيت ) فزوّجها الرسول - صلى الله عليه وسلم - زيداً ، فكانت أزراً عليه ، وشكاها زيد الى الرسول الكريم ، فعاتبها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال لزيد :( أمسِكْ عليك زوجك واتّق الله ) فقال زيد :( أنا أطلقها ) وطلقها زيد - رضي الله عنه -

تزويج من السماء
وبينما الرسـول - صلى اللـه عليه وسلم - عند السيـدة عائشـة ، إذ أخذتـه غشيـةٌ فسُـرِّي عنه وهو يبتسـم و يقـول :( من يذهب الى زينـب يُبشِّرُها ؟) وتـلا قال تعالى :( وإذْ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمتَ عليه أمسكْ عليك زوجكَ واتقِ اللهَ وتُخْفي في نفسكَ ما اللهُ مُبْدِيه وتَخْشى الناس والله أحقُّ أن تخْشَاهُ ، فلمّا قضى زَيْدٌ منها وَطَراً زَوَّجْنَاكها لكي لا يكون على المؤمنين حَرَجٌ في أزواج أدْعيائهم إذا قضوا منهنّ وَطَراً ، وكان أمْرُ اللهِ مَفْعولاً )
فعندما انقضت عِدّة زينب - رضي الله عنها - قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لزيْد بن حارثة :( اذهب فاذْكرها عليّ ) فانطلق حتى أتاها وهي تخمّرُ عجينها ، قال :( فلمّا رأيتها عظمَتْ في صدري حتى ما أستطيع أن أنظـر إليها ، وأقول إن رسـول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكرها فولّيتُها ظهري ، ونكصت على عقبي وقُلتُ :( يا زينب أبشري أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكرك ؟) قالت :( ما أنا بصانعةٍ شيئاً حتى أؤامِرَ ربيّ عز وجل ) فقامت الى مسجدها ونزل القرآن وجاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - فدخل عليها تقول السيدة زينب :( لمّا انقضتْ عِدّتي لم أعلم إلا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دخل عليّ بيتي ، وأنا مكشوفة الشعر ، فعلمت أنه أُمِرَ من السماء ، فقلت :( يا رسول الله : بلا خطبة ولا إشهاد ؟ ) قال - صلى الله عليه وسلم - :( الله زوّجَ وجبريل الشاهد ) وتزوّج الرسول - صلى الله عليه وسلم - امرأة زيد بعده ، وانتفى ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من أن الذي يتبنى غيره يصير ابنه
وكانت وليمة العرس حافلة مشهودة ، ذبح النبـي -صلى اللـه عليه وسلم- شاة ، وأمر ( أنس بن مالك ) أن يدعوَ الناس الى الوليمـة ، فترافدوا أفواجاً أفواجاً ، يأكل كل فوج ويخرج ، ثم يدخل فوجٌ آخر ، حتى أكلوا كلُّهم

الفخر
لقد كانت السيدة زينب تفتخر بزواجها من الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتقول :( يا رسول الله إني والله ما أنا كإحدى نسائِكَ ، ليست امرأة من نسائِك إلا زوّجها أبوها أو أخوها أو أهلها ، غيري زوّجِنيك الله من السماء ) وقد كانت - رضي الله عنها - تفتخر على نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- فتقول :( زوّجكُنّ أهاليكنّ ، وزوّجني الله تعالى من فوق سبع سموات ) فلمّا سمعتها السيدة عائشة -رضي الله عنها- قالت :( أنا التي نزل عذري من السماء ) فاعترفت لها زينب - رضي الله عنها -

السخاء والجود
لقد سميت السيد زينب بأم المؤمنين ومفزع اليتامى وملجأ الأرامل ، وقد اكتسبت تلك المكانة بكثرة سخائها وعظيم جودها ، وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لنسائه :( أسْرعكُنّ لحاقاً بي أطوَلَكُنّ يداً ) تقول السيدة عائشة :( كنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نمدُّ أيدينا في الجدار نتطاول ، فلم نَزَل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش ، ولم تكن بأطولنا ، فعرفنا حينئذٍ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أراد طولَ اليدِ بالصدقة ، وكانت زينب امرأةً صناعَ اليد ، فكانت تَدْبَغُ وتخرزُ وتتصدق به في سبيل الله تعالى )
وبعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان عطاؤها اثني عشر ألفاً ، لم تأخذه إلا عاماً واحداً ، فجعلت تقول :( اللهم لا يدركني هذا المالُ من قابل ، فإنه فتنة ) ثم قسّمته في أهل رَحِمِها وفي أهل الحاجة ، فبلغ عمر فقال :( هذه امرأة يُرادُ بها خيراً ) فوقف عليها وأرسل بالسلام ، وقال :( بلغني ما فرّقت ، فأرسل بألف درهم تستبقيها ) فسلكت به ذلك المسلك

وفاتها
توفيـت السيـدة زينـب سنـة عشريـن من الهجـرة وهي بنـت خمسيـن ، وصلّى عليهـا عمـر بـن الخطـاب أميـر المؤمنيـن ، ودُفنـت في البقيـع - رضـي اللـه عنها - قالت السيدة عائشة :( رحِمَ الله زينب ، لقد نالت في الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف ، إن الله زوّجها ، ونطق به القرآن ، وإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لنا :( وأسْرَعَكُنّ بي لُحوقاً أطولكُنَّ باعاً ) فبشَّرها بسرعة لحوقها به ، وهي زوجته في الجنة )


أم المؤمنين
زينب بنت خزيمة

نسبها
هي زينب بنت خزيمة بن عبد الله بن عمر بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلاليـة ، أم المؤمنين زوج الرسول -صلى الله عليه وسلم - وكانت أخت أم المؤمنيـن ( ميمونة بنت الحارث ) لأمها ، ولِدَت قبل البعثـة في مكة بثلاث عشرة سنة تقريباً ، كانت زوجة عبد الله بن جحش فاستشهد بأحد فخطبها الرسـول - صلى الله عليه وسلم - بعد انقضاء عدّتها الى نفسها ، فجعلت أمرها إليه تزوجها في السنة الثالثـة للهجرة بعد حفصـة ، وأقامت عند الرسول ثمانية أشهر وتوفيت في سنة أربع للهجرة 0

الزواج المبارك
أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الى ( زينب بنت خزيمة ) يخطبها الى نفسه ، وما أن يصل الخبر الى المهاجرة الصابرة التي أفجعها فراق زوجها الشهيد عبد الله بن جحش في غزوة أحد ، امتلأت نفسها سعادة ورضا من التكريم النبوي لها ، فهي ستكون إحدى زوجاته -عليه أفضل الصلاة والسلام - فما كان منها إلا أن أرسلت الى الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( أني جعلت أمر نفسي إليك ) وتزوجها الرسول الكريم في شهر رمضان من السنة الثالثة للهجرة ولم تمكث عنده إلا أشهراً وتوفيت - رضي الله عنها -

أم المساكين
لقد أقلّت كتب السيرة والتراجم من ذكر أخبار السيدة زينب لقصر فترة اقامتها عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولكنها كانت أفضل أمهات المؤمنين في حب المساكين والإحسان إليهم ، لتكون حقاً ( أم المساكين ) فقد كانت تطعمهم وتتصدق عليهم


وفاتها
توفيت في شهر ربيع الآخر سنة أربع ، وعاشت ثلاثين سنة ، رضي الله عنها وأرضاها

أم المؤمنين
سَوْدَة بنت زَمْعَة
نسبها
سودة بنت زمعـة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل ابن عامر بن لؤي القرشيـة ، أم المؤمنيـن ، تزوّجها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد خديجة وقبل عائشة ، أسلمت بمكة وهاجرت هي وزوجها الى الحبشة في الهجرة الثانية ومات زوجها هناك

قصة الزواج
بعد وفاة السيـدة خديجـة بثـلاث سنيـن قالت خولة بنت حكيم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة :( ألا تتزوج ؟) فقال :( ومن ؟) فقالت :( إن شئـت بكراً وإن شئـت ثيباً !؟) قال :( من البكر ؟) قالت :( ابنة أحـبِّ خلق الله إليك ، عائشة بنت أبي بكر ؟) قال :( ومن الثيب ؟) قالت :( سودة بنت زمعة بن قيس ، قد آمنت بك واتبعتك على ما أنت عليه ) قال :( فاذهبي فاذكريهما عليّ ) ، فجاءت فدخلت بيت أبي بكر ، ثم خرجت فدخلت على سودة فقالت :( أي سودة ! ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة ؟!) قالت :( وما ذاك ؟) قالت :( أرسلني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطبك عليه ؟!) فقالت :( وددتُ ، ادخلي على أبي فاذكري له ذلك ) وكان والدها شيخ كبير ، فدخلت عليه فحيته بتحية أهـل الجاهلية ثم قالت :( إن محمـد بن عبد الله بن عبـد المطلـب أرسلني أخطـب عليه سودة ؟) قال :( كفء كريم ، فماذا تقول صاحبته ؟) قالت :( تحب ذلك ) قال :( ادعيها إليّ ) فدُعيَت له فقال :( أيْ سودة ، زعمت هذه أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أرسل يخطبك ، وهو كفء كريم ، أفتحبين أن أزوِّجْكِهِ ؟ ) قالت :( نعم ) فقال :( فادعيه لي ) فدعته وجاء فزوّجه

سودة والنبي
كانت السيدة سودة مصبية ، فقد كان لها خمس صبية أو ست من بعلها مات ( السكران بن عمرو ) فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( ما يمنعُك مني ؟) قالت :( والله يا نبي الله ما يمنعني منك أن لا تكون أحبَّ البرية إلي ، لكني أكرمك ، أن يمنعوا هؤلاء الصبية عند رأسك بُكرة وعشية ) فقال - صلى الله عليه وسلم - :( فهل منعك مني غير ذلك ؟) قالت :( لا والله ) قال لها الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( يرحمك الله ، إن خيرَ نساءٍ ركبنَ أعجاز الإبل ، صالحُ نساءِ قريشِ أحناه على ولده في صغره ، وأرعاه على بعل بذات يده )

سودة الزوجة
أرضى الزواج السيدة سودة - رضي الله عنها - ، وأخذت مكانها الرفيع في بيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحرصت على خدمة بناته الكريمات ، سعيدة يملأ نفسها الرضا والسرور وكان يسعدها أن ترى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يبتسم من مشيتها المتمايلة من ثِقَل جسمها ، الى جانب ملاحة نفسها وخفّة ظلها

الضرائر
بعد الهجرة الى المدينة جاءت عائشة بنت أبي بكر زوجة للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فأفسحت السيدة سودة المجال للعروس الشابة وحرصت على إرضائها والسهر على راحتها ثم خصّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكل زوجة بيت خاصٍ بها ، وأتت زوجات جديدات الى بيت الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولكن لم تتردد السيدة سودة في إيثار السيدة عائشة بإخلاصها ومودتها

التسريح
عندما بدأت السيدة سودة تشعر بالشيخوخة تدب في جسدها الكليل ، وأنها تأخذ ما لا حق لها فيه في ليلة تنتزعها من بين زوجات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأنها غير قادرة على القيام بواجب الزوجية ، سرّحها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولكنها لم تقبل بأن تعيش بعيدا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجمعت ثيابها وجلست في طريقه الذي يخرج منه للصلاة ، فلما دنا بكت وقالت :( يا رسول الله ، هل غمصتَ عليَّ في الإسلام ؟ ) فقال :( اللهم لا ) قالت :( فإني أسألك لما راجعتني ) فراجعها ، وعندما حققت مطلبها قالت :( يا رسول الله ، يومي لعائشة في رضاك ، لأنظر الى وجهك ، فوالله ما بي ما تريد النساء ، ولكني أحب أن يبعثني الله في نسائك يوم القيامة ) وهكذا حافظت على صحبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا والآخرة

وفاتها
توفيـت - رضي الله عنها - في آخر زمان عمـر بن الخطـاب وبقيت السيدة عائشـة تذكرها وتؤثرها بجميل الوفاء والثناء الحسن في حياتها وبعد مماتها - رضي الله عنهما -

أم المؤمنين
صفية بنت حُييّ بن أخطب


نسبها
هي صفيـة بنت حُيَيِّ بن أخطب بن سعيد ، من ذرية نبي الله هارون عليه السلام من سبط اللاوي بن يعقوب - نبي الله إسرائيل - بن اسحاق بن إبراهيم عليه السـلام ، ولِدَت - رضي اللـه عنها - بعد البعثة بثلاثة أعوام ، وكانت شريفـة عاقلة ، ذات حسبٍ وجمالٍ ، ودين وتقوى ، وذات حِلْم ووقار

فتح خيبر
لمّا انتهت السنة السادسة للهجرة ، وأقبل هلال المحرم من أول السنة السابعة تهيأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمعركة حاسمة تقطع دابر المكر اليهودي من أرض الحجاز ، فخرج - صلى الله عليه وسلم - مع ألف وأربعمائة مقاتل في النصف الثاني من المحرّم الى خيبر ( معقل اليهود ) و سار يفتح حصون خيبر ومعاقلها واحداً إثر واحد ، حتى أتى القموص ( حصن بني أبي الحُقين ) ففتحه ، وجيء بسبايا الحصن ومنهنّ صفية ومعها ابنة عمّ لها ، جاء بهما بلال - رضي الله عنه - ، فمرّ بهما على قتلى يهود الحصن ، فلما رأتهم المرأة التي مع صفية صكّت وجْهها وصاحت ، وحثت التراب على وجهها ، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( أغربوا هذه الشيطانة عني ) وصفية ثابتة الجأش رزينة ، فأمر بصفية فجُعِلت خلفه ، وغطى عليها ثوبه ، فعرف الناس أنه اصطفاها لنفسه ، وقال لبلال :( أنُزِعَت الرحمة من قلبك حين تَمُرُّ بالمرأتين على قتلاهما ؟ )

رؤيا البشارة
وقبل ذلك كانت صفيـة قد رأت أن الشمس نزلت حتى وقعت على صدرها ، فذكرت ذلك لأمهـا فلطمت وجهها وقالـت :( إنّك لتمدّين عُنُقك إلى أن تكوني عند مَلِك العرب ) فلم يزل الأثر في وجهها حتى أُتيَ بها الى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلمّا سألها عنه أخبرته ، فكبرت في نفسه حين سمع منها هذه البشارة التي زفُها الله تعالى إليها في هذه الرؤيا الصالحة ، وواسى آلامها وخفّف من مُصابَها ، وأعلمها بأن الله تعالى قد حقق رؤياها
وقد قال لها الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( هلْ لك فيّ ؟) يرغّبها بالزواج منه ، فأجابت :( يا رسول الله ، قد كنتُ أتمنى ذلك في الشرك ، فكيف إذا أمكنني الله منه في الإسلام ) فأعتقها - صلى الله عليه وسلم - وتزوجها ، وكان عتقُها صداقُها

الزواج المبارك
ولما أعرس الرسول - صلى الله عليه وسلم - بصفية ، بخيبر أو ببعض الطريق ، وكانت التي جمّلتها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومشّطتها وأصلحت من أمرها ، أم سليم بنت مِلحان أم أنس بن مالك ، فبات بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قبة له ، وبات أبو أيوب خالد بن زيد متوشحاً سيفه يحرس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويطيف بالقبة حتى أصبح رسول الله ، فلما رأى مكانه قال :( مالك يا أبا أيوب ؟) قال :( يا رسول اللـه ، خفت عليك من هذه المـرأة ، وكانت امرأة قد قتلـت أباها وزوجها وقومها ، وكانت حديثة عهد بكفر ، فخفتها عليك ) فزعموا أن رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- قال :( اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني )

قدوم المدينة
لمّا قدمت صفية - رضي الله عنها - من خيبر ، أنزلت في بيت الحارث بن نعمان فسمع نساء الأنصار ، فجئن ينظرن الى جمالها ، وجاءت السيدة عائشة متنقبة ، فلما خرجت ، خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- على أثرها فقال :( كيف رأيت يا عائشة ؟ ) قالت :( رأيتُ يهودية ) فقال -صلى الله عليه وسلم- :( لا تقولي ذلك فإنها أسلمت وحسُنَ إسلامها )

بيت النبوة
وما أن حلّت صفية - رضي الله عنها - بين أمهات المؤمنين شريكة لهن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حتى أثارت حفيظة بعضهن ، وقد لاحظت هي ذلك ، فقدمت لهنّ بعض الحلي من الذهب كرمز لمودتها لهن ، كما قدمت أيضاُ لفاطمة - رضي الله عنها -
ومن بعض المواقف التي حصلت بين الضرائر ، بلغ صفية أن حفصة قالت لها :( بنت يهودي ) فبكت فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي تبكي فقال :( ما شأنك ؟) قالت :( قالت لي حفصة إني بنت يهودي ) فقال لها النبي :(إنك لبنتُ نبيّ ، وإنّ عمّك لنبيّ ، وإنّك لتحت نبيّ ، فبِمَ تفخرُ عليكِ ) ثم قال :( اتق الله يا حفصة )
وقد حج الرسول - صلى الله عليه وسلم - بنسائه ، فبرك بصفية جملها ، فبكت وجاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمّا أخبروه ، فجعل يمسح دموعها بيده ، وهي تبكي وهو ينهاها ، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس ، فلمّا كان عند الرواح ، قال لزينب :( أفقري أختك جملاً ) أي أعيريها إياه للركوب ، وكانت أكثرهن ظهراً ، فقالت :( أنا أفقِرُ يهوديتك ؟ ) فغضب - صلى الله عليه وسلم - فلم يكلّمها حتى رجع الى المدينة ، ومحرّم وصفر فلم يأتها ، ولم يقسم لها ويئست منه ، حتى جاء ربيع الأول ، وهكذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في حُسْنِ معاشرته لـ(صفية) يبدلها الغم سروراً ، والغربة أنساً

فضلها
كانت - رضي الله عنها - صادقة في قولها ، وقد شهد لها بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعندما اجتمع نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضـه الذي توفـي فيه ، قالت صفيـة :( إني واللـه لوددت أن الذي بك بـي ) فغَمَـزْنَ أزواجه ببصرهـن فقال الرسـول - صلى اللـه عليه وسلم - :( مضمِضْنَ ) أي طهّرن أفواهكنّ من الغيبة قُلْنَ :( من أي شيء ؟ ) فقال :( من تغامزكنّ بها ، والله إنها لصادقة )
كما أن صفية - رضي الله عنها - كانت حليمة تعفو عند المقدرة ، فقد ذهبت جارية لها الى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقالت :( إن صفية تُحبّ السبت وتصِل اليهود ) فبعث إليها عمر فسألها عن ذلك ، فقالت :( أمّا السبت فإني لم أحِبّه منذ أبدلني الله به الجمعة ، وأما اليهود فإن لي فيهم رحِماً فأنا أصلها ) فلم يجب عمر ثم قالت للجارية :( ما حملك على هذا ؟) قالت :( الشيطان ) فقالت :( اذهبي فأنت حرة )
كما اتصفت - رضي الله عنها - بعمق الفهم ودقة النظر ، فقد اجتمع نفر في حُجرةِ صفية ، فذكروا الله وتلو القرآن وسجدوا ، فنادتهم صفية - رضي الله عنها - :( هذا السجود وتلاوة القرآن ، فأين البكاء ؟ ) فقد طالبتهم بالخشوع لله تعالى والخوف منه وهذا ما تدل عليه الدموع

محنة عثمان
لقد شاركت صفية - رضي الله عنها - في محنة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فقد قَدِمت على بغلةٍ مع كنانة مولاها لترد عن عثمان ، فلقيهم الأشتر النخعي ، فضرب وجْه البغلة ، فلما رأت فظاظته ووحشيته قالت :( رُدّوني لا يفضحني ) ثم وضعت حسناً - رضي الله عنه - بين منزلها ومنزل عثمان ، فكانت تنقل إليه الطعام والماء

وفاتها
توفيت - رضي الله عنها - حوالي سنة خمسين للهجرة ، والأمر مستتب لمعاوية بن أبي سفيان ، ودفنت في البقيع مع أمهات المؤمنين

أم المؤمنين
عائشة بنت أبي بكر
نسبها
هي عائشـة بنت أبي بكر الصديـق ، عبد الله بن أبي قحافـة عثمان بن عامر من ولد تيـم بن مرة ، ولدت السيـدة عائشـة بعد البعثة بأربع سنين ، وعقد عليها رسـول اللـه - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة بسنة ، ودخـل عليها بعد الهجرة بسنة أو سنتيـن وقُبِضَ عنها الرسول الكريم وهي بنـت ثمان عشرة سنة ، وعاشت ست وستين سنة ، وحفظت القرآن الكريم في حياة الرسول وروت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألفي حديث ومائي وعشرة أحاديث

الرؤيا المباركة
قال الرسـول - صلى الله عليه وسلم - :( أُريتُـكِ - وهو يخاطب عائشـة - في المنام ثلاث ليالٍ ، جاءني بك الملك في سَرَقةٍ من حرير ، وهو الحرير الأبيض ، فيقول :( هذه إمرأتك ) فاكشف عن وجهك فإذا أنت هي ؟ فأقول :( إن يكُ هذا من عند الله يُمضِهِ )


الخِطبة
عندما ذكرت خولة بنت حكيـم لرسـول الله - صلى الله عليه وسلم - اسم عائشة لتخطبها له ، تهلل وجهه الشريف لتحقق الرؤيا المباركة ، ولرباط المصاهـرة الذي سيقرب بينه وبين أحـب الناس إليه دخلت خولة الى بيت أبي بكر ، فوجدت أم عائشة فقالت لها :( ماذا أدخل الله عليكم من الخير و البركة ؟ ) قالت أم عائشة :( وما ذاك ؟ ) أجابت :( أرسلني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخطبُ له عائشة ) فقالت :( ودِدْتُ ، انتظري أبا بكر فإنه آتٍ )
وجاء أبو بكر فقالت له :( يا أبا بكر ، ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة ؟ أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخطبُ عائشـة ) فذكر أبو بكر موضعـه من الرسـول - صلى الله عليه وسلم - وقال :( وهل تصلح له ؟ إنما هـي ابنة أخيه ؟) فرجعت خولة الى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقالت له ذلك ، فقال :( ارجعي إليه فقولي : أنت أخي في الإسلام ، وأنا أخوك ، وبنتك تصلحُ لي )
فذكرت ذلك لأبي بكر فقال :( انتظريني حتى أرجع ) فذهب ليتحلل من عِدَةٍ للمطعم بن عدي ، كان ذكرها على ابنه ، فلما عاد أبو بكر قال :( قد أذهبَ الله العِدَة التي كانت في نفسـه من عدِتِه التي وعدها إيّـاه ، ادْعي لي رسـول الله - صلى الله عليه وسلم - ) فدعتْه وجاء ، فأنكحه ، فحصلت قرابة النسب بعد قرابة الدين

العروس المباركة
وبعد أن هاجر الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين الى المدينة ، وحين أتى الميعاد أسرع الأصحاب من الأنصار وزوجاتهم الى منزل الصديق حيث كانت تقوم فيه العروس المباركة ، فاجتمعت النسوة الى آل الصديق يهيئن العروس لتزفّ الى زوجها ( سيد الخلق ) ، وبعد أن هيَّئْنَها وزفَفْنها ، دخلت ( أم الرومان ) أم عائشة بصحبة ابنتها العروس الى منزل الرسول - صلى الله عليه وسلم - من دار أبي بكر ، و قالت :( هؤلاء أهلك ، فبارك الله لك فيهنّ ، وبارك لهن فيك ) وتنقضي ليلة الزفاف في دار أبي بكر ( في بني الحارث بن الخزرج ) ثم يتحوّل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأهله الى البيت الجديد وهو حجرة من الحجرات التي شُيّدت حول المسجد

حديث الإفك
حديث الإفك خطير أفظع الخطر في مضمونه ومحتواه فمضمونه : العداء للإسلام والمسلمين ، و محتواه : قذف عرض النبي - صلى الله عليه وسلم - وإشاعة مقالة السوء في أهله الأطهار ، و أغراضه : إكراه الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين على الخروج من المدينة ، وأهدافه : إزالة آثار الإسلام والإيمان من قلوب الأنصار

الحادثة
وفي غزوة المصطلق سنة ست للهجرة ، تقول السيدة عائشة :( فلما فرغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - من سفره ذلك وجّه قافلا حتى إذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات به بعض الليل ، ثم أذّن في الناس بالرحيل ، فارتحل الناس ، وخرجت لبعض حاجاتي وفي عنقي عقد لي ، فلما فرغت أنسل من عنقي ولا أدري ، فلما رجعت الى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده ، وقد أخذ الناس في الرحيل ، فرجعت الى مكاني الذي ذهبت إليه ، فالتمسته حتى وجدته ، وجاء القوم خلافي ، الذين كانوا يُرَحِّلون لي البعير ، وقد فرغوا من رحلته ، فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه كما كنت أصنع ، فاحتملوه فشدوه على البعير ، ولم يشكوا أني فيه ، ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به ، فرجعت الى العسكر وما فيه من داع ولا مجيب ، قد انطلق الناس ، فتلففت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني ، وعرفت أن لو قد افتقدت لرُجع إلي ، فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطّل السُّلَمي ، وقد كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته ، فلم يبت مع الناس ، فرأى سوادي فأقبل حتى وقف علي ، وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب ، فلما رآني قال :( إنا لله وإنا إليه راجعون ، ظعينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) وأنا متلففة في ثيابي ، قال :( ما خلّفك يرحمك الله ؟ ) فما كلمته ، ثم قرب البعير فقال :( اركبي ) واستأخر عني ، فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعاً يطلب الناس ، فوالله ما أدركنا الناس وما افتُقدت حتى أصبحت ، ونزل الناس ، فلما أطمأنوا طلع الرجل يقود بي ، فقال أهل الإفك ما قالوا ، فارتعج العسكر ، ووالله ما أعلم بشيء من ذلك )

مرض عائشة
وفي المدينة مرضت السيـدة عائشـة مرضاً شديداً ، ولم تعلم بالحديـث الذي وصل للرسـول - صلى الله عليه وسلم - وأبويها ، إلا أنها قد أنكرت من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعض لطفه بها ، وحين رأت جفائه لها استأذنت بالإنتقال الى أمها لتمرضها فأذن لها وبعد مرور بضع وعشرين ليلة خرجت مع أم مِسْطح بنت أبي رُهْم بن المطلب بن عبد مناف ، فعلمت بحديث الإفك ، وعادت الى البيت تبكي وقالت لأمها :( يغفر الله لك ، تحدّث الناس بما تحدّثوا به وبلغك ما بلغك ، ولا تذكرين لي من ذلك شيئاً ) قالت :( أي بُنَيَّة خفِّضي الشأن ، فوالله قلّما كانت امرأة حسناء عند رجل يُحبها لها ضرائر إلا كثّرن وكثّر الناس عليها )

الأوس والخزرج
وقد قام الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الناس يخطبهم ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :( أيها الناس ، ما بال رجال يؤذونني في أهلي ، ويقولون عليهم غير الحق ؟ والله ما علمت منهم إلا خيراً ، ويقولون ذلك لرجلِ والله ما علمت منه إلا خيراً ، وما دخل بيتاً من بيوتي إلا وهو معي ) فلمّا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلك المقالة ، قال أسيْد بن حُضَيْر :( يا رسول الله ، إن يكونوا من الأوس نكفكهم ، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمُرْنا بأمرك ، فوالله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم )
فقام سعد بن عُبادة فقال :( كذبت لعمر الله لا تُضرَب أعناقهم ، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج ، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا ) قال أسيد :( كذبت لعمر الله ، ولكنك منافق تجادل عن المنافقين ) وتساور الناس حتى كاد أن يكون بين هذين الحيّين من الأوس والخزرج شرّ ، ونزل الرسول - صلى الله عليه وسلم - فدخل على عائشة

الإستشارة
ودعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد ، فاستشارهما ، فأما أسامة فأثنى خيراً وقال :( يا رسول الله ، أهلك ، ولا نعلم عليهن إلا خيراً ، وهذا الكذب و الباطل ) وأما علي فإنه قال :( يا رسول الله ، إنّ النساء لكثير ، وإنك لقادر على أن تستخلف ، وسلِ الجارية تصدُقك ) فدعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ( بريرة ) ليسألها ، فقام إليها علي فضربها ضربا شديداً وهو يقول :( اصدقي رسول الله ) فقالت :( والله ما أعلم إلا خيراً ، وما كنت أعيب على عائشة إلا أني كنت أعجن عجيني ، فآمرها أن تحفظه فتنام عنه ، فيأتي الداجن فيأكله )

الرسول و عائشة
تقول السيدة عائشة :( ثم دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندي أبواي ، وعندي امرأة من الأنصار ، وأنا أبكي وهي تبكي معي ، فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :( يا عائشة ، إنه قد كان ما قد بلغك من قول الناس ، فاتّقي الله وإن كنت قارفت سوءاً مما يقول الناس فتوبي الى الله ، فإن الله يقبل التوبة من عباده )
قالت :( فوالله ما هو إلا أن قال ذلك ، فقلص دمعي ، حتى ما أحس منه شيئاً ، وانتظرت أبَوَيّ أن يجيبا عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يتكلما فقلت لهما :( ألا تجيبان رسول الله ؟) فقالا لي :( والله ما ندري بماذا نجيبه )
قالت :( فلما أن استعجما عليّ استعبرت فبكيت ثم قلت :( والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبداً ، والله إني لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس ، والله يعلم أنّي منه بريئة ، لأقولن ما لم يكن ، ولئن أنا أنكرت ما تقولون لا تُصدِّقونني ، ولكني أقول كما قال أبو يوسف :( فصبرٌ جميلٌ والله المستعان على ما تصفون )

البراءة
قالت السيدة عائشة :( فوالله ما بَرِحَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه ، فسُجِّي بثوبه ، ووضِعت له وسادة من أدم تحت رأسه ، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت ، فوالله ما فزعت كثيرا ولا باليت ، قد عرفت أني بريئة ، وإن الله غير ظالمي ، وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ما سُرّيَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فَرَقاً أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس ثم سُرِّيَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلس وإنه ليتحدّر منه مثل الجُمان في يومٍ شاتٍ ، فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول :( أبشري يا عائشة ، فقد أنزل الله براءتـك ) فقالت :( بحمـد الله وذمّكم ) ثم خرج الى الناس فخطبهم ، وتلا عليهم ما أنزل اللـه عز وجل من القرآن سورة النور ( 11-19 ) وبدايتها

قال تعالى
( إنَّ الذين جَاؤُوا بالإفكِ عُصْبَةُ منكم ، لا تحسبوه شراً لكم بلْ هو خيرُ لكم ، لكل امرىءٍ منهم ما اكتسبَ من الإثم ، والذي تولَّى كِبْرَهُ منهم له عذابٌ عظيمٌ ، لولا إذ سمعتُموه ظنَّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً )

إقامة الحد
ثم أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمسطح بن أثاثة ، وحسان بن ثابت ، وحمنة بنت جحش وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدَّهم

حبيبة الحبيب

قالت السيدة عائشة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -:( يا رسول الله ، كيف حبّك لي ؟) قال - صلى الله عليه وسلم - :( كعقد الحبل ) فكانت تقول له :( كيف العُقدةُ يا رسول الله ؟) فيقول :( هي على حالها ) كما أن فاطمة - رضي الله عنها - ذهبت الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تذكر عائشة عنده فقال :( يا بُنية : حبيبة أبيك )
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - لأم المؤمنين عائشة :( كنتِ أحبَّ نساء النبي-صلى الله عليه وسلم- إليه ، ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُحبُّ إلا طيّباً ) وقال :( هلكت قلادتُك بالأبواء ، فأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلتقطها فلم يجدوا ماءً ، فأنزل الله عزّ وجل:

قال تعالى :( فتيمموا صعيداً طيباً )
فكان ذلك بسببكِ وبركتك ما أنزل الله تعالى لهذه الأمة من الرخصة ) وقال :( وأنزل الله براءتك من فوق سبع سمواته ، فليس مسجد يُذكر الله فيه إلاّ وشأنك يُتلى فيه آناء الليل وأطراف النهار ) فقالت :( يا ابن عباس دعني منك ومن تزكيتك ، فوالله لوددت أني كنت نسياً مِنسياً )

رؤية جبريل
قالت السيـدة عائشـة :( رأيتك يا رسـول الله واضعاً يدك على معرفة فرسٍ ، وأنت قائم تكلِّم دِحيـة الكلبي ) قال - صلى الله عليه وسلم - :( أوَقدْ رأيته ؟ ) قالت :( نعم ) قال :( فإنه جبريل ، وهو يقرئك السلام ) قالت :( وعليه السلام ورحمة الله وجزاه الله خيراً من زائر ، فنعم الصاحب ونعم الداخل )

زهدها
ال عروة :( أن معاوية بعث الى عائشة - رضي الله عنها - بمائة ألف ، فوالله ما غابت الشمس عن ذلك اليوم حتى فرّقتها قالت لها مولاتها :( لو اشتريت لنا من هذه الدراهم بدرهمٍ لحماً ) فقالت :( لو قلت قبل أن أفرقها لفعلت )

فضلها العلمي
كانت السيدة عائشة صغيرة السن حين صحبت الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا السن يكون الإنسان فيه أفرغ بالا ، وأشد استعداداً لتلقي العلم ، وقد كانت السيدة عائشة - رضي الله عنها - متوقدة الذهن ، نيّرة الفكر ، شديدة الملاحظة ، فهي وإن كانت صغيرة السن كانت كبيرة العقل قال الإمام الزهري :( لو جمع علم عائشة الى علم جميع أمهات المؤمنين ، وعلم جميع النساء ، لكان علم عائشة أفضل ) وقال أبو موسى الأشعري :( ما أشكل علينا أمرٌ فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها فيه علماً )
وكان عروة يقول للسيدة عائشة :( يا أمتاه لا أعجب من فقهك ؟ أقول زوجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابنة أبي بكر ، ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام العرب ، أقول بنية أبي بكر - وكان أعلم الناس - ولكن أعجب من علمك بالطب فكيف هو ؟ ومن أين هو ؟ وما هو ؟) قال : فضربت على منكبي ثم قالت :( أيْ عُريّة -تصغير عروة وكانت خالته- إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسقم في آخر عمره ، فكانت تقدم عليه الوفود من كل وجه فتنعت له فكنت أعالجه ، فمن ثَمَّ )

اعتزال النبي لنسائه
اعتزل النبي - صلى الله عليه وسلم - نساءه شهراً ، وشاع الخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد طلّق نساءه ، ولم يكن أحد من الصحابة يجرؤ على الكلام معه في ذلك ، واستأذن عمر عدّة مرات للدخول على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلم يؤذن له ، ثم ذهب ثالثة يستأذن في الدخول على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فأذِنَ له ، فدخل عمر والنبي -صلى الله عليه وسلم- متكىء على حصير قد أثر في جنبه ، فقال عمر :( أطلقت يا رسول الله نساءك ؟) فرفع - صلى الله عليه وسلم - رأسه وقال :( لا) فقال عمر :( الله أكبر ) ثم أخذ عمر وهو مسرور يهوّن على النبـي - صلى الله عليه وسلم - ما لاقى من نسائـه ، فقال عمر :( الله أكبر ! لو رأيتنا يا رسـول اللـه وكنّا معشر قريش قوماً نغلِبُ النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم ، فغضبتُ على امرأتي يوماً ، فإذا هي تراجعني ، فأنكرت أن تراجعني ، فقالت :( ما تُنْكِر أن راجعتك ؟ فوالله إن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- ليراجعْنَهُ ، وتهجره إحداهنّ اليوم الى الليل ) فقلت :( قد خاب من فعل ذلك منكنّ وخسِرَتْ ، أفتأمَنُ إحداكنّ أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذاً هي قد هلكت ؟) فتبسّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فقال عمر :( يا رسول الله ، قد دخلت على حفصة فقلت :( لا يغرنّك أن كانت جاريتك - يعني عائشة - هي أوْسَم وأحبُّ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك ) فتبسّم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ثانية ، فاستأذن عمر -رضي الله عنه- بالجلوس فأذن له ، وكان - صلى الله عليه وسلم - أقسم أن لا يدخل على نسائه شهراً من شدّة مَوْجدَتِهِ عليهنّ ، حتى عاتبه الله تعالى ونزلت هذه الآية في عائشة وحفصة لأنهما البادئتان في مظاهرة النبي - صلى الله عليه وسلم - والآية التي تليها في أمهات المؤمنين قال تعالى :( إِن تَتُوبَا إلى اللهِ فقد صَغَتْ قُلُوبُكُما وإن تَظَاهرا عَلَيه فإنّ اللهَ هوَ مَوْلاهُ وجِبريلُ وَصَالِحُ المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرٌ ** عسى رَبُّهُ إن طلَّقَكُنَّ أن يُبْدِلَهُ أزواجاً خَيْراً منكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانتاتٍ تائباتٍ عابداتٍ سائِحاتٍ ثَيَّباتٍ وأبكاراً ) سورة التحريم آية ( 4-5 )
فما كان منهن وآيات الله تتلى على مسامعهن إلا أن قلنَ
قال تعالى :( سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير )

السيدة عائشة والإمام علي
لم يكن يوم الجمل لعلي بن أبي طالب ، والسيدة عائشة ، وطلحة والزبير قصد في القتال ، ولكن وقع الإقتتال بغير اختيارهم ، وكان علي - رضي الله عنه - يوقر أم المؤمنين عائشة ويُجلّها فهو يقول :( إنها لزوجة نبينا -صلى الله عليه وسلم- في الدنيا والآخرة ) وكذا السيدة عائشة كانت تُجِلّ علياً و توقره ، فإنها - رضي الله عنها - حين خرجت ، لم تخرج لقتال ، وإنما خرجت بقصد الإصلاح بين المسلمين ، وظنّت أن في خروجها مصلحة للمسلمين ثم تبيـن لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى ، فكانـت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبلّ خمارها
فعندما أقبلت السيدة عائشة وبلغت مياه بني عامر ليلاً ، نبحت الكلاب ، فقالت :( أيُّ ماءٍ هذا ؟ ) قالوا :( ماء الحوْأب ) قالت :( ما أظنني إلا راجعة ) قال بعض من كان معها :( بل تقدمين فيراك المسلمون ، فيُصلحُ الله ذات بينهم ) قالت :( إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ذات يوم :( كيف بإحداكُنّ تنبُحُ عليها كلاب الحَوْأب ) وبعـد أن انتهى القتال وقـف علي - رضي اللـه عنه - على خِباء عائشـة يلومها على مسيرها فقالت :( يا ابن أبي طالب ، ملكْتَ فأسْجِحْ -أي أحسن العفو-) فجهَّزها الى المدينة وأعطاها اثني عشر ألفاً - رضي الله عنهم أجمعين -

معاوية والسيدة عائشة
لمّا قدِم معاوية المدينة يريد الحج دخل على أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - ومولاها ذكوان أبو عامر عندها فقالت له عائشة :( أمِنتَ أن أخبِّىء لك رجلاً يقتلك بقتلك أخي محمداً ؟ ) قال معاوية :( صدقتِ ) فكلّمها معاوية فلمّا قضى كلامه ، تشهدت عائشة ثم ذكرت ما بعث الله به نبيه من الهدى ودين الحق ، والذي سنّ الخلفاء بعده ، وحضّتْ معاوية على اتباع أمرهم ، فقالت في ذلك ، فلم تترِك ، فلمّا قضت مقالتها قال لها معاوية :( أنتِ والله العالمة بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -المناصحة المشفقة ، البليغة الموعظة ، حَضَضْتِ على الخير وأمرت به ، ولم تأمرينا إلا بالذي هو لنا ، وأنتِ أهلٌ أن تطاعي ) فتكلّمت هي ومعاوية كلاماً كثيراً ، فلمّا قدم معاوية اتكأ على ذكوان ، قال :( والله ما سمعت خطيباً ليس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبلغ من عائشة )

وفاتها
توفيت سنة ثمان وخمسين في شهر رمضان لسبع عشرة ليلة خلت منه ، ودُفنت في البقيع

أم المؤمنين
ميمونة بنت الحارث

نسبها
هي ميمونة بنت الحارث بن حَزْنِ بن بُجير بن الهُزم بن روبية بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية ، أخت أم الفضل زوجة العباس ، وخالة عبـد اللـه بن العباس ، وخالة خالـد بن الوليد ، وكان اسمها برّة فسمـاها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ميمونة ، تزوجها الرسول الكريم في ذي القعدة سنة سبع لمّا اعتمر عمرة القضاء

عمرة القضاء
بعد أن عاد المسلمون الى مكة وأدوا العمرة كما تم الإتفاق عليه في صلح الحديبية ، أقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مكة ثلاثة أيام بعد العمرة ، وكان العباس - رضي الله عنه - قد زوّجه ميمونة بمكة وكان لها من العمر ست وعشرون عاماً ، فعقد عليها بمكة بعد تحلله من العمرة ، وبنى بها في سَرِف من عودته الى المدينة

بيت النبوة
وعند وصول ميمونة - رضي الله عنها - الى المدينة ، استقبلتها النسوة بالترحاب والتبريكات ، واسمها ميمونة أصبح من تلك المناسبة الميمونة التي دخل فيها المسلمون مكة معتمرين وبقيت - رضي الله عنها - تلقى كل البركات والخيرات كباقي نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولمّا اشتد المرض برسول الله وهو في بيتها ، استأذنت منها السيدة عائشة لينتقل النبي الى بيتها ليُمرّض حيث أحب بيت عائشة وبعد وفاته -صلى الله عليه وسلم- عاشت ميمونة - رضي الله عنها - في نشر سنته بين الصحابة والتابعين

وفاتها
توفيت - رضي الله عنها - في عام إحدى وخمسين ، ولها ثمانون عاماً ، يقول عطاء :( توفيت ميمونة ( بسَرف ) وهو المكان الذي بنى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فخرج هو وابن عباس إليها ، فدفنوها في موضع قبتها الذي كان فيه عرسها ) رضي الله عنها وأرضاها

مولاة الرسول
مارية القبطيّة

نسبها
هي ماريـة بنت شمعون القبطيـة ، أهداها له المقوقس القبطي صاحب الإسكندرية ومصر ، وذلك سنة سبع من الهجرة ، أسلمت على يدي حاطـب بن أبي بلتعة وهو قادم بها من مصر الى المدينـة ، وكانت - رضي الله عنها - بيضاء جميلة ، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يطؤها بملك اليمين ، وضرب عليها الحجاب ، وفي ذي الحجـة سنة ثمان ولدت له إبراهيم الذي عاش قرابـة السنتيـن ، وكانت أمها روميّة ، ولها أخـت قدمت معها اسمها سيرين ، أهداها النبـي - صلى اللـه عليه وسلم - لشاعره حسّان بن ثابت ، وقد أسلمت أيضاً مع أختها

هدايا المقوقس
بعد أن استتـب الأمن للمسلميـن ، وقوية هيبتهم في النفـوس ، أخذ الرسـول - صلى اللـه عليه وسلم - يوجه الرسل والسفراء لتبليغ رسالة الإسلام ، ومن أولئك ( المقوقس عظيم القبط ) وقد أرسل حاطب بن أبي بلتعة رسولاً إليه وعاد حاطب الى المدينة مُحَمّلاً بالهدايا ، فقد أرسل المقوقس معه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشياء كثيرة : مارية وأختها سيرين ، وغلاماً خصياً اسمه مأبور ، وبغلة شهباء ، وأهدي إليه حماراً أشهب يقال له يعفور ، وفرساً وهو اللزاز ، وأهدى إليه عسلاً من عسل نبها - قرية من قرى مصر -
وقبِل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الهدايا ، واكتقى بمارية ، ووهب أختها الى شاعره حسان بن ثابت وطار النبأ الى بيوتات الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قد اختار مارية المصرية لنفسه ، وكانت شابة حلوة جذابة ، وأنه أنزلها في منزل الحارث بن النعمان قرب المسجد

مارية أم إبراهيم
ولقد سعدت مارية أن تهب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الولد من بعد خديجة التي لم يبقَ من أولادها سوى فاطمة - رضي الله عنها - ، ولكن هذه السعادة لم تُطل سوى أقل من عامين ، حيث قدّر الله تعالى أن لا يكون رسوله - صلى الله عليه وسلم - أباً لأحد ، فتوفى الله تعالى إبراهيم ، وبقيت أمه من بعده ثكلى أبَد الحياة فقد مَرِض إبراهيم وطار فؤاد أمه ، فأرسلت إلى أختها لتقوم معها بتمريضه ، وتمضِ الأيام والطفل لم تظهر عليه بوارق الشفاء ، وأرسلت الى أبيه ، فجاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليرى ولده ، وجاد إبراهيم بأنفاسه بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فَدَمِعَت عيناه وقال :( تَدْمَع العين ويحزن القلب ، ولا نقول إلا ما يُرْضي ربَّنا ، والله يا إبراهيم ، إنا بك لَمَحْزونون )

وصية الرسول
قال الرسـول - صلى اللـه عليه وسلم - :( إنّكم ستفتحون مِصـر ، وهي أرض يُسمّى فيها القيـراط ، فإذا فتحتوها فأحسنوا إلى أهلها ، فإن لهم ذمة ورَحِماً ) وقد حفظ الصحابة ذلك ، فهاهو الحسن بن علي - رضي الله عنهما - يكلّم معاوية بن أبي سفيان لأهل ( حفن ) - بلد مارية - فوضع عنهم خراج الأرض كما أن عبادة بن الصامت عندما أتى مصر فاتحاً ، بحث عن قرية مارية ، وسأل عن موضع بيتها ، فبنى به مسجداً

وفاتها
وبعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقيت مارية على العهد إلى أن توفاها الله في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في شهر محرم سنة ست عشرة رضي الله عنها وأرضاها

أم كلثوم بنت الرسول صلى الله عليه وسلم

نسبها
أم كلثـوم بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أمها السيدة خديجة قيل أنها ولِدَت بعد رقية ، وأسلمت مع أمها وأخواتها ، تزوّجها عتيبة بن أبي لهب قبل البعثة ولم يدخل عليها ، كما تزوّج أخاه عتبة رقيـة بعد البعثة ولم يدخل عليها أيضاً

قدوم المدينة
استقبل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ابنتيه أم كلثوم وفاطمة وزوجه سودة بنت زمعة بكل شوق وحنان ، ويأتي بهنّ إلى داره التي أعدّها لأهله بعد بناء المسجد النبوي الشريف ، ويمضي على أم كلثوم في بيت أبيها عامان حافلان بالأحداث

الزواج
بعد أن توفيت رقيـة بنت رسـول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم - ومضت الأحزان والهموم ، يزوّج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن عفان من أم كلثـوم فيتبدل الحال وتمضي سنة الحياة وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال :( أتاني جبريل فقال :( إن الله يأمرك أن تزوج عثمان أم كلثوم على مثل صداق رقية وعلى مثل صحبتها ) وأصبح عثمان ذا النورين ، وكان هذا الزواج في ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة وعاشت أم كلثوم عند عثمان ولكن لم تلد له

وفاتها
توفيت أم كلثوم - رضي الله عنها - في شهر شعبان سنة تسع من الهجرة وقد جلس الرسول - صلى الله عليه وسلم - على قبرها وعيناه تدمعان حُزناً على ابنته الغالية فرضي الله عنها

رقية بنت الرسول صلى الله عليه وسلم

نسبها
رقيّة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أمها خديجة بنت خويلد ، ولِدَت بعد زينب ، أسلمت مع أمها وأخواتها ، هاجرت الهجرتين إلى الحبشة أولاً ثم إلى المدينة ثانية

زواجها الأول
تزوجها عُتبة بن أبي لهب بعد البعثة فلمّا نزلت الآية الكريمة قال تعالى :( تبتْ يَدا أبي لهبِّ وتبّ ) قال أبوه :( رأسي من رأسك حرام ، إن لم تُطلِّق بنته ) وقد سأله الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يطلقها ، وأيضاً رقية سألته ذلك ، ففعل وفارقها قبل الدخول

زواجها من عثمان
تزوّجها عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وولدت له عبد الله ، وبه كان يُكنّى ، وبلغ ست سنين ثم توفيَ

الهجرتين
عندما أذن الله للمسلمين بالهجرة الى الحبشة ، هاجرت رقية بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وزوجها عثمان بن عفان الى الحبشة ، وبعدها هاجروا الى المدينة مع المسلمين

وفاتها
توفيت - رضي الله عنها - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببدر ، فقد أصابتها الحصبة ، وأذن الرسول الكريم لعثمان بالتخلف عن بدر من أجلها ، ودفنت عند دور زيد ، فبينما هم يدفنونها سمع الناس التكبير ، فقال عثمان :( ما هذا التكبير ؟) فنظروا فإذا زيد بن حارثة على ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجدعاء بشيراً بقتلى بدرٍ والغنيمة[/align:b6eefca7b8]

[align=center]يتبع

الساهر
09-09-2007, 09:10 PM
[align=center:8a043ee935]زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم
نسبها
هي زينـب بن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشيـة تزوّجها ابن خالتها أبو العاص بن ربيع بن عبد العزى بن عبد شمس قبل الإسلام وفي حياة أمها ، وولدت له أمامة التي تزوجها علي بن أبي طالب بعد فاطمة ، كما ولدت له علي بن أبي العاص الذي مات صبياً ، فلما كان الإسلام فُرِّق بين أبي العاص وبين زينب فلمّا أسلم أبو العاص ردّها الرسول -صلى الله عليه وسلم- عليه بالنكاح الأول

هجرتها
خرجت زينب - رضي الله عنها - من مكة مع كنانة ، أو ابن كنانة ، فخرجوا في طلبها ، فأدركها هبّار بن الأسود ، فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها وألقت ما في بطنها ، وهريقت دماً فتخلت ، واشتجر فيها بنو هاشم وبنو أمية فقال بنو أمية :( نحن أحق بها ) وكانت تحت ابن عمهم أبي العاص ، وكانت عند هند بنت عتبة بن ربيعة ، وكانت تقول :( هذا في سبب أبيك ) فقال الرسـول - صلى اللـه عليه وسلم - لزيد بن حارثة :( ألا تنطلق فتجيء بزينب ؟) قال :( بلى يا رسـول اللـه ) قال :( فخذ خاتمي فأعطها إياه ) فانطلق زيد فلم يزل يتلطّف فلقي راعياً فقال :( لمن ترعى ؟) قال :( لأبي العاص ) فقال :( لمن هذه الغنم ؟) قال :( لزينب بنت محمد ) فسار معه شيئاً ثم قال :( هل لك أن أعطيك شيئاً تعطيها إياه ولا تذكر لأحد ؟) قال :( نعم ) فأعطاه الخاتم ، وانطلق الراعي وأدخل غنمه وأعطاها الخاتم فعرفته ، فقالت :( من أعطاك هذا ؟) قال :( رجل ) قالت :( فأين تركته ؟) قال :( بمكان كذا وكذا ) فسكتت ، حتى إذا كان الليل خرجت إليه ، فلما جاءته قال لها :( اركبي بين يديّ ) على بعيره قالت :( لا ، ولكن اركب أنت بين يديّ ) فركب وركبت وراءه حتى أتت ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول :( هي خير بناتي أصيبت فيّ )

إجارة زوجها
خرج أبو العاص الى الشام في عيرٍ لقريش ، فانتُدِبَ لها زيد في سبعين ومئة راكب من الصحابة ، فلَقوا العير في سنة ست فأخذوها وأسروا أناساً منهم أبو العاص ، فأرسل أبو العاص إلى زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن خذي أماناً من أبيك ، فخرجت فأطلعت رأسها من باب حجرتها والنبي - صلى الله عليه وسلم - في الصبح يصلي بالناس ، فقالت :( أيّها الناس ، أنا زينب بنت رسول الله وإني قد أجرت أبا العاص ) فلمّا فرغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة قال :( أيها الناس إنه لا علم لي بهذا حتى سمعتموه ، ألا وإنه يُجير على المسلمين أدناهم ) فلما أجارته سألت أباها أن يرد عليه متاعه ففعل ، وأمرها ألا يقربها ما دام مشركاً ، فرجع الى مكة فأدّى إلى كل ذي حقّ حقّه ، ثم رجع مسلماً مهاجراً في المحرم سنة سبع ، فردّ عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زوجته بذاك النكاح الأول

وفاتها
ولقد بقيت زينـب - رضي اللـه عنها - مريضة من تلك الدفعـة التي دفعها هبّار بن الأسـود حتى ماتت من ذلك الوجع ، وكانوا يرونها شهيدة ، توفيت - رضي الله عنها - في أوّل سنة ثمان للهجرة ، وقالت أم عطية :( لمّا ماتت زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :( اغسِلْنَها وِتراً ، ثلاثاً أو خمساً ، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاُ من الكافور ، فإذا غسلْتُنّها فأعلمنني ) فلما غسلناها أعطانا حقْوَه فقال :( أشْعِرْنَها إيّاها ) وكان هذا منه - صلى الله عليه وسلم - تعبيراً عن كبير محبته لها وشديد حزنه عليها

فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم
نسبها
فاطمة الزهراء أم الحسنين ، هي فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أمها السيدة خديجة ، وهي أصغر بنات النبي الكريم ، ولِدَت قبل البعثة بقليل ، تزوّجها الإمام علي بن أبي طالب بعد غزوة بدر ، لهما من الأولاد الحسن والحسين والمحسن وأم كلثوم وزينب ، كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يُحبّها ويكرمها ويُسرّ لها ، ومناقبها كثيرة

غضب النبي لفاطمة
لقد غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة لمّا بلغه أن أبا الحسن همَّ بما رآه سائغاً من خِطبة بنت أبي جهل ، فقال :( والله لا تجتمع بنت نبيّ الله وبنت عدو الله ، وإنما فاطمة بضعة مني ، يريبُني ما رَابَها ، ويؤذيني ما آذاها ) فترك علي الخطبة رعاية لها

فضلها
لقد جلّل النبي - صلى الله عليه وسلم - فاطمة وزوجها وابنيْها الحسن والحسين بكساءٍ وقال :( اللهم هؤلاء أهل بيتي ، اللهم فأذْهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً ) كما قال لها :( يا فاطمة : ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين ) كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( سيدات نساء أهل الجنة بعد مريم بنت عمران فاطمة وخديجة وآسيا بنت مزاحم امرأة فرعون )


أسماء بنت أبي بكر الصديق
نسبها
أسماء بنت أبي بكر الصديـق ، وأمها قتلة أو قتيلة بنت عبد العزى قرشية من بني عامر بن لؤي ، وأسماء هي والدة عبد الله بن الزبير وزوجة الزبير بن العوام رضي الله عنهم أجمعين

ذات النطاقين
لمّا أراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر الصديق الهجرة الى المدينة جهزت أسماء لهما سفرة ، فاحتاجت إلى ما تشدها به ، فشقت خمارها نصفين ، فشدّت بنصفه السفرة ، واتخذت النصف الآخر منطقاً ، فقال لها الرسـول - صلى اللـه عليه وسلم - :( أبدلك اللـه بنطاقك هذا نطاقين في الجنة ) فقيل لها ذات النطاقين

الزوجة
تزوجت أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - من الزبير بن العوام ، وما له في الأرض من مال ولا مملوك غير فرسه ، فكانت تعلف الفرس وتكفيه مؤونته ، وتدق النوى لنَاضِحِه ، وتنقل النوى من أرض الزبير ، حتى أرسل إليها أبو بكر خادماً فكفتها سياسة الفرس

الأم
كانت الأم أسماء بنت أبي بكر حاملاً بعبـد الله بن الزبيـر، وهي تقطع الصحراء اللاهبة مغادرة مكة الى المدينة على طريق الهجرة العظيم ، وما كادت تبلغ ( قباء ) عند مشارف المدينة حتى جاءها المخاض ونزل المهاجر الجنين أرض المدينة في نفس الوقت الذي كان ينزلها المهاجرون من الصحابة ، وحُمِل المولود الأول الى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقبّله وحنّكه ، فكان أول ما دخل جوف عبـد اللـه ريق الرسول الكريم ، وحمله المسلمون في المدينة وطافوا به المدينة مهلليـن مكبرين

الأم المربّية
في الساعات الأخيرة من حياة عبد الله بن الزبير ذهب إلى أمه أسماء ، ووضع أمامها الصورة الدقيقة لموقفه ومصيره الذي ينتظره ، فقالت له أمه :( يا بني أنت أعلم بنفسك ، إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى حق ، فاصبر عليه حتى تموت في سبيله ، ولا تمكّن من رقبتك غِلمَان بني أمية ، وإن كنت تعلم أنك أردت الدنيا فلبِئس العبد أنت ، أهلكت نفسك وأهلكت من قُتِلَ معك ) قال عبد الله :( والله يا أماه ما أردت الدنيا ولا رَكنْتُ إليها ، وما جُرْتُ في حكم الله أبداً ولا ظلمت ولا غَدَرْت ) قالت أمه أسماء :( إني لأرجو الله أن يكون عزائي فيك حسنا إن سبَقْتَني الى الله أو سَبقْتُك ، اللهم ارحم طول قيامه في الليل ، وظمأه في الهواجر ، وبِرّه بأبيه وبي ، اللهم إني أسلمته لأمرك فيه ، ورضيت بما قضيت ، فأثِبْني في عبد الله بن الزبير ثواب الصابرين الشاكرين ) وتبادلا معا عناق الوداع وتحيته

الأم الصابرة
وبعد ساعة من الزمان تلقّى الشهيد ضربة الموت ، وأبى الحجّاج إلا أن يصلب الجثمان الهامد تشفياً وخِسة وقامت أم البطل وعمرها سبع وتسعون سنة لترى ولدها المصلوب ، وبكل قوة وقفت تجاهه لا تريم ، واقترب الحجّاج منها قائلا :( يا أماه إن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان قد أوصاني بك خيرا ، فهل لك من حاجة ؟) فصاحت به قائلة :( لست لك بأم ، إنما أنا أمُّ هذا المصلوب على الثّنِيّة ، وما بي إليكم حاجة ، ولكني أحدّثك حديثا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال :( يخرج من ثقيف كذّاب ومُبير ) فأما الكذّاب فقد رأيناه ، وأما المُبير فلا أراه إلا أنت )
وتقدم عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - من أسماء مُعزِّيا وداعيا إياها الى الصبر، فأجابته قائلة :( وماذا يمنعني من الصبر ، وقد أُهْدِيَ رأس يحيى بن زكريا إلى بَغيٍّ من بغايا بني إسرائيل ) يا لعظمتك يا ابنة الصدّيق ، أهناك كلمات أروع من هذه تقال للذين فصلوا رأس عبد الله بن الزبير عن جسده قبل أن يصلبوه ؟؟ أجل إن يكن رأس ابن الزبير قد قُدم هدية للحجاج ولعبد الملك ، فإن رأس نبي كريم هو يحيى عليه السلام قد قدم من قبل هدية ( لسالومي ) بَغيّ حقيرة من بني إسرائيل ، ما أروع التشبيه وما أصدق الكلمات


أروى بنت عبد المطلب
نسبها
هي أروى بنت عبد المطلب بن هاشم القرشية الهاشمية ، عمّة رسول الله وهي شقيقة أبيه عبد الله ، أسلمت هي وأختها صفية جميعاً ، وهاجرت الى المدينة ، أسلم ولدها طُليب قبلها في دار الأرقم ، وكانت ممن بايع الرسول
كما كانت تعضّدُ النبي -صلى الله عليه وسلم- بلسانها ، وتحُضّ ابنها على نُصرته والقيام بأمره

إسلامها
لمّا أسلم ابنها طُليب بن عمير بن وهب في دار الأرقم ، توجّه إليها ليدعوها الى الإسلام ، ويبشرّها بما منّ الله تعالى عليه من التوفيق الى الهداية الى دينه الحق ، فقال لها :( تبعْتُ محمداً -صلى الله عليه وسلم- وأسلمت لله ) فقالت له :( إنَّ أحق مَنْ وَزَرْتَ وعضدت ابن خالك ! والله لو كنا نقدر على ما يقدر عليه الرجـال لتبعناه وذبَبْنـا عنه ) فقال طُليـب :( فما يمنعك يا أمـي من أن تسلمـي و تتبعينـه ؟ فقد أسلم أخوك حمـزة ) فقالت أروى :( أنظر ما يصنع أخواتي ثم أكون إحداهنّ ) فقال لها :( فإني أسألك بالله تعالى إلا أتيته فسلمت عليه وصدْقتِهِ وشهدت أن لا إله إلا الله ، وأن محمـداً رسول اللـه ) ثم كانت بعد ذلك تعضّدُ النبـي - صلى اللـه عليه وسلم - بلسانها ، وتحُضّ ابنها علـى نُصرته والقيام بأمره - صلى اللـه عليه وسلم -

نُصرة الدين
عرض أبو جهل وعِدّة من كفار قريش للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، فآذوه فعمد طُليب بن عُمير إلى أبي جهل فضربه شجّه ، فأخذوه وأوثقوه ، فقام دونه أبو لهب - أخو أروى - حتى خلاّه ، فقيل لأروى :( ألا ترين ابنك طُليباً وقد صيّر نفسه غرضاً دون محمد ؟) فقالت :( خير أيامه يوم يَذُبُّ عن ابن خاله ، وقد جاء بالحق من عند الله ) فقالوا :( ولقد تبعْتِ محمداً ؟) قالت :( نعم ) فخرج بعضهم الى أبي لهب وأخبره ، فأقبل حتى دخل عليها فقال :( عجباً لك ولاتباعك محمداً ، وتركك دين عبد المطلب ؟!) فقالت :( قد كان ذلك ، فقـم دون ابن أخيك واعضـده وامنَعْهُ ، فإن يظهر أمـره فأنت بالخيار أن تدخل معه أو تكون على دينـك ؟ وإن يُصَبْ كنت قد أعذرتَ في ابن أخيك ) فقال أبو لهب :( ولنا طاقة بالعرب قاطبة ؟ جاء بدين مُحْدَث ) فأبى أن يُسلم فكانت أروى - رضي الله عنها - أعقل من أخيها أبي لهب ، فقد شهدت شهادة الحق ، وقامت تدافع عنه ، وتذُبّ عنه بلسانها ، وتشيع بين نساء قريش صدْقه وأمانته ، وأنه نبي الله ، وتدعوهنّ للإسلام رضي الله عنها وأرضاها

صفية بنت عبد المطلب

نسبها
صفيّـة بنت عبـد المطلـب بن هاشم بن عبـد مناف القرشيـة الهاشمية شقيقة حمزة بن عبد المطلب ، أمهما هالة بنت وهيب بن مناف بن زهرة كانت في الجاهلية زوجـة الحارث بن حـرب بن أمية ، أخي أبي سفيان فمـات عنها ، فتزوّجها العوّام بن خويـلد فولدت له الزبيـر والسائب وعبـد الكعبة ، أسلمت صفيـة قديماً وهاجـرت الى المدينـة ، وكانت أول مسلمة قتلت يهودياً ، وكانت قد قاتلت يوم أحد

بيعة النساء
لقد بايع الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصحابيات على الإسلام وما مسّت يدُهُ يد امرأة منهنّ ، وكانت عمّته صفية - رضي الله عنها - معهن ، فكان لبيعتها أثرٌ واضح في حياتها ، بإيمانها بالله ورسوله ، ومعروفها لزوجها ، وحفاظها على نفسها ، والأمانة والإخلاص في القول والعمل
قال تعالى :( يا أيُّها النّبي إذا جاءَك المؤمناتُ يبايِعْنَكَ على أن لا يُشْركْنَ بالله شيئاً ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنينَ ولايَقْتُلن أولادهُنَّ ولا يأتيَن ببُهْتانٍ يفترينه بين أيْديهنَّ وأرجُلهنَّ ولا يَعْصينك في معروفٍ فبايعْهُنّ واستغفرْ لهُنَّ الله إنّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ )

فضلها
لم تكن صفية - رضي الله عنها - لتنسى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أول أيام إسلامها ، لمّا نزل قوله تعالى
قال تعالى :( وأنذر عشيرتك الأقْربين )
قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال :( يا فاطمة بنت محمد ، يا صفية بنت عبد المطلب ، يا بني عبد المطلب ، لا أملك لكم من الله شيئاً ، سلوني من مالي ما شئْتُمُ ) فخصّها بالذكر كما خصّ ابنته فاطمة أحب الناس إليه

جهادها
لم يفرض الإسلام على المرأة الجهاد كما فرضه على الرجل ، ولكنه لم يمنعها من التطوع له إن كانت قد رأت في ذلك ضرورة ، ولقد كانت صفيّة - رضي الله عنها - من اللواتي قد شاركن المجاهدين يوم أحُد ، فقد جاءت وقد انهزم الناس ، وبيدها رمح تضرِبُ في وجوه الناس وتقول :( انهزمتم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) تنكر عليهم ذلك ، وتحُثَّهم على الثبات وعند مصرع أخيها حمزة - رضي الله عنه - كانت رابطة الجأش قوية صابرة ، لم تخُرْ عزيمتها وقالت :( ذلك في الله ! فما أرضانا بما كان من ذلك ، لأحتَسبنَّ ولأصبرنَّ إن شاء الله )
وفي غزوة الخندق كان لها موقف لا مثيل له في تاريخ نساء البشر ، وتقول صفية عن نفسها في ذلك :( أنا أول إمـرأةٍ قتلـتْ رجـلاً ) وذلك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمّا خرج الى الخندق ، جعل نساءَه في أطُمٍ -مكان مرتفع- يقال له فارع ، وجعل معهن حسان بن ثابت وهو يناهز الستين من العمر ، فجاء انسان من اليهود ، فرقي في الحصْن حتى أطلّ عليهم ، قالت صفية لحسان :( قُم فاقتله ) فقال :( لو كان ذلك فيّ كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) قالت صفية :( فقمت إليه فضربته حتى قطعتُ رأسه ، وقلت لحسان :( قم فاطرحْ رأسه على اليهود ، وهم في أسفل الحصن ) فقال :( والله ما ذلك إليّ ) قالت :( فأخذتُ رأسه فرميت به عليهم ) فقالوا :( قد علمنا أن هذا لم يكن ليترك أهله خُلواً ليس معهم أحد ) فتفرّقوا

وفاتها
توفيت - رضي الله عنها - في خلافة عمر سنة عشرين ، ولها من العمر ثلاث وسبعون سنة ، ودفنت في البقيع


عاتكة بنت عبد المطلب
نسبها
هي عاتكة بنت عبد المطلب بن هاشم القرشية الهاشمية ، عمّة الرسـول الكريم كانت زوجة أبي أمية بن المغيرة ، والد أم سلمة زوج النبـي - صلى الله عليه وسلم - ، رُزِقت منه عبد الله و زهير وقُرَيْبَة وغيرهما ، أسلمت بمكة وهاجرت الى المدينة ، عبد الله لم يُسلم ، ولكن الزهير كان ممن سعى في نقض الصحيفة التي تعاهدت فيها قريش على مقاطعة النبـي - صلى الله عليه وسلم - والذين اتبعوه ، ثم أسلم - رضي الله عنه -

الرؤيا

كانت عاتكة بنت عبد المطلب قد رأت رؤيا أفزعتها ، وعظمت في صدرها ، فأخبرت بها أخاها العباس بن عبد المطلب ، وقالت :( اكتم عليّ مما أحدثك ) فقال لها :( وما رأيت ؟) قالت :( رأيت راكباً أقبل على بعير له ، حتى وقف بالأبطح ، ثم صرخ بأعلى صوته ، يا آل غُدْرٍ انفروا إلى مصارعكم ، في ثلاث ، صرخ بها ثلاث مرّات ، فأرى الناس اجتمعوا إليه فدخلوا المسجد ، والناس يتبعونه ، فبينما هم حوله مَثَل بِهِ بعيره على ظهر الكعبة ، ثم صرخ بمثلها ثلاثاً : ألا تنفروا يا آل غُدْرٍ إلى مصارعكم ، في ثلاث ، ثم مثل به بعيره على رأي -جبل- أبي قُبَيْس ، فصرخ بمثلها ثلاثاً ، ثم أخذ صخرة من أبي قُبَيْس فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل انفضت -تفتت- فما بقي بيتٌ من بيوت مكة ولا دار من دور مكة إلا دخلته منها فلذةٌ ، ولم يدخل داراً ولا بيتاً من بيوت بني هاشم ولا بني زهرة من تلك الصخرة شيئاً )
فقال أخوها العباس :( والله إن هذه لرؤيا ، وأنت فاكتميها ولا تذكريها لأحد )

قريش والرؤيا
ثم خرج العباس مغتماً فلقيَ الوليد بن عتبة بن ربيعة ، وكان صديقاً له فذكرها له واستكتمه إياها ، فذكرها الوليد لأبيه عتبة ، ففشا الحديث بمكة حول الرؤيا حتى تحدّثت به قريش في أنديتها ، قال العباس : فغدوت لأطوف بالبيت ، وأبو جهل في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة ، فلما رآني أبو جهل قال :( يا أبا الفضلِ إذا فرغت من طوافك فاقبل علينا ) فلمّا فرغت أقبلت حتى جلست معهم ، فقال لي أبو جهل :( يا بني عبد المطلب ، متى حدثت فيكم هذه النبيّة ؟) قلتُ :( وما ذاك ؟) قال :( تلك الرؤيا التي رأت عاتكة ؟) فقلت :( وما رأت ؟)
قال :( يا بني عبد المطلب ، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ؟ قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال : انفروا في ثلاث ، فسنتربّص بكم هذه الثلاث ، فإن يـكُ حقاً ما تقول فسيكـون ، وإن تمضِ الثلاث ولم يكن من ذلك شيء ، نكتب عليكم كتاباً أنّكم أكـذب أهل بيت في العرب ) قال العباس :( فوالله ما كان مني إليه كبير إلا أني جحدت ذلك ، وأنكرت أن تكون قد رأت شيئاً ، ثم تفرّقنا )

نساء عبد المطلب
يقول العباس :( فلمّا أمسيت لم تبقَ امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني ، فقالت :( أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ، ثم لم يكن عندك غيرٌ لشيء مما سمعت ؟) قلت :( قد والله فعلت ، ما كان مني إليه من كبير ، وأيم الله لأتعرَّضنَّ له ، فإن عاد لأكفينكُنّه )

تحقيق الرؤيا
قال العباس :( فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة ، وأنا حديد مُغضَبٌ أرى أني قد فاتني منه أمرٌ أحب أن أدركه منه ، فدخلت المسجد فرأيته فوالله إني لأمشي نحْوه أتعرّضه ، ليعود لبعض ما قال فأقع به ، وكان رجلا خفيفا حديد الوجه ، حديد اللسان ، حديد النظر ، فما أن رآني إذ خرج يشتدّ نحو الباب فقلت في نفسي :( ما له لعنه ؟ أكلُّ هذا فَرَقٌ مني -أي خوف مني- ، وإذا هو قد سمِعَ ما لم أسمع ، سمع صوت ضَمْضَم بن عمرو الغفاريّ ، وهو يصرخ ببطن الوادي ، واقفاً على بعيره قد جَدَعَ بعيره وحوّل رحله ، وشقّ قميصه وهو يقول :( يا معشر قريش ، اللطيمة اللطيمة !! أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه ، لا أرى أن تُدركوها ، الغَوْثَ الغَوْثَ ) قال العباس :( فشغلني عنه وشغله عني ما قد جاء من الأمر ) وبذلك تحقق رؤيا عاتكة - رضي الله عنها - ، ويُساق أشراف قريش الى مصارعهم في بدر ، وعلى رأسهم أبو جهل الذي قتله الله تعالى على يدِ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شرّ قتلة ، فكانت هذه الرؤيا في نفس عاتكة تزيدها يقيناً وتصديقاً برسول الله تعالى ، وأنه ناصره ومؤيد دينه ، وخاذل عدوه

نسيبة بنت كعب

نسبها
نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مازن بن النجار الأنصارية وكنيتهـا أمُّ عمارة ، كانت هـي وأختها في بيعـة العقبة الثانية وبايعتا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وقد حضر معها زوجها زيد بن عاصم وابنها حبيب

غزوة أحد
خرجت نسيبة يوم أحد ومعها سقاء وفيه ماء ، فانتهت الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في أصحابه ، والدولة والربح للمسلمين ، فلمّا انهزم المسلمون انحازت الى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فكانت تباشر القتال وتذود عنهم بالسيف ، وترمي عن القوس حتى جُرِحَت على عاتقها جُرحاً أجوفاً له غَوْر ، أصابها به ابن قُميئة وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( لمقامُ نسيبة بنت كعب اليومَ خيرٌ من مقام فلانٍ وفلان ) وكان يراها تقاتل أشدَّ القتال ، وإنها لحاجزة ثوبها على وسطها حتى جُرِحَت ، وقد قالت للرسول -صلى الله عليه وسلم- :( ادْعُ الله أن نرافقك بالجنة ؟!) فقال :( اللهمَّ اجعلهم رفقائي في الجنة ) فقالت :( ما أبالي ما أصابني من الدنيا )0
وقد جُرِحَ يوم أحد ابنها عبد الله في عَضُده اليسرى ، ضربه رجل ورحل عنه ، وجعل الدم لا يرقأ ، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( اعْصِبْ جُرْحَك ) فأقبلت أمه نسيبة ومعها عصائب قد أعدّتها للجراح ، فربطت جُرْحَه ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - واقف ينظر إليه ، ثم قالت :( انهضْ بنيّ فضارِب القومَ ) فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول :( ومَنْ يُطيقُ ما تُطيقينَ يا أمَّ عمارة ؟!) وأقبلَ الرجلُ الذي ضرب ابنها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( هذا ضارب ابنك ) فاعترضته وضربت ساقه فبرَكَ ، فابتسم الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى رأت نواجذه وقال :( اسْتَقَدْتِ يا أمَّ عمارة ) وعندما أتوا على نفسه قال النبي -صلى الله عليه وسلم- :( الحمدُ لله الذي ظفّركِ وأقرّ عينك من عدوّك ، وأراك ثأرَكِ بعينِك )
ولمّا انكشف الناس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقيت السيدة نسيبة وزوجها وابناها بين يديه يذُبّوا عنه ، والناس يمرون به منهزمين ، ورآها الرسـول الكريـم ولا ترسَ معها فرأى رجـلاً مُوليّاً معه ترس ، فقال له :( ألقِ تُرْسَـكَ إلى مَنْ يُقاتِل ) فألقى تُرْسَـه ، فأخذته نسيبة وتروي ذلك قائلة :( فجعلت أتترَس به عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإنّما فعلَ بنا الأفاعيلَ أصحابُ الخيل ، لو كانوا رجّالةً مثلنا أصبناهم إنْ شاء الله ، فيُقبل رجلٌ على فرسٍ فضربني ، وتترّسْتُ له فلم يصنع سيفه شيئاً ، وولّى ، وأضرب عُرْقوب فرسِهِ ، فوقع على ظهره ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يصيح :( يا ابن أم عمارة أمَّكَ أمَّكَ !) فعاونني عليه حتى أزْوَرْتُهُ شَعُوب )
ثم نادى منادي الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى حمراء الأسد لملاحقة قريش ، فشدّت عليها ثيابها ، فما استطاعت من نزف الدم ، ولمّا رجع رسول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم - أرسل إليها عبد اللـه بن كعب المازنيّ يسأل عنها ، فرجع إليه يخبره بسلامتها ، فسُرَّ الرسـول - صلى اللـه عليه وسلم - بذلك

مقتل حبيب
رأى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يبعث لمسيلمة الكذاب رسالة ينهاه فيها عن حماقاته ، وحمل حبيب بن زيد الرسالة ، وفض مسيلمة كتاب رسول الله له فازداد ضلالا وغرورا ، فجمع مسيلمة قومه ، وجيء بمبعوث رسول الله وأثار التعذيب واضحة عليه ، فقال مسيلمة لحبيب :( أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ ) وقال حبيب :( نعم ، أشهد أن محمدا رسول الله ) وكست صفرة الخزي وجه مسيلمة ، وعاد يسأل :( وتشهد أني رسول الله ؟) وأجاب حبيب في سخرية :( اني لا أسمع شيئا ) وتلقى الكذاب لطمة قوية أمام من جمعهم ، ونادى جلاده الذي أقبل ينخس جسد حبيب بسن السيف ثم راح يقطع جسده قطعة قطعة ، وبضعة بضعة وعضوا عضوا والبطل العظيم لا يزيد على همهمة يردد بها نشيد اسلامه :( لا اله الا الله ، محمد رسول الله )

معركة اليمامة والثأر
أقسمت أم البطل نسيبة بنت كعب على الأخذ بالثأر لابنها حبيب من مسيلمة الكذاب فشهدت اليمامة مع ابنها عبدالله تحت إمرة خالد بن الوليد وقُتِلَ مسيلمة وقُطِعَت يدها في الحرب ، وجُرِحَت اثني عشر جُرْحاً وقد كان أبو بكر الصديق الخليفة آنذاك يأتيها يسأل عنها رضي الله عنها وأرضاها

أُثَيْلة بنت راشد الهُذَليّة
نسبها
رويَ أنّ حَمَل بن مالك بن النابغة الهذلي ، مرَّ بأُثَيْلةَ بنت راشد وقد رفعت برقعَها عن وجهها ، وهي تهش على غنمها ، فلمّا أبصرها ونظر إلى جمالها أناخَ راحلته ثم عقَلَها ، ثم أتاها ، فذهب يُريدها عن نفسها فقالت :( مهلاً يا حَمَل فإنك في موضع وأنا في موضع ، واخطبني إلى أبي ، فإنّه لا يردّك ) فأتى عليها ، فحملتْهُ فجلدَتْ به الأرض وجلست على صدره ، وأخذت عليه عهداً وميثاقاً أن لا يعود ، فقامت عنه
فلم تدعه نفسَه فوثبَ عليها ، ففعلت به مثل ذلك ثلاث مرات ، وأخذت في الثالثة فِهْراً - حجراً - فشدختْ به رأسه ، ثم ساقت غنمها ، فمرّ به ركبٌ من قومه فقالوا :( يا حَمَل مَنْ فعلَ بكَ هذا ؟) قال :( راحلتي عثرت بي ) قالوا :( هذه راحلتك معقولة ، وهذا فهرٌ إلى جانبك قد شُدِختَ به ؟ ) قال :( هو ما أقول لكم ، فاحملوني )0

موت حمل
فحملوه إلى منزله ، فحضره الموت فقالوا :( يا حَمَل ! من نأخذ بك ؟ ) قال :( الناس من دمي أبرياء ، غير أثيلة ) فلما مات جاءت هذيل الى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت :( إن دم حَمَل بن مالك عند راشد ) فأرسل إليه النبي - صلى الله عليه وسلم- فأتاه فقال :( يا راشد إن هذيلاً تزعم أن دمَ حَمَل عندك ) وكان راشد في الشرك يسمى ظالماً ، فسمّاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - راشداً فقال :( يا رسول الله ما قتلت ) قالوا :( أثيلـة ) قال :( فأما أثيلـة فلا علم لي بها ) فجاء إلى أثيلـة فقال :( إن هذيلاً تزعم أن دمَ حَمَل عنـدك ) قالت :( وهل تقتل المرأة الرجلَ ؟ ) ولكن رسـول اللـه - صلى اللـه عليه وسلم - لا يُكْذَبُ ، فجاءتْ فأخبرت النبـي - صلى اللـه عليه وسلم - فقال :( بارَكَ الله فيك ) وأهدر دَمَهُ

خنساء بنت عمرو


نسبها

خنساء بنت عمرو بن الشريد بن رباح بن ثعلبة بن عصية بن سليم السلميـة الشاعرة المشهورة واسمها تماضر ، قدمت مع قومها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأسلمـت ، وكان الرسول الكريم يستنشدها ويعجبه شعرها ويقول :( هيه يا خنساء )

الشعر

أجمع أهل العلم بالشعر أنه لم تكن امرأة قبل الخنساء ولا بعدها أشهر منها ، فقد كانت الخنساء تقول في أول أمرها البيتين أو الثلاثة حتى قتل أخوها شقيقها معاوية بن عمرو ، وقتل أخيها لأبيها صخر ، وكان صخر أحبهما إليها لأنه كان حليماً جواداً محبوباً في العشيرة ، فقد غزا بني أسد فطعنه أبو ثور الأسدي طعنة مرض منها حولاً ثم مات ، فلما قتل أخواها أكثرت من الشعر ، فمن قولها في صخر
أعينـيّ جُودَا ولا تَجمــدا00000ألا تبكيان لصخـــرَ الندَى
ألا تبكيان الجريّ الجميل00000ألا تبكيان الفتَـى السيدَا
طويل النجاد عظيمُ الرماد00000وســــادَ عشيرتَـه أمـردَا

النصيحة للأبناء

حضرت الخنساء حرب القادسية و معها بنوها أربعة رجال ، فوعظتهم وحرّضتهم على القتال وعدم الفرار ، ومما قالت :( إنكم أسلمتم طائعين ، وهاجرتم مختارين ، وإنكم لابن أب واحد وأم واحدة ما حبتُ أباكم ، ولا فضحتُ أخوالكم ، ولا هجّنتُ حَسَبَكم ، ولا غيرتُ نسبكم ، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين ، واعلموا أن أنّ الدار الباقية خيرٌ من الدار الفانية
يقول الله عّز وجلَّ :( يا أيّها الذين آمنوا اصْبِروا وصابِروا ورابطوا واتقوا اللهَ لعلّكم تُفْلحون )
فإذا أصبحتم غداً ، إن شاء الله سالمين ، فاغدوا إلى قتال عدوّكم مستبصرين ، وبالله على أعدائه مستنصرين ، وإذا رأيتم الحربَ قد شمّرَتْ عن ساقها ، واضطرمت لظىً على سياقها ، وحللت ناراً على أرواقها ، فتيمَّمُوا وَطيسها ، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها ، تظفروا الغُنم والكرامة في دار الخُلْد والمُقامة )

استشهاد الأبناء

فلما أصبح الأبناء باشروا القتال واحداً بعد واحد حتى قتلوا ، وكل منهم أنشد قبل أن يستشهد

فقد قال الأول
يا إخوتي إن العجوز النّاصحة
قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة
بمقالـة ذات بيـان واضحـة
وإنّما تَلْقَـونَ عندَ الصّابِحة
من آل ساسان كلاباً نابحة

وأنشد الثاني
إن العجـوز ذات حزم وجَلَـد
قد أمرتْنَا بالسّـدَادِ والرَّشَـد
نصيحـةً منها وَبرّاً بالولـد
فباكِرُوا الحَرْبَ حماةًفي العدد

وأنشد الثالث
واللهِ لا نعصي العجوزَ حَرْفَا
نُصْحاً وبِرّاً صَادِقاً ولطفا
فبادِرُوا الحربَ الضَّروسَ زَحْفاً
حتّى تَلَقَّوْا آل كسْرَى لَفّا

وأنشد الرابع
لسـتُ لخنساءَ ولا للأخرم
ولا لعمروٍ ذي السِّعاءِ الأقدم
أنْ لم أرِد في الجيش خنس الأعجمي
ماضٍ على الهولِ خِضَمّ حَضْرِمي

فبلغ الخنساء ما أنشد أبناؤها ( وهو أكثر مما سبق ) فقالت :( الحمد لله الذي شرّفني بقتْلِهم وأرجو من رَبّي أن يجمعني بهم في مُسْتَقرَّ رحمتِهِ )


حليمة السعدية


نسبها
حليمة السعدية بنت أبي ذؤيب وهو عبد الله بن الحارث بن شجنة بن رزام بن ناضـرة بن سعد بن بكر بن هوازن ، وهي أم الرسـول - صلى اللـه عليه وسلم - من الرضاعـة

اليتيم
خرجت حليمة مع زوجها وابنها الصغير ( عبد الله بن الحارث بن عبد العزى ) ترضعه في نسوة من بني سعد ، تلتمس الرضعاء وذلك في سنة شهباء على حمارة ومعهم ناقة لا حليب فيها ، و كانوا يرجون الفرج ، فقدموا مكة ، فعُرِضَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - على جميع النسوة فأبينه لأنه يتيم ووجدت كل واحدة منهن رضيعاً رجعت به إلا حليمة السعدية فقالت :( والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعاً ، والله لأذهبنّ إلى ذلك اليتيم فلآخذنه ) فقال لها زوجها :( لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة )

النسمة المباركة
فذهبت حليمة السعدية وأخذت النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنها لم تجد غيره ، ورجعت الى رحلها ، فلما وضعته في حجرها أقبل عليه ثدياها بما شاء من لبن ، فشرب حتى روي ، وشرب معه أخوه حتى روي ثم ناما ، وقام زوجها الى الناقة فإذا أنها لحافل ، فحلبها وشربا حتى شبعا وناما ، لمّا أصبحا قال لها زوجها :( تعلمي والله يا حليمة ، لقد أخذت نسمة مباركة ) فقالت :( والله إني لأرجو ذلك )
وكانت غنمها تروح عليها حين قدموا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - معهم شباعاً لُبّناً ، فيحلبوا ويشربوا ، وما يحلب انسان قطرة لبن ، ولا يجدها في ضرع ، حتى كان القوم يقولون لرعيانهم :( ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب ) فتروح أغنامهم جياعاً ما تبض بقطرة لبن ، وتروح أغنام حليمة شباعاً لُبّناً

الفصال
وبعد انتهاء السنتين وفصلة حليمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كان غلاماً جَفْراً ، فعادوا به إلى أمه وهم حريصين أشدّ الحرص على مُكثه فيهم ، فكلموا أمه وقالت حليمة :( لو تركت بُنيّ عندي حتى يغلظ ، فإني أخشى عليه وبأ مكة ) ولم يزالوا بها حتى ردته معهم

شق الصدر
وبعد عودتهم به بأشهر كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أخيه خلف بيوتهم ، إذ أتى أخوه يشتد فقال لحليمة وزوجها :( ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض ، فأضجعـاه فشقا بطنـه ، فهما يسوطانـه ) فخرجا نحوه ، فوجدوه قائماً منتقعا وجهه ، فالتزماه وقالا له :( مالك يا بني ؟) قال :( جاءني رجلان عليهما ثياب بيض ، فأضجعاني وشقا بطني فالتمسا فيه شيئاً لا أدري ما هو )
ورجعوا إلى خبائهم فقال الأب :( يا حليمة ، لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب ، فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به ) وبالفعل قدموا على أمه آمنة بنت وهـب فعجِبَت من قدومهم لما عرفت من حرصهم على إبقائه معهم ، وألحـت عليهم حتى عرفت السبـب فقالت لحليمة :( أفتخوفت عليه الشيطان ؟) قالت :( نعم ) قالت آمنة :( كلا ، واللـه ما للشيطان عليه من سبـيل ، وإن لبُنَـيَّ لشأنـاً ، أفلا أخبرك خبـره ؟) قالت حليمة :( بلى ) قالت :( رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصرى من أرض الشام ، ثم حملت به فوالله ما رأيت من حَمْل قط كان أخف علي ولا أيسر منه ، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه الى السماء ، دعيه عنك وانطلقي راشدة )

البدوية
كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالجعرانة يقسم لحماً ، فأقبلت امرأة بدوية ، فلمّا دَنَتْ من النبي - صلى الله عليه وسلم - بسطَ لها رداءه فجلست عليه فقيل :( من هذه ؟!) فقالوا :( هذه أمُّهُ التي أرضعتْهُ )


هند بنت عتبة


نسبها
هند بنت عتبة بن ربيعة (سيد قومه) والدتها: صفية بنت امية (شاعرة)

زواجها
تزوجت في البداية من رجل يدعى الفاكه بن المغيرة و لما ظلمها،طلبت منه ان يطلقها فطلقها، و تقدم لها ابو سفيان فتزوجته ، و ولد لها معاوية الذي قالت عنه (( ثكلته أمه إن لم يسد العرب قاطبة))

حياتها
أمضت هند بن عتبة معظم حياتها كافرة، تتآمر على قتل النبي صلى الله عليه و سلم، فهي التي قامت بتحريض وحشي على قتل حمزة بن عبد المطلب (عم النبي صلى الله عليه وسلم) و لاكت كبده بأسنانها.

اسلامها
اسلمت في العام الثامن من الهجرة، حينما دخل النبي صلى الله عليه و سلم مكة، و في اليوم الثاني استيقظت هند لتطلب من زوجها ابي سفيان ان يأخذها الى النبي صلى الله عليه و سلم لتعلن اسلامها، ففوجئ بتغير موقفها و قال لها (قد رأيتك تكرهين هذا الحديث بالأمس) فأجابته (إني و الله لم أر أن الله قد عبد حق عبادته في هذا المسجد الا هذه الليلة).. الا ان ابا سفيان خجل ان يذهب معها الى النبي صلى الله عليه و سلم بعد ما فعلته، فذهبت مع عثمان بن عفان.

وفاتها
توفيت في السنة 14 للهجرة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه


أسماء بنت يزيد بن السكن


نسبها
اسماء بنت يزيد بن السكن بن رافع الانصاري الذي استشهد يوم أحد ، وفي تلك المعركة أثخنت الجراح زياد بن السكن عم أسماء ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم أدنوه مني فوسده قدمه فمات شهيداً وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما استشهد في المعركة ذاتها أخوها عامر بن يزيد بن السكن الذي جعل جسده ترسا يدافع به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنال الشهادة في سبيل الله ، أما أم أسماء فهي أم سعد بنت خزيم بن مسعود بن قلع بن حريش بن عبد الاشهل ، وتكنى أسماء بأم عامر الاشهلية. وأم سلمة0

لقبها
اشتهرت أسماء بالفصاحة والبيان والبلاغة وسميت ب (خطيبة النساء )، ورسول النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث روى مسلم بن عبيد أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه الكرام رضي الله عنهم جميعا، فقالت : بأبي وأمي يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، وإني رسول من ورائي من جماعة نساء المسلمين، كلهن يقلن بقولي وعلى مثل رأيي: إن الله تعالى بعثك إلى الرجال والنساء كافة، فآمنا بك واتبعناك، وإنا معشر النساء مقصورات مخدرات، قواعد البيوت، ومواضع شهوات الرجال، وحاملات أولادهم، وإن معاشر الرجال فضلوا علينا بالجمع والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والجهاد في سبيل الله، و إذا خرجوا إلى الجهاد حفظنا لهم أموالهم، وغزلنا أثوابهم، وربينا أولادهم، أفنشاركهم في هذا الأجر يا رسول الله ؟ فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه إلى أصحابه ثم قال: هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالا عن دينها من هذه؟ فقالوا: لا والله يا رسول الله، ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها فقال: انصرفي يا أسماء، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها لمرضاته، واتباعها لموافقته، يعدل كل ما ذكرت للرجال0
وتعرف أسماء ايضاً بلقب “مزينة عائشة” أي التي زينت عائشة لأنها كانت لها دراية بزينة النساء، ولذلك فإنها قد زينت أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها يوم زفافها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مبايعتها للرسول (ص)
وقد كانت أسماء من المبايعات الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع أختها حواء بنت يزيد وكانت تفاخر بذلك.
وحين جاءت أسماء لمبايعة النبي - صلى الله عليه وسلم - ودنت منه وعليها سواران من ذهب، وبصر الرسول صلى الله عليه وسلم بريق الذهب قال لها:
القي السوارين يا أسماء، أما تخافين أن يسورك الله بأساور من نار؟
قالت أسماء: فألقيتهما فما أدري من أخذهما؟
روايتها للحديث
وقد روت أسماء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا وثمانين حديثاً واستفادت من التربية النبوية، وكذلك كان لها السبق في رواية أحاديث حول فضل بعض آيات وسور القرآن، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هاتين الآيتين: “الله لا إله إلا هو الحي القيوم..” و”الم. الله لا إله إلا هو الحي القيوم” ان فيهما اسم الله الأعظم

تفقها في الدين
وكانت أسماء رضي الله عنها من ذوات العقل والتفقه في الدين بل ولم يمنعها الحياء عن السؤال في أدق المسائل الدينية للنساء فكانت نعم نساء الأنصار كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين ويتفقهن فيه0
نزول اية الطلاق فيها
ومما يذكر لأسماء بنت يزيد أنها طلقت ولم تكن للنساء عدة فأنزل الله عز وجل قوله تعالى: “والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء”.

جهادها في سبيل الله
شهدت مشاهد من غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم ففي غزوة الخندق أخرجت طعاما للمجاهدين فطرح الله فيه البركة، وكانت من الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة بيعة الرضوان، وكانت لها البشارة بالجنة : لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة وكانت مشاركة في غزوة خيبر تعالج جرحى المسلمين ، وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، شاركت في معركة اليرموك في الشام ، وقاتلت حين اشتد القتال بين الفريقين، وكانت تشارك مع النساء في ضرب من يفر من المعركة من جنود الإسلام، واقتلعت عمود الخيمة وراحت تضرب به رؤوس الروم حتى قتلت يومها تسعة من جنود الروم 0

الدعوة الى الله
وقد استقر بها المقام في الشام وطاب لها العيش هناك، وأخذت تعلم النساء الإسلام وتروي الأحاديث التي حفظتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 0

وفاتها
وعاشت حتى خلافة عبد الملك بن مروان وماتت عام 69 ه فكانت من المعمرات ودفنت في دمشق، رضي الله عنها[/align:8a043ee935]


[align=center:8a043ee935]واخيرا
اللهم صلي وسلم وزد وبارك على حبيبك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وصل على الخلفاء الراشدين المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى أمهات المؤمنين، وعلى آله الطاهرين وصحابته الأكرمين ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك ياذي الجلاال والاكرام
اللهم أسقنا من حوضه وأكتب لنا شفاعته
اللهم أجمعنا معه
في دار كرامتك ومستقر رحمتك
والحمد لله رب العالمين[/align:8a043ee935]

الساهر
09-09-2007, 09:37 PM
[align=center:19d722770f]http://anambsot.googlepages.com/rdd5ye8.gif[/align:19d722770f]

[align=center:19d722770f]أخي حامد
وقد تم تثبيت الموضوع ليستفيد منه

اعضائنا الكرام

اكرر شكري لك[/align:19d722770f]

القفعان
13-09-2007, 05:45 PM
شكر الله لك وبارك فيك وجزاك الله خيرا