ام خالد
25-10-2007, 11:58 AM
المحرمات من النساء بسبب الرضاع
إعداد زكريا حسيني
عن عروة أنَّ عائشة رضي الله عنها أخبرته أنه جاء أفلَحُ أخو أبي القُعَيسِ يستأذن عليها، بعد ما نزل الحجاب، وكان أبو القعيس أبا عائشة من الرضاعة، قالت عائشة فقلت: والله لا آذن لأفلح حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن أبا القُعيسِ ليس هو أرضعني ولكنْ أرضعتني امرأته، قالت عائشة: فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله إن أفلح أخا أبي القُعيسِ جاءني يستأذن عليَّ فكرهت أن آذن له حتى أستأذنك قال: قالت: فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ائذني له".
قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: "حرموا من الرضاعة ما تحرمون من النسب".
هذا الحديث أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما، والسياق لمسلم، كما أخرجه أيضا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وكذلك أخرجه الإمام أحمد في المسند.
شرح الحديث
قول عائشة رضي الله عنها: "حَرِّموا من الرضاعة ما تحرمون من النسب": هو جزء من نص حديث جاء مصرحًا به من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بنت حمزة: "لا تحل لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، هي ابنة أخي من الرضاع". خرجاه في الصحيحين.
وهنا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل المحرمات من الرضاع مثل المحرمات من النسب، فجعل المحرمات من النسب أصلا يقاس عليهن مثلهن من الرضاع، إذن لابد من معرفة المحرمات بالنسب حتى نعرف المحرمات بالرضاع فالمحرمات بالنسب بيَّنتهن الآية من سورة النساء في قوله تعالى: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت {النساء:23}.
فالآية بيَّنت أن المحرمات بالنسب سبع وهن:
1 الأم، وتشمل الأم والجدة لأم والجدة لأب وأم الجدة لأم وأم الجدة لأب، فيقال: الأم وإن علت.
2 البنت، وتشمل البنت، وبنتها، وبنت الابن وهكذا فيقال: البنت وإن نزلت.
3 الأخت، وتشمل الأخت الشقيقة، والأخت لأبٍ، والأخت لأم.
4 العمة: وتشمل العمة أخت الأب شقيقةً كانت أو لأب أو لأم، والعمة أخت الجدِّ وهكذا، فيقال: العمة وإن علت.
5 الخالة: وتشمل الخالة أخت الأم شقيقة كانت أو لأب أو لأم، والخالة أخت الجدة وهكذا، فيقال وإن علت.
6 بنت الأخ: وتشمل بنت الأخ الشقيق وبنت الأخ لأب، وبنت الأخ لأم، وبنت بنت الأخ وبنت ابن الأخ فيقال: بنت الأخ وإن نزلت.
7 بنت الأخت، وتشمل بنت الأخت الشقيقة وبنت الأخت لأب أو لأم، وبنت بنت الأخت، وبنت ابن الأخت وهكذا فيقال: بنت الأخت وإن نزلت.
هؤلاء المحرمات بالنسب، وهن أصل يقاس عليهن المحرمات بالرضاع بقوله صلى الله عليه وسلم : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" وفي حديث آخر: "إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة" وفي رواية: "الرضاع يُحرم ما تحرمهُ الولادة" وكلها في الصحيحين من حديث عائشة وعبد الله بن العباس، وعلي رضي الله عنهم. فإذن اللائي يحرمن من الرضاع على هذا الترتيب هن:
1 الأم التي أرضعت وأمها وأم زوجها صاحب اللبن فالأم تشمل الجدات فيصح أن يقال فيها: الأم وإن علت.
2 البنت من الرضاعة وإن نزلت، أي وبنتها وبنت بنتها وبنت ابنها، فيقال فيها: البنت وإن نزلت، وهذا مبني على أن لبن الفحل يُحَرِّم؛ أي: إثبات أبوة الفحل صاحب اللبن، وأن التحريم ينتشر منه كما ينتشر من المرأة، قال ابن القيم: وهذا هو الحق الذي لا يجوز أن يقال بغيره، وإن خالف فيه من خالف من الصحابة ومن بعدهم، فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع، ويترك ما خالفها لأجلها، ولا تترك هي لقول أحد كائنا من كان، ولو تُركت السنن لخلاف من خالفها لعدم بلوغها له، أو لتأويلها، أو غير ذلك لتركت الحجة إلى غيرها، وقول من يجب اتباعه إلى قول من لا يجب اتباعه، وقول المعصوم إلى قول غير المعصوم، وهذه بَلِيَّةٌ، نسأل الله العافية منها وأن لا نلقاه بها يوم القيامة.
قال الأعمش: كان عمارة، وإبراهيم، وأصحابنا لا يرون بلبن الفحل بأسًا حتى أتاهم الحكم بن عتيبة. بخبر أبي القعيس، يعني فتركوا قولهم، ورجعوا عنه، وهكذا يصنع أهل العلم إذا أتتهم السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا إليها، وتركوا قولهم بغيرها. انتهى من الزاد ج5 ص564، 565.
والمقصود بخبر أبي القعيس هو ما ورد في هذا الحديث، والعجب أن عائشة ناقشت الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا فقالت: فإن أبا القعيس لم يرضعني، ولكن أرضعتني امرأته، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ائذني له فإنه عمك، وفي رواية قال لها: تربت يمينك، حاثًّا لها على الاستجابة لأمره صلى الله عليه وسلم بالإذن لأفلح، ومبينا أن لبن الفحل يحرم وتنتشر به الحرمة كما تنتشر بلبن المرأة.
3 الأخت من الرضاع وهي كالأخت من النسب، أي بأنواعها الثلاثة الشقيقة، ولأب، ولأم والكلام في الأخت لأب من الرضاع ثابت أيضا بخبر أبي القعيس، وصورته أنه يحرم على الرجل أن يتزوج بنت صاحب اللبن من زوجة غير التي أرضعته.
أي أن رجلا له زوجتان أو أكثر، فأرضعت إحدى الزوجتين أو الزوجات طفلا، فإذا أراد هذا الطفل أن يتزوج من بنات هذا الرجل من الزوجة الأخرى التي لم ترضعه فإنها لا تحل له، لأنها أخته لأبيه من الرضاع.
4 العمة من الرضاع، وهي أخت زوج المرأة التي أرضعت، أي أخت صاحب اللبن، فهي عمة وكذلك أخت أبيه عمة فيقال فيها أيضا: العمة وإن علت.
5 الخالة من الرضاع، وهي أخت المرأة التي أرضعت، وكذلك أخت أمها وهكذا فيقال فيها: الخالة وإن علت.
6 بنت الأخ من الرضاع، وكذلك بنت ابن الأخ وبنت بنت الأخ من الرضاع فيقال فيها: بنت الأخ وإن نزلت.
7 بنت الأخت من الرضاع، وكذلك بنت بنت الأخت، وبنت ابن الأخت من الرضاع، فيقال فيها: بنت الأخت وإن نزلت.
هؤلاء سبع من الرضاع حرمن كما حرمت مثيلاتهن من النسب وذلك بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" وبقوله صلى الله عليه وسلم : "الرضاعة تحرِّمُ ما يَحْرُم من الولادة" وهكذا نرى انتشار المحرمية بالرضاع كانتشارها بالنسب تمامًا بتمام، وبقي من أسباب التحريم التحريم بالمصاهرة فهو قسم ثالث السبب فيه ليس الولادة ولا الرضاع وإنما سببه المصاهرة، سنتكلم عنه لكن بعد الكلام عن أمور بقيت في التحريم بالرضاع.
الأمر الأول:
المراد بالرضعة، وعدد الرضعات التي تحرِّم، فأما الرضعة التي تنفصل عن أختها وتسمى رضعة فهي المرة من الرضاع، فمتى الْتَقَمَ الثدي فامتص منه ثم تركه باختياره من غير عارض كان ذلك رضعة، لأن الشرع ورد بذلك مطلقا، فيحمل على العرف وهذا هو المتعارف عليه، قال ابن القيم: والقطع العارض لتنفس أو استراحة يسيرة، أو لشيء يلهيه ثم يعود عن قرب لا يخرجه عن كونه رضعة واحدة.
ولو انتقل من ثدي المرأة إلى ثديها الآخر ليكمل الرضاع فهي رضعة واحدة أيضا.
وأما عدد الرضعات المحرمة فقد اختلف العلماء فيه على أقوال، المعتبر منها ثلاثة:
أولها: يحرم قليل الرضاع وكثيره، وهذا مروي عن طائفة من السلف والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، وهو رواية عن أحمد رحم الله الجميع، وقد احتج أصحاب هذا القول بأن الله سبحانه علق التحريم باسم الرضاعة، فحيث وجد اسمها وجد حكمها، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وهذا موافق لإطلاق القرآن، وإنْبات اللحم وإنشاز العظم يحصل بقليل الرضاع وكثيره.
وثانيها: لا يثبت التحريم بأقل من ثلاث رضعات وهذا قول داود بن علي الظاهري وهو رواية ثانية عن الإمام أحمد، وحجة القائلين بذلك أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تحرم المصة ولا المصتان". رواه مسلم عن عائشة، وروى عن أم الفضل أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا تحرم الإملاجة والإملاجتان". وفي حديث آخر عنها رضي الله عنها أنها قالت: قال رجل يا رسول الله هل تحرم الرضعة الواحدة؟ قال: "لا". قالوا: وهذه أحاديث صحيحة صريحة، لا يجوز العدول عنها، فأثبتنا التحريم بالثلاث لعموم الآية، ونفينا التحريم بما دونها بصريح السنة، إلى آخر ما قالوا.
وثالث الأقوال المعتبرة: أنه لا يثبت تحريم بأقل من خمس رضعات، وهو مذهب الشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه وهو قول ابن حزم الظاهري وقد خالف داود في هذه المسألة.
وحجة أصحاب هذا القول ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يُحَرِّمْن، ثم نسخن بخمس معلومات. فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهن فيما يقرأ من القرآن" أي توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك لم ينسخن بشيء، وفي قصة سالم مولى أبي حذيفة قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أرضعيه تحرمي عليه" قالت عائشة فأرضعته خمس رضعات.
وفي بعض روايات هذا الحديث: "أرضعيه خمس رضعات تحرمي عليه": قالوا: وعائشة أعلم الأمة بحكم هذه المسألة هي ونساء النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت عائشة رضي الله عنها إذا أرادت أن يدخل عليها أحد أمرت إحدى بنات أخواتها أو إخوتها فأرضعته خمس رضعات. قالوا: ونفى التحريم بالرضعة والرضعتين صريح في عدم تعليق التحريم بقليل الرضاع وكثيره، قالوا: وإذا علقنا التحريم بالخمس لم نكن قد خالفنا شيئا من النصوص التي استدللتم بها، وإنما نكون قد قيدنا مطلقها بالخمس وتقييد المطلق بيان لا نسخ ولا تخصيص. إلى آخر ما هنالك من المناقشات بين أصحاب هذه الأقوال، ولكن يمكن العمل بهذه الأقوال بالتفريق بين حالتين:
إحداهما: أن يكون الزواج قد تم بالفعل، ويُدَّعَى أن هناك رضاعا قد تم، ففي هذه الحال لا يفرق بين الزوجين إلا أن يثبت الرضاع يقينا ويكون خمس رضعات فأكثر، وليس أقل من خمس رضعات، قال بعض العلماء: لأن الزواج يقين، واليقين لا يزول بشبهة ولا بشك، ولكن بيقين مثله أو أقوى منه، وحينئذ تكون العبرة بأكبر الأقوال وأكثرها في عدد الرضعات.
وثانيتهما: أن تكون مجرد خِطبة، ولم يتم زواج ولا شيء، فإن ادُّعى رضاع، فحينئذ لا يشترط عدد رضعات، بل لو كانت مصة واحدة لكفت في منع إقامة هذا الزواج، وذلك اتقاء للشبهات والأمر في هذا ليس فيه تفريق بين زوجين فيختلف عن
إعداد زكريا حسيني
عن عروة أنَّ عائشة رضي الله عنها أخبرته أنه جاء أفلَحُ أخو أبي القُعَيسِ يستأذن عليها، بعد ما نزل الحجاب، وكان أبو القعيس أبا عائشة من الرضاعة، قالت عائشة فقلت: والله لا آذن لأفلح حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن أبا القُعيسِ ليس هو أرضعني ولكنْ أرضعتني امرأته، قالت عائشة: فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله إن أفلح أخا أبي القُعيسِ جاءني يستأذن عليَّ فكرهت أن آذن له حتى أستأذنك قال: قالت: فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ائذني له".
قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: "حرموا من الرضاعة ما تحرمون من النسب".
هذا الحديث أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما، والسياق لمسلم، كما أخرجه أيضا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وكذلك أخرجه الإمام أحمد في المسند.
شرح الحديث
قول عائشة رضي الله عنها: "حَرِّموا من الرضاعة ما تحرمون من النسب": هو جزء من نص حديث جاء مصرحًا به من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بنت حمزة: "لا تحل لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، هي ابنة أخي من الرضاع". خرجاه في الصحيحين.
وهنا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل المحرمات من الرضاع مثل المحرمات من النسب، فجعل المحرمات من النسب أصلا يقاس عليهن مثلهن من الرضاع، إذن لابد من معرفة المحرمات بالنسب حتى نعرف المحرمات بالرضاع فالمحرمات بالنسب بيَّنتهن الآية من سورة النساء في قوله تعالى: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت {النساء:23}.
فالآية بيَّنت أن المحرمات بالنسب سبع وهن:
1 الأم، وتشمل الأم والجدة لأم والجدة لأب وأم الجدة لأم وأم الجدة لأب، فيقال: الأم وإن علت.
2 البنت، وتشمل البنت، وبنتها، وبنت الابن وهكذا فيقال: البنت وإن نزلت.
3 الأخت، وتشمل الأخت الشقيقة، والأخت لأبٍ، والأخت لأم.
4 العمة: وتشمل العمة أخت الأب شقيقةً كانت أو لأب أو لأم، والعمة أخت الجدِّ وهكذا، فيقال: العمة وإن علت.
5 الخالة: وتشمل الخالة أخت الأم شقيقة كانت أو لأب أو لأم، والخالة أخت الجدة وهكذا، فيقال وإن علت.
6 بنت الأخ: وتشمل بنت الأخ الشقيق وبنت الأخ لأب، وبنت الأخ لأم، وبنت بنت الأخ وبنت ابن الأخ فيقال: بنت الأخ وإن نزلت.
7 بنت الأخت، وتشمل بنت الأخت الشقيقة وبنت الأخت لأب أو لأم، وبنت بنت الأخت، وبنت ابن الأخت وهكذا فيقال: بنت الأخت وإن نزلت.
هؤلاء المحرمات بالنسب، وهن أصل يقاس عليهن المحرمات بالرضاع بقوله صلى الله عليه وسلم : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" وفي حديث آخر: "إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة" وفي رواية: "الرضاع يُحرم ما تحرمهُ الولادة" وكلها في الصحيحين من حديث عائشة وعبد الله بن العباس، وعلي رضي الله عنهم. فإذن اللائي يحرمن من الرضاع على هذا الترتيب هن:
1 الأم التي أرضعت وأمها وأم زوجها صاحب اللبن فالأم تشمل الجدات فيصح أن يقال فيها: الأم وإن علت.
2 البنت من الرضاعة وإن نزلت، أي وبنتها وبنت بنتها وبنت ابنها، فيقال فيها: البنت وإن نزلت، وهذا مبني على أن لبن الفحل يُحَرِّم؛ أي: إثبات أبوة الفحل صاحب اللبن، وأن التحريم ينتشر منه كما ينتشر من المرأة، قال ابن القيم: وهذا هو الحق الذي لا يجوز أن يقال بغيره، وإن خالف فيه من خالف من الصحابة ومن بعدهم، فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع، ويترك ما خالفها لأجلها، ولا تترك هي لقول أحد كائنا من كان، ولو تُركت السنن لخلاف من خالفها لعدم بلوغها له، أو لتأويلها، أو غير ذلك لتركت الحجة إلى غيرها، وقول من يجب اتباعه إلى قول من لا يجب اتباعه، وقول المعصوم إلى قول غير المعصوم، وهذه بَلِيَّةٌ، نسأل الله العافية منها وأن لا نلقاه بها يوم القيامة.
قال الأعمش: كان عمارة، وإبراهيم، وأصحابنا لا يرون بلبن الفحل بأسًا حتى أتاهم الحكم بن عتيبة. بخبر أبي القعيس، يعني فتركوا قولهم، ورجعوا عنه، وهكذا يصنع أهل العلم إذا أتتهم السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا إليها، وتركوا قولهم بغيرها. انتهى من الزاد ج5 ص564، 565.
والمقصود بخبر أبي القعيس هو ما ورد في هذا الحديث، والعجب أن عائشة ناقشت الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا فقالت: فإن أبا القعيس لم يرضعني، ولكن أرضعتني امرأته، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ائذني له فإنه عمك، وفي رواية قال لها: تربت يمينك، حاثًّا لها على الاستجابة لأمره صلى الله عليه وسلم بالإذن لأفلح، ومبينا أن لبن الفحل يحرم وتنتشر به الحرمة كما تنتشر بلبن المرأة.
3 الأخت من الرضاع وهي كالأخت من النسب، أي بأنواعها الثلاثة الشقيقة، ولأب، ولأم والكلام في الأخت لأب من الرضاع ثابت أيضا بخبر أبي القعيس، وصورته أنه يحرم على الرجل أن يتزوج بنت صاحب اللبن من زوجة غير التي أرضعته.
أي أن رجلا له زوجتان أو أكثر، فأرضعت إحدى الزوجتين أو الزوجات طفلا، فإذا أراد هذا الطفل أن يتزوج من بنات هذا الرجل من الزوجة الأخرى التي لم ترضعه فإنها لا تحل له، لأنها أخته لأبيه من الرضاع.
4 العمة من الرضاع، وهي أخت زوج المرأة التي أرضعت، أي أخت صاحب اللبن، فهي عمة وكذلك أخت أبيه عمة فيقال فيها أيضا: العمة وإن علت.
5 الخالة من الرضاع، وهي أخت المرأة التي أرضعت، وكذلك أخت أمها وهكذا فيقال فيها: الخالة وإن علت.
6 بنت الأخ من الرضاع، وكذلك بنت ابن الأخ وبنت بنت الأخ من الرضاع فيقال فيها: بنت الأخ وإن نزلت.
7 بنت الأخت من الرضاع، وكذلك بنت بنت الأخت، وبنت ابن الأخت من الرضاع، فيقال فيها: بنت الأخت وإن نزلت.
هؤلاء سبع من الرضاع حرمن كما حرمت مثيلاتهن من النسب وذلك بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" وبقوله صلى الله عليه وسلم : "الرضاعة تحرِّمُ ما يَحْرُم من الولادة" وهكذا نرى انتشار المحرمية بالرضاع كانتشارها بالنسب تمامًا بتمام، وبقي من أسباب التحريم التحريم بالمصاهرة فهو قسم ثالث السبب فيه ليس الولادة ولا الرضاع وإنما سببه المصاهرة، سنتكلم عنه لكن بعد الكلام عن أمور بقيت في التحريم بالرضاع.
الأمر الأول:
المراد بالرضعة، وعدد الرضعات التي تحرِّم، فأما الرضعة التي تنفصل عن أختها وتسمى رضعة فهي المرة من الرضاع، فمتى الْتَقَمَ الثدي فامتص منه ثم تركه باختياره من غير عارض كان ذلك رضعة، لأن الشرع ورد بذلك مطلقا، فيحمل على العرف وهذا هو المتعارف عليه، قال ابن القيم: والقطع العارض لتنفس أو استراحة يسيرة، أو لشيء يلهيه ثم يعود عن قرب لا يخرجه عن كونه رضعة واحدة.
ولو انتقل من ثدي المرأة إلى ثديها الآخر ليكمل الرضاع فهي رضعة واحدة أيضا.
وأما عدد الرضعات المحرمة فقد اختلف العلماء فيه على أقوال، المعتبر منها ثلاثة:
أولها: يحرم قليل الرضاع وكثيره، وهذا مروي عن طائفة من السلف والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، وهو رواية عن أحمد رحم الله الجميع، وقد احتج أصحاب هذا القول بأن الله سبحانه علق التحريم باسم الرضاعة، فحيث وجد اسمها وجد حكمها، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وهذا موافق لإطلاق القرآن، وإنْبات اللحم وإنشاز العظم يحصل بقليل الرضاع وكثيره.
وثانيها: لا يثبت التحريم بأقل من ثلاث رضعات وهذا قول داود بن علي الظاهري وهو رواية ثانية عن الإمام أحمد، وحجة القائلين بذلك أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تحرم المصة ولا المصتان". رواه مسلم عن عائشة، وروى عن أم الفضل أنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا تحرم الإملاجة والإملاجتان". وفي حديث آخر عنها رضي الله عنها أنها قالت: قال رجل يا رسول الله هل تحرم الرضعة الواحدة؟ قال: "لا". قالوا: وهذه أحاديث صحيحة صريحة، لا يجوز العدول عنها، فأثبتنا التحريم بالثلاث لعموم الآية، ونفينا التحريم بما دونها بصريح السنة، إلى آخر ما قالوا.
وثالث الأقوال المعتبرة: أنه لا يثبت تحريم بأقل من خمس رضعات، وهو مذهب الشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه وهو قول ابن حزم الظاهري وقد خالف داود في هذه المسألة.
وحجة أصحاب هذا القول ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يُحَرِّمْن، ثم نسخن بخمس معلومات. فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهن فيما يقرأ من القرآن" أي توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك لم ينسخن بشيء، وفي قصة سالم مولى أبي حذيفة قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أرضعيه تحرمي عليه" قالت عائشة فأرضعته خمس رضعات.
وفي بعض روايات هذا الحديث: "أرضعيه خمس رضعات تحرمي عليه": قالوا: وعائشة أعلم الأمة بحكم هذه المسألة هي ونساء النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت عائشة رضي الله عنها إذا أرادت أن يدخل عليها أحد أمرت إحدى بنات أخواتها أو إخوتها فأرضعته خمس رضعات. قالوا: ونفى التحريم بالرضعة والرضعتين صريح في عدم تعليق التحريم بقليل الرضاع وكثيره، قالوا: وإذا علقنا التحريم بالخمس لم نكن قد خالفنا شيئا من النصوص التي استدللتم بها، وإنما نكون قد قيدنا مطلقها بالخمس وتقييد المطلق بيان لا نسخ ولا تخصيص. إلى آخر ما هنالك من المناقشات بين أصحاب هذه الأقوال، ولكن يمكن العمل بهذه الأقوال بالتفريق بين حالتين:
إحداهما: أن يكون الزواج قد تم بالفعل، ويُدَّعَى أن هناك رضاعا قد تم، ففي هذه الحال لا يفرق بين الزوجين إلا أن يثبت الرضاع يقينا ويكون خمس رضعات فأكثر، وليس أقل من خمس رضعات، قال بعض العلماء: لأن الزواج يقين، واليقين لا يزول بشبهة ولا بشك، ولكن بيقين مثله أو أقوى منه، وحينئذ تكون العبرة بأكبر الأقوال وأكثرها في عدد الرضعات.
وثانيتهما: أن تكون مجرد خِطبة، ولم يتم زواج ولا شيء، فإن ادُّعى رضاع، فحينئذ لا يشترط عدد رضعات، بل لو كانت مصة واحدة لكفت في منع إقامة هذا الزواج، وذلك اتقاء للشبهات والأمر في هذا ليس فيه تفريق بين زوجين فيختلف عن